شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1 · الإصدار ١ · الجزء ١ · ص ٣٦٧–٣٧٠ · الأصل، صفحة PDF ٣٦٩
تضمنت المادة تقرير القاعدة العامة لمسؤولية الشخص عن فعل نفسه، وهي أن كل خطأ تسبب في وقوع ضررٍ على الغير فإن مرتكبه يكون مسؤولاً ويلزمه التعويض.
وأركان هذه المسؤولية ثلاثة:
الركن الأول: الخطأ، وهو إخلال الشخص بالتزام نظامي، مع إدراكه لهذا الإخلال. فالالتزام الذي يعدُّ الإخلال به خطأً هو الالتزام النظامي، بخلاف الالتزام الأخلاقي والأدبي.
والخطأ له عنصران:
العنصر الأول: مادي، ويتمثل هذا العنصر في التعدي، ويشمل ذلك تعمد الشخص الإضرار بالغير، وكذلك التقصير والإهمال دون تعمد الإضرار بالغير.
وقد فرض النظام على كل شخص التزامًا عامًّا بعدم الإضرار بالغير، وهذا الالتزام يقتضي بذل العناية لتفادي الإضرار بالغير، والانحراف عن ذلك هو الخطأ الموجب للمسؤولية التقصيرية.
ويقاس الانحراف بسلوك الشخص المعتاد، فينظر إلى المألوف من سلوك هذا الشخص المعتاد، ويقاس عليه سلوك الشخص الذي نسب إليه التعدي.
وتطبيقًا لهذا المعيار؛ فلو قاد شخص سيارته واصطدم بشخص آخر فأصابه، فينظر إلى السلوك المعتاد، فإن كان قائد السيارة قد تجاوز في قيادته بحسب مقياس الشخص المعتاد؛ كأن يكون مسرعًا سرعة مخالفة، فيعد هذا خطأ، وإن كان قد بذل عناية الشخص المعتاد في قيادته، ومع ذلك وقع الحادث، فلا يعد هذا خطأ.
وهذا المعيار يخص الظروف الداخلية التي تتصل بالشخص الذي نسب إليه التعدي، أما الظروف الخارجية العامة التي تحيط بالتعدي فيجب الاعتداد بها وعدم التجرد منها، ومن ذلك ظروف الزمان والمكان اللذين وقع فيهما التعدي؛ كقيادة السيارة ليلاً في المدينة، فإنه يعتد بظرف الزمان وهو القيادة ليلاً، وظرف المكان وهو القيادة في المدينة.
ولما كان الأصل في المسؤولية التقصيرية أنها تترتب على الخطأ الذي صدر من المدين، فإن عبء الإثبات فيها يقع على عاتق المتضرر وهو الدائن، فعلى الدائن أن يثبت أن المدين قد انحرف عن السلوك المألوف للشخص المعتاد، فتترتب المسؤولية في ذمته، وللمدين أن يزيل عن التعدي صفة عدم المشروعية إذا أثبت أنه ارتكب هذا العمل في إحدى حالات ثلاث:
الحالة الأولى: الدفاع المشروع، وفقًا للمادة (١٢٣) من هذا النظام.
الحالة الثانية: الضرورة، وفقًا للمادة (١٢٤) من هذا النظام.
الحالة الثالثة: تنفيذ الموظف العام لنص نظامي أو لأمر صدر إليه من رئيسه، وفقًا للمادة (١٢٦) من هذا النظام.
العنصر الثاني: معنوي، ويقصد به الإدراك؛ بأن يكون مرتكب الضرر مدركًا، ففاقد التمييز لصغر سنه أو لجنونه لا يكون مسؤولاً عن الفعل الضار، وفقًا للمادة (١٢٢) من هذا النظام.
فمتى تحقق العنصران المادي والمعنوي تحقق ركن الخطأ.
الركن الثاني: الضرر، وهو ما يصيب الشخص في حقٍّ من حقوقه أو في مصلحةٍ مشروعةٍ له، والضرر قد يكون ماديًّا وهو الغالب، وقد يكون معنويًّا وفقًا للمادة (١٣٨) من هذا النظام، ووقوع الضرر واقعة مادية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات.
الركن الثالث: علاقة السببية، ويقصد بها أن توجد علاقة مباشرة ما بين الخطأ الذي ارتكبه المسؤول والضرر الذي أصاب المتضرر، وهي ركن مستقل عن الخطأ فقد توجد ولا يوجد الخطأ؛ كما في حالات المسؤولية على أساس تحمل التبعة، وقد يوجد الخطأ ولا توجد علاقة السببية؛ كما إذا وجد خطأ آخر مباشر تسبب في الضرر، أما أثر تخلف هذا الركن فيظهر في صورتين:
الصورة الأولى: انعدام السببية لقيام السبب الأجنبي.
الصورة الثانية: انعدامها لأن السبب غير منتج أو غير مباشر.
وقد تضمنت المادة (١٢٥) من هذا النظام حالات انتفاء المسؤولية فيما يتصل بعلاقة السببية.
ولا تتحقق المسؤولية التقصيرية إلا إذا توفرت هذه الأركان الثلاثة، فينشأ التزام على من ثبتت عليه المسؤولية بالتعويض.
التفريق بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية:
أساس التفريق بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية هو أن المسؤولية التقصيرية جزاء للإخلال بالتزام نظامي، أما المسؤولية العقدية فجزاء للإخلال بالتزام عقدي، وتترتب على ذلك عدة فروق، أهمها:
أولاً: أن التعويض بمقتضى المسؤولية العقدية لا يستحق إلا بعد إعذار المدين بالالتزام إلا في الحالات المستثناة، بخلاف المسؤولية التقصيرية فلا يشترط لاستحقاق التعويض فيها الإعذار.
ثانيًا: أن المسؤولية العقدية في الأصل ليست من النظام العام فيجوز الاتفاق على الإعفاء منها، أما المسؤولية التقصيرية فهي من النظام العام فلا يجوز الاتفاق على الإعفاء منها.
ثالثًا: يلزم المدعي في المسؤولية التقصيرية إثبات وجود الفعل الضار حتى يستحق التعويض، أما في المسؤولية العقدية فيكفي المدعي إثبات وجود العقد المنشئ للالتزام، وعلى المدعى عليه إثبات تنفيذ الالتزام وإلا قامت مسؤوليته.
رابعًا: لا يكون التعويض في المسؤولية العقدية إلا عن الضرر المباشر المتوقع، أما في المسؤولية التقصيرية فيكون التعويض عن كل ضرر مباشر، متوقعًا كان هذا الضرر أو غير متوقع.
خامسًا: مناط الالتزام العقدي هو توفر الأهلية في شخص الملتزم، في حين أن مناط الالتزام في نطاق المسؤولية التقصيرية هو مجرد توفر التمييز من جانب الملتزم، بل إنه يكون مسؤولاً في بعض الحالات ولو كان غير مميز.
سادسًا: لا يثبت التضامن في المسؤولية العقدية إلا بالاتفاق، أما في المسؤولية التقصيرية فالتضامن ثابت بحكم النظام.
سابعًا: مدة تقادم المسؤولية التقصيرية تختلف عن مدة تقادم المسؤولية العقدية.