شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1 · الإصدار ١ · الجزء ١ · ص ١٧٥–١٧٧ · الأصل، صفحة PDF ١٧٧
تناولت المادة العيب الأول من عيوب الرضى، وهو الغلط، وعيوب الرضى هي عيوب تلحق إرادة المتعاقد، أي إن الإرادة موجودة ولكنها معيبة، وهي بهذا تختلف عن الحالات التي يكون فيها الرضى معدومًا؛ كما في تعاقد الصغير غير المميز والمجنون.
والغلط منه ما يعدم الرضى، وهو ما يقع في ماهية العقد أو ذات المحل أو السبب، فهذا الغلط يبطل به العقد، أما الغلط الذي يعيب الرضى فهو: وهمٌ يقوم في ذهن المتعاقد فيصور له الأمر على غير حقيقته، ويدفعه للتعاقد، فلولاه لم يرض بالعقد. والمقصود به الغلط الذي يقع عند تكوُّن الإرادة لدى من صدرت منه، لا الغلط في نقل الإرادة من قبل رسول على غير وجهها، أو في تفسيرها بأن يفهمها من وجهت إليه على غير وجهها؛ لتعلق ذلك بمن وجهت إليه الإرادة لا من صدرت منه.
وبينت المادة أنه يجوز للمتعاقد طلب إبطال العقد متى وقع في الغلط، والغلط الذي يعيب الرضى يشترط له شرطان:
الشرط الأول: أن يكون جوهريًّا، وهذا ما بينته هذه المادة.
الشرط الثاني: أن يتصل المتعاقد الآخر به، وهذا ما بينته المادة (٥٨) من هذا النظام.
فبينت هذه المادة أن الغلط الذي يجيز للمتعاقد طلب إبطال العقد هو الغلط الجوهري، ووضعت معيارًا ذاتيًّا لذلك وهو أن يبلغ حدًّا لولاه لم يرض المتعاقد بالعقد، فبصرف النظر عما وقع فيه الغلط فإنه يكون معتبرًا إذا كان هو الدافع للتعاقد، أي إن العبرة بالأوصاف المعتبرة في نظر المتعاقدين تبعًا لما انطوت عليه نيتهما، ولما لابس العقد من ظروف؛ فمن اشترى قطعة من تاجر آثار على أنها أثرية وتبين أنها ليست كذلك، فمن حق المشتري أن يستند إلى واقعة أنه اشتراها من تاجر آثار قرينة على أنه ظنها أثرية، وأن هذا هو الذي دفعه للتعاقد.
وعلى هذا فمتى كان الغلط جوهريًّا فيستوي بعد ذلك الأمر الذي وقع فيه الغلط؛ فقد يقع في مادة الشيء محل العقد أو صفة فيه، أو في شخص المتعاقد الآخر أو صفة فيه، أو في القيمة، أو في الباعث على التعاقد؛ وقد نصت المادة على صورٍ معينة مما يقع فيه الغلط ويعتد به متى كان جوهريًّا، وهذه الصور هي:
الصورة الأولى: الغلط في صفة المحل، إذا كانت الصفة هي الدافع للتعاقد؛ كأن يشتري شخص قماشًا على أنه قابل لأن يغسل ثم يتبين أنه غير قابل لذلك، أو يشتري أرضًا على أنها تحد من أحد النواحي بشارع ثم يتبين أن الأرض محصورة من جميع الجهات.
الصورة الثانية: الغلط في شخص المتعاقد معه أو صفته، إذا كان شخصه أو صفته هو الدافع للتعاقد؛ كالغلط في شخص الموهوب له أو الوكيل أو العامل أو الشريك، أو الغلط في صفة جوهرية فيه؛ كأن يتعاقد مع شخص يظنه مهندسًا ويتبين أنه ليس كذلك.
الصورة الثالثة: الغلط في الحكم النظامي، سواء تعلق بصفة المحل أو شخص المتعاقد أو صفته أو القيمة أو الباعث على التعاقد؛ كما لو باع زوج نصيبه من التركة بثمن محدد ظناً منه أنه يرث الربع ثم تبين أنه يرث النصف، أو اشترى شخص أرضًا بمساحة محددة ليقيم عليها مدرسة ثم تبين أن النظام يشترط مساحة أكبر.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الصورة لا تتعارض مع القاعدة الكلية الواردة في المادة (٧٢٠) من هذا النظام: «الجهل بالحكم ليس عذرًا»؛ لأن العذر بجهل النظام يراد به استبعاد تطبيق هذا النظام، بينما الغلط في النظام يراد به التمسك بتطبيق هذا النظام.