شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 4 · المادة العشرون بعد السبعمائة
عن هذا المصدر
بينت المادة أن تطبيق القواعد الكلية الواردة فيها لا يخل بما تقضي به المادة (١) من هذا النظام، التي نصت على أن تطبيق هذه القواعد إنما يصار إليه في حال عدم وجود نص نظامي يمكن تطبيقه.
مصدر آخر · الإصدار المعتمد 1 · تسري نسخة المعرفة من 2026-10-22
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة العشرون بعد السبعمائة
بينت المادة أن تطبيق القواعد الكلية الواردة فيها لا يخل بما تقضي به المادة (١) من هذا النظام، التي نصت على أن تطبيق هذه القواعد إنما يصار إليه في حال عدم وجود نص نظامي يمكن تطبيقه.
وبينت المادة أن تطبيق هذه القواعد مقيد بعدم تعارضها مع نص نظامي؛ فإذا تعارضت قاعدة كلية من هذه القواعد مع نص نظامي؛ فيقدم النص.
كما بينت المادة وجوب مراعاة طبيعة هذه القواعد؛ فهي قواعد كلية وليست نصوصًا خاصة بمسائل معينة، مع مراعاة الشروط والاستثناءات الخاصة بكل منها.
وتجدر الإشارة إلى أنه إذا لم توجد قاعدة يمكن تطبيقها؛ طبُقت الأحكام المستمدة من الشريعة الإسلامية الأكثرُ ملاءمة لهذا النظام، وفقًا للمادة (١) من هذا النظام.
وهذه القواعد هي:
القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها.
قررت القاعدة أن الحكم المترتب على الأمر -قولاً كان أو فعلاً- يكون بمقتضى المقصود منه؛ فيختلف حكمه باختلاف ذلك المقصود.
والمراد بالأمر كل ما يصدر عن الإنسان من قول أو فعل.
والمراد بالمقصد الإرادة المتوجهة إلى الشيء، مما دلت عليه الظروف.
فمتى كان الشخص أهلاً للتصرف اعتُبرت إرادته فيما يترتب على تصرفه من أحكام؛ فلا تؤخذ الألفاظ والأفعال مجردةً عما يحتف بها من دلالات تكشف عن الإرادة والمقصود.
ويشترط لإعمال القاعدة عدة شروط، وهي:
الشرط الأول: أن يكون المقصود معلومًا للقاصد.
الشرط الثاني: أن يكون المقصود مشروعًا؛ فلا يُعتد بالمقصود المخالف للنظام العام.
الشرط الثالث: أن يكون القصد جازمًا لا تردد فيه.
الشرط الرابع: أن يكون المقصود ممكناً مقدورًا عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن محل تطبيق القاعدة في الأمور التي تختلف أحكامها بالقصد، فلا تسري على ما لا يختلف حكمه باختلاف القصد فيه.
القاعدة الثانية: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
قررت القاعدة أن المعتد به في تفسير العقود وتكييفها وترتيب آثارها هو المقصد الحقيقي من عبارات العقد وصيغه، والذي انصرفت إليه الإرادة المشتركة للمتعاقدين، لا مجرد الألفاظ المستعملة في التعبير عن تلك الإرادة؛ إذ يتعين الوقوف على الإرادة الحقيقية للمتعاقدين، دون المظهر الخارجي لتلك الألفاظ.
والمراد بالمعاني الصور الذهنية التي دل عليها القول أو الفعل، والمراد بالألفاظ والمباني الكلام الذي يقصد المتعاقد أن يعبر به عن إرادته.
ومؤدى القاعدة أنه متى تعارض ما قصده المتعاقدان مع ظاهر الألفاظ المستعملة في العقد، وتعذر التوفيق بينهما؛ كانت العبرة بحقيقة ما قصداه، لا بما تدل عليه ظواهر الألفاظ والصيغ المستعملة. أما إذا لم يتعذر التوفيق بينهما؛ فلا يجوز إلغاء الألفاظ ولا إهمالها.
ويراعى أنه لا محل لتطبيق القاعدة متى كانت عبارة العقد واضحة الدلالة؛ إذ المعمول به في هذه الحالة هو ما دلت عليه تلك العبارة، وفقًا لما قررته المادة (١٠٤) من هذا النظام. أما إذا كانت العبارة تحتمل أكثر من معنى، أو كشفت الملابسات والظروف عن عدم مطابقة ظاهرها لحقيقة العقد؛ فيجوز الاستعانة بتلك الملابسات والظروف للكشف عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين.
القاعدة الثالثة: العادة مُحَكَّمة.
قررت القاعدة أن العادة تكون حَكَمًا ومرجعًا عند الاختلاف والنزاع.
والمراد بالعادة ما استقر عليه تعامل الناس وتكرر منهم حتى صار مألوفًا بينهم، فتشمل العرفَ، سواء كان عرفًا عامًّا بين الناس أو خاصًّا بفئة أو منطقة معينة، كما يدخل فيها ما هو أضيق من ذلك نطاقًا، وهو العادة الجارية بين طرفي التعامل دون سواهما؛ فمتى وجدت تلك العادة أو ذلك العرف كان هو المرجع عند النزاع.
وعند الاحتكام إلى العادة تُقدَّم العادة الجارية بين طرفين على العرف، كما يُقدَّم العرف الخاص على العرف العام.
ويشترط لاعتبار العادة وإعمالها عدة شروط، وهي:
الشرط الأول: أن تكون مطردةً مستقرةً أو غالبةً؛ فلا يتحقق وصف الشيء بكونه عادةً إلا باتصافه بالاطراد والغلبة.
الشرط الثاني: أن تكون مقارنةً للواقعة لا متأخرةً عنها.
الشرط الثالث: ألا يتفق المتعاقدان على خلافها.
الشرط الرابع: ألا تكون مخالفةً للنظام العام.
القاعدة الرابعة: التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
قررت القاعدة أن ما جرى العرف بتعيينه أو تحديده يأخذ من حيث الإلزام به حكم التعيين المنصوص عليه عند عدمه.
والعرف يشمل العادة الجارية بين طرفي التعامل؛ متى استقر تعاملهما عليها.
ويشترط لإعمال القاعدة توفر الشروط المبينة في القاعدة الثالثة.
القاعدة الخامسة: المعروف عرفًا كالمشروط شرطاً.
قررت القاعدة أن ما جرى عليه العرف من التزامات أو شروط يكون في حكم ما اشتُرط صراحةً؛ فيُراعى الشرط المتعارف عليه بين الناس ويُعمل به، ويعد العمل بذلك الشرط بين المتعاقدين اتفاقًا ضمنيًّا مصدره العرف.
والعرف يشمل العادة الجارية بين طرفي التعامل؛ متى استقر تعاملهما عليها.
ويشترط لإعمال القاعدة توفر الشروط المبينة في القاعدة الثالثة.
القاعدة السادسة: الممتنع عادة كالممتنع حقيقة.
قررت القاعدة أن الأمر الذي تُحيل العادة وقوعه -وإن كان وقوعه ممكناً من ناحية التصور العقلي- يأخذ حكم الممتنع حقيقةً؛ فلا يعتد بمجرد احتمال وقوعه، ولا تبنى عليه الأحكام ولا تترتب عليه آثار التصرفات.
والمراد بالممتنع حقيقةً ما لا يمكن وقوعه عقلاً، وأما الممتنع عادةً فهو ما لا يُعهد وقوعه وإن كان فيه احتمال عقلي بعيد.
القاعدة السابعة: اليقين لا يزول بالشك.
قررت القاعدة أن الأمر الثابت وجوده أو عدمه ثبوتًا جازمًا أو راجحًا لا يرتفع بمجرد طروء الشك في بقائه أو زواله.
والمراد باليقين الاعتقاد الجازم بوقوع الشيء أو عدم وقوعه، ويُلحق به الظن الغالب، وهو الاحتمال الراجح بين احتمالين أو أكثر، استنادًا إلى قرائن قوية تنزله منزلة اليقين في الحكم.
والمراد بالشك التردد في وقوع الأمر من عدمه دون وجود مرجح يعتد به، والمقصود به هنا الشك الطارئ بعد حصول اليقين السابق.
ويشترط لإعمال القاعدة عدة شروط، وهي:
الشرط الأول: اتحاد الواقعتين -المتيقنة والمشكوك فيها- في متعلقهما؛ فيكون ما تعلق به اليقين هو ما تعلق به الشك.
الشرط الثاني: اختلاف زماني حدوث اليقين والشك؛ فاليقين سابق والشك طارئ.
الشرط الثالث: ألا يعارض القاعدة ما هو أقوى منها أو مثلها.
القاعدة الثامنة: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
قررت القاعدة أن ما ثبت على حال من الأحوال في الزمان الماضي، فالأصل أن يُحكم ببقائه واستمراره على تلك الحال، ولا يُحكم بتغيره حتى يثبت دليل معتبر على تغير تلك الحال أو زوالها؛ فيرتفع حينئذٍ حكم الأصل.
القاعدة التاسعة: الأصل براءة الذمة.
قررت القاعدة أن الأصل براءة ذمة الشخص من أي التزام تجاه الغير حتى يثبت خلاف ذلك بموجب أحد مصادر الالتزام؛ فلا يُحكم بشغل ذمته ولا يُطالب بالوفاء إلا إذا قام الدليل على ثبوت الالتزام، وإذا ثبت الالتزام بقدر معين كانت ذمته بريئةً مما زاد عليه حتى يثبت العكس، وعلى من يدعي خلاف هذا الأصل عبء إثبات ذلك.
القاعدة العاشرة: الأصل في العقود والشروط الصحة واللزوم.
قررت القاعدة أن الأصل في العقود والشروط صحتها ولزومها؛ فلا يُحكم ببطلان عقد أو شرط إلا إذا قام دليل يقتضي ذلك.
وعلى هذا؛ فلا يشترط أن يكون التعاقد وفق صيغة معينة ما لم يرد بشأنه نص يقيده، وللمتعاقدين أن يتفقا على ما يرتضيانه من الشروط، وتكون صحيحةً وملزمةً لهما، ولو لم تكن تلك الشروط منصوصًا على صحتها في النظام.
وتجدر الإشارة إلى أنه يجوز أن يتضمن العقد أي شرط يرتضيه المتعاقدان إذا توفرت فيه الشروط الواردة في المادة (٧٢) من هذا النظام، وأنه متى تضمن العقد شرطاً باطلاً؛ بطل الشرط وحده، وللمتعاقد طلب إبطال العقد إذا تبين أنه ما كان ليرضى بالعقد دون ذلك الشرط؛ وفقًا لما قررته المادة (٧٤) من هذا النظام.
القاعدة الحادية عشرة: الأصل في الصفات العارضة العدم.
قررت القاعدة أن الأصل في الصفات الطارئة على الشيء انتفاء وجودها حتى يقوم الدليل على خلاف هذا الأصل.
والصفات من حيث الوجود والعدم على قسمين:
القسم الأول: الصفات الأصلية، وهي التي تكون موجودةً مع وجود الشيء، فطبيعته مشتملة عليها، وهذه الصفات الأصل فيها الوجود والبقاء حتى يثبت زوالها.
القسم الثاني: الصفات العارضة، وهي التي يكون وجودها طارئًا على الشيء، فطبيعته خالية منها في الغالب، وهذه الصفات الأصل فيها العدم، وهي المقصودة بالقاعدة.
القاعدة الثانية عشرة: الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.
قررت القاعدة أنه إذا وُجد حادث -وهو الشيء الذي لم يكن موجودًا ثم وُجد- واختُلف في تحديد زمن وقوعه ولا بينة؛ فيُضاف إلى أقرب وقت يحتمل حدوثه فيه، وتُرتَّب آثاره النظامية ابتداءً من هذا الوقت، ما لم يثبت وقوعه في وقت أسبق.
وتجدر الإشارة إلى أن القاعدة إنما تُطبق إذا كان ثابتًا أن الأمر حادث وليس قديمًا، وكان الخلاف في تاريخ حدوثه ونسبته إلى الزمن الأقرب أو الأبعد. أما إذا كان الخلاف في أصل حدوث الأمر أو قدمه؛ فلا محل لتطبيق القاعدة.
القاعدة الثالثة عشرة: لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان.
قررت القاعدة أن السكوت -وهو ترك الكلام مع القدرة عليه- لا يُعد تعبيرًا عن إرادة صاحبه من حيث الأصل؛ فلا يعزى إلى ساكت قادر على الكلام أنه قال أمرًا أو أقر به أو قبل التزامًا.
واستثنت القاعدة من هذا الأصل ما إذا كان السكوت في معرض الحاجة إلى البيان؛ فيعد السكوت في هذه الحال بيانًا يعتد به.
وبذلك يتبين أن السكوت لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: السكوت المجرد، وهو السكوت الذي لا يصحبه قرائن تدل على المراد، وليس في معرض الحاجة إلى البيان؛ فهذا السكوت لا يُبنى عليه حكم، ولا يعد بذاته دليلاً على القبول أو الرفض.
الحالة الثانية: السكوت الملابس، وهو السكوت في معرض الحاجة إلى البيان، وذلك فيما إذا اقترن بالسكوت من الملابسات ما يدل على الرضا والإقرار؛ فهذا السكوت يعد بيانًا، ويقوم مقام الكلام، وتُبنى عليه الأحكام.
القاعدة الرابعة عشرة: لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح.
قررت القاعدة أن ما يُستفاد من الحال أو العرف أو القرائن، وسائر وجوه الدلالات غير اللفظية التي ليس لها حكم التصريح، لا يُعتد به إذا عارض تصريحًا ظاهرًا؛ فإذا تعارض التصريح مع الدلالة أُخذ بالتصريح ولم يُعتد بالدلالة.
والمراد بالتصريح ما دل على المقصود دلالةً ظاهرةً بينةً، سواء كان كتابةً أو مشافهةً أو غير ذلك.
ويشترط للأخذ بالتصريح إذا تعارض مع الدلالة أن يكون ذلك قبل إعمال الدلالة، أما بعد إعمالها وترتب الحكم عليها؛ فلا يُعتد بالتصريح.
ونطاق القاعدة هو الأحكام المتعلقة بالتعبير عن الإرادة الذي يجوز أن يكون صريحًا أو ضمنيًّا؛ وفقًا للمادة (٣٣) من هذا النظام.
القاعدة الخامسة عشرة: لا عبرة بالظن البين خطؤه.
قررت القاعدة أن الظن البين خطؤه وعدم مطابقته للواقع لا يُعتد به ولا يُبنى عليه حكم، أما الظن المستند إلى سبب معتبر فإنه يجوز العمل بمقتضاه، حتى يثبت خطؤه فيزول اعتباره.
وتشمل القاعدة ما إذا كان الخطأ في الظن ظاهرًا بيناً في الحال، أو كان خفيًّا ثم ظهر بعد ذلك.
ولا بد أن يتحقق الخطأ في الظن؛ فالظن الذي لا يُعتد به هو ما اتضح خطؤه، أما إذا كانت التخطئة دون تحقق؛ فإنه يُعتد بالظن الذي لا يعارضه احتمال مستند إلى دليل.
القاعدة السادسة عشرة: الضرر يزال.
قررت القاعدة وجوب رفع كل أذى أو مفسدة تلحق بالغير بغير حق وإزالتها، وعدم جواز إقرارها أو الإبقاء عليها.
ويشترط لإعمال القاعدة عدة شروط، وهي:
الشرط الأول: أن يكون الضرر محققًا، سواء كان حالاًّ أو محقق الوقوع في المستقبل.
الشرط الثاني: ألا يكون الضرر ناشئًا عن استعمال الحق بطريق مشروع؛ فمن استعمل حقه استعمالاً مشروعًا لا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر؛ وفقًا للمادة (٢٨) من هذا النظام.
الشرط الثالث: ألا تكون إزالة الضرر بإحداث ضرر مساوٍ له أو أشد منه؛ فالضرر لا يزال بمثله؛ وفقًا لما قررته القاعدة السابعة عشرة.
الشرط الرابع: أن تكون إزالة الضرر بالقدر اللازم لرفعه، دون تجاوز أو تعدٍّ على حقوق الآخرين.
القاعدة السابعة عشرة: الضرر لا يزال بمثله.
قررت القاعدة أن الضرر لا تجوز إزالته بإحداث ضرر مساو له، ولا بإحداث ضرر أشد منه من باب أولى؛ ويترتب على ذلك أن الضرر يزال من غير إحداث ضرر آخر مماثل، فإن تعذر ذلك جازت إزالته بضرر أخف منه.
فإزالة الضرر لا تخلو من أربع حالات:
الحالة الأولى: أن تكون إزالة الضرر دون إحداث ضرر آخر؛ فالضرر يزال؛ وفقًا لما قررته القاعدة السادسة عشرة.
الحالة الثانية: أن تكون إزالة الضرر بإحداث ضرر أخف منه؛ فالضرر الأشد يُدفع بالضرر الأخف؛ وفقًا لما قررته القاعدة الثامنة عشرة.
الحالة الثالثة: أن تكون إزالة الضرر بإحداث ضرر مساوٍ له؛ فالضرر لا يزال بمثله؛ وفقًا لما قررته القاعدة.
الحالة الرابعة: أن تكون إزالة الضرر بإحداث ضرر أشد منه؛ فالضرر لا يزال؛ وفقًا لما قررته القاعدة في فحواها.
القاعدة الثامنة عشرة: يُدفع الضرر الأشد بالضرر الأخف.
قررت القاعدة أنه إذا تعارض ضرران وتعذر دفعهما معًا، وكان أحدهما أشد من الآخر، فيدفع الضرر الأشد بتحمل الضرر الأخف؛ ويترتب على ذلك أن الموازنة بين الأضرار معتبرة.
وشدة الضرر قد تكون بالنظر إلى ذاته، أو مقداره، أو اتساع أثره، أو مدة استمراره، أو إمكان إزالته مستقبلاً، أو التخفيف منه، ونحو ذلك. ويحدد الضرر الأخف بالموازنة بين الضررين في ضوء هذه المعايير والظروف المحيطة بكل واقعة.
القاعدة التاسعة عشرة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
قررت القاعدة أنه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة على نحو يتعذر معه الجمع بين تحصيل المصلحة وتجنب المفسدة؛ تعيَّن تقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، متى كانت المفسدة مساوية للمصلحة أو راجحة عليها.
والمراد بالمفسدة كل أمر يترتب على فعله إحداث ضرر أو تفويت مصلحة معتبرة، ويعد منها كل سبب يؤدي إليها. والمراد بالمصلحة كل أمر يترتب على فعله جلب منفعة أو دفع مضرة، ويعد منها كل سبب يؤدي إليها.
وعلى ذلك فإن تعارض المصلحة والمفسدة مع تعذر الجمع بينهما لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تكون المفسدة أعظم من المصلحة؛ فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة؛ وفقًا لما قررته القاعدة.
الحالة الثانية: أن تتساوى المفسدة والمصلحة؛ فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة؛ وفقًا لما قررته القاعدة.
الحالة الثالثة: أن تكون المصلحة أعظم من المفسدة؛ فجلب المصلحة مقدم على درء المفسدة؛ مراعاةً لغلبة المصلحة على المفسدة.
القاعدة العشرون: إذا تعارض المانع والمقتضي قُدِّم المانع.
قررت القاعدة أنه إذا اجتمع في الواقعة سبب يقتضي ثبوت الحكم وترتب أثره، وسبب يحول دون ثبوت ذلك الحكم أو ترتب أثره؛ رُجِّح المانع، فلا يترتب الحكم على المقتضي مع قيام ما يمنع ثبوته.
ومقتضى القاعدة تقديم المانع في الرتبة والاعتبار عند اجتماعه مع المقتضي، ولو تأخر وقوعه من حيث الزمان.
والمراد بالمانع الوصف الذي يمنع ثبوت الحكم أو نفاذه مع تحقق سببه؛ فكل ما يقتضي وجوده انتفاء غيره يُعد مانعًا. والمراد بالمقتضي السبب الموجب للحكم.
ويشترط لتقديم المانع على المقتضي عدة شروط، وهي:
الشرط الأول: أن يرد المانع والمقتضي على محل واحد؛ أما إذا لم يكن ورودهما على محل واحد؛ فيبقى لكلٍّ منهما حكمه.
الشرط الثاني: ألا يكون المقتضي أقوى من المانع؛ أما إذا كان جانب المقتضي أقوى؛ فإنه يُقدَّم.
الشرط الثالث: تحقق التعارض وتعذر الجمع بين المقتضي والمانع؛ أما إذا أمكن العمل بهما معًا؛ فلا يُقدَّم المانع.
القاعدة الحادية والعشرون: المشقة تجلب التيسير.
قررت القاعدة أن المشقة تكون سببًا للتخفيف والتسهيل، والمراد بالمشقة العناء والشدة والصعوبة الخارجة عن المعتاد، فيقتضي تحققها التخفيف في حق الشخص بالقدر الذي تندفع به المشقة.
ويشترط لإعمال القاعدة عدة شروط، وهي:
الشرط الأول: أن تكون المشقة منفكة عن الالتزام غالبًا، فالمشقة التي لا تنفك عن الالتزام لا أثر لها في جلب التيسير.
الشرط الثاني: أن تكون المشقة خارجة عن المعتاد، ولكنها في حدود المقدور عليه بوجه عام.
الشرط الثالث: أن تكون المشقة حقيقية، فالمشقة المتوهمة أو المشكوك فيها لا أثر لها في جلب التيسير.
الشرط الرابع: أن تكون المشقة غالبة، فالمشقة نادرة الوقوع لا أثر لها في جلب التيسير.
الشرط الخامس: ألا تؤدي المصلحة المجلوبة بالتيسير إلى فوات مصلحة أعظم منها أو ارتكاب مفسدة؛ فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح وفقًا لما قررته القاعدة التاسعة عشرة.
القاعدة الثانية والعشرون: الضرورات تقدر بقدرها.
قررت القاعدة أنه يراعى في دفع الضرورة ألا يتجاوز المضطر حد الاضطرار، بل يقتصر على القدر الذي تندفع به الضرورة، وإلا كان متعديًا؛ فالأصل منع ارتكاب المحظور، وإنما رُخص فيه لدفع الضرورة، فيجب أن يكون ذلك بالقدر الذي تندفع به.
والمراد بالضرورة الحالة الملجئة لارتكاب الممنوع.
والقاعدة يعمل بها أثناء قيام حالة الضرورة، أما بعد انتهاء حالة الضرورة فالمقرر أن ما ثبت لعذر يزول بزواله، وفقًا لما قررته القاعدة السابعة والثلاثون.
القاعدة الثالثة والعشرون: الاضطرار لا يُبطل حق الغير.
قررت القاعدة أن الإذن للشخص المضطر بما هو ممنوع في حالة الضرورة لا يترتب عليه إسقاط حق الغير، وإنما يبقى ضمان هذا الحق قائمًا، فيلتزم المضطر بضمانه.
فلا تعد حالة الضرورة مسوغًا لإسقاط الحق وإهداره؛ فالاضطرار يجيز للمضطر استعمال حق الغير أو إتلافه بالقدر الذي يدفع به الضرر عن نفسه، ولكنه لا يرفع عنه الضمان ولا يسقط حق الغير.
القاعدة الرابعة والعشرون: الأصل في الكلام الحقيقة.
قررت القاعدة أن الأصل في كلام المتكلم أن تحمل ألفاظه على المعنى الذي وضع له اللفظ في اصطلاح التخاطب، ولا يُترك هذا المعنى إلى غيره إلا إذا وجدت قرينة دالة على إرادة المعنى الآخر، فإذا تردد الكلام بين الحقيقة والمجاز ولا مرجح؛ حُمل على الحقيقة؛ فالحقيقة أصل، والمجاز بدل عنها، فيقدم الأصل على البدل.
والمراد بالحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له، أي تَعيَّن له، بحيث يدل عليه بلا قرينة.
والمراد بالمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له.
والحقيقة تشمل الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية، فكل ما ثبت له معنى حقيقي في هذه الاستعمالات فإنه يقدم على المعنى المجازي، ولا يُعدل عنه إلا بقرينة.
ويشترط لحمل الكلام على الحقيقة عدة شروط، وهي:
الشرط الأول: أن يكون للفظ معنى حقيقي متبادر عند الإطلاق.
الشرط الثاني: ألا يتعذر إعمال الحقيقة، فإذا كان المعنى الحقيقي متعذرًا حُمل الكلام على المعنى المجازي؛ لأن إعمال الكلام أولى من إهماله وفقًا لما قررته القاعدة الخامسة والعشرون.
الشرط الثالث: ألا يوجد مرجح لإرادة المجاز، فإذا وجد مرجح للمعنى المجازي صُرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى المجازي.
القاعدة الخامسة والعشرون: إعمال الكلام أولى من إهماله.
قررت القاعدة أن حمل الكلام على معنى صحيح سواء كان حقيقيًّا أو مجازيًّا أولى من إهماله وجعله لغوًا؛ فالأصل في كلام من يعتد بكلامه أن يكون مقصودًا ومفيدًا.
ولإعمال الكلام وجوه متعددة، منها أنه إذا احتمل اللفظ أن يكون تأسيسًا لمعنى جديد أو تأكيدًا لمعنى مذكور في السياق، حُمل على التأسيس، وكذلك إذا تردد الوصف بين أن يكون قيدًا مؤثرًا أو وصفًا كاشفًا، حُمل على كونه قيدًا، ما لم يوجد مرجح بخلاف ذلك.
ويشترط لإعمال القاعدة شرطان، وهما:
الشرط الأول: أن يصدر الكلام ممن يعتد بكلامه، فمَنْ لا أهلية له ليس لكلامه اعتبار في الأصل.
الشرط الثاني: ألا يتعذر إعمال الكلام وحمله على معنى صحيح يحتمله اللفظ، فإن تعذر فإنه يُهمل ولا يترتب عليه حكم.
القاعدة السادسة والعشرون: المطلق يجري على إطلاقه؛ ما لم يقم دليل التقييد نصًّا أو دلالة.
قررت القاعدة أن الأصل أن يحمل المطلق على إطلاقه ويُعمل به من غير تقييد بوصف أو شرط أو زمان أو مكان أو غير ذلك من القيود؛ إلا إذا وجد دليل على التقييد، سواء كان ذلك الدليل نصًا صريحًا في الكلام نفسه أو في كلام آخر مرتبط به، أو دلالة مستفادة من السياق أو القرائن أو العرف.
والمراد بالمطلق ما دل على الماهية بلا قيد.
والمراد بالمقيد ما دل على الماهية بصفة زائدة، إما نصًا، وإما دلالة بما يدل عليه ظاهر الحال أو العرف.
القاعدة السابعة والعشرون: الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر.
قررت القاعدة أن وصف أمر ظاهر في الشيء الحاضر المشاهد لا يُعتد به ولا يترتب عليه أثر؛ فالمقصود من الوصف التعريف ورفع الجهالة، وهذا يتحقق في الشيء الحاضر بمعاينته والإشارة إليه، وهما أقوى في الدلالة من الوصف.
وأما إذا كان الشيء غائبًا، فإن الوصف في هذه الحالة معتبر؛ فهو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الشيء، فيقوم مقام المعاينة في تعريفه وتحديده، ويترتب عليه أثره في تحديد الحقوق والالتزامات.
القاعدة الثامنة والعشرون: التابع تابع.
قررت القاعدة أن كل ما كان تابعًا لغيره في الوجود، فإنه يكون تابعًا له في الحكم؛ فالتابع لا يستقل عن متبوعه، بل يرتبط به وجودًا واعتبارًا، فلا يُفرد بحكم مستقل، وإنما يسري عليه حكم متبوعه ما دامت التبعية قائمة.
والمراد بالتابع ما ارتبط بغيره ارتباطاً يقتضي عدم وجوده مستقلاًّ بنفسه، بل وجوده لا ينفك عن وجود متبوعه حقيقةً أو حكمًا.
وتبعية الشيء لغيره نوعان، وهما:
النوع الأول: التبعية الحقيقية، وهي أن يكون التابع جزءًا من المتبوع، أو من لوازمه التي لا ينفك عنها عادة، أو التي يكون انفكاكها عنه مضرًا به أو مخلاً بالانتفاع المقصود منه. ولها صور متعددة، منها: أجزاء الشيء التي يتألف منها، وما يعد من ضروراته ومكملاته التي لا ينتفع به عادة إلا معها، وما جرى تخصيصه له على وجه الدوام.
النوع الثاني: التبعية الحكمية، وهي أن يكون التابع مستقلاً عن المتبوع من حيث الوجود، إلا أنه يرتبط به في الحكم لقيام سبب معتبر؛ كالعرف أو النظام أو غيرهما من أسباب التبعية.
القاعدة التاسعة والعشرون: يُغتفر في التوابع ما لا يُغتفر في غيرها.
قررت القاعدة أنه يتساهل فيما كان تابعًا لغيره وغير مقصود استقلالاً، من جهة ما يقع فيه من الجهالة أو الغرر أو غير ذلك من الأوصاف التي لا يتساهل فيها إذا وقعت في الشيء المقصود استقلالاً، سواء كان متبوعًا، أو مما ليس له تابع.
القاعدة الثلاثون: يُغتفر في البقاء ما لا يُغتفر في الابتداء.
قررت القاعدة أنه قد يتساهل في استمرار الشيء ودوامه بعد وجوده ما لا يتساهل فيه عند إنشائه وابتدائه، ولذلك فإنه قد يتساهل في تخلف بعض الأوصاف والشروط بعد أن ينعقد العقد صحيحًا، مع أنه لا يتساهل في تخلفها عند الابتداء؛ فالبقاء ليس إنشاء جديدًا، وإنما هو استمرار لما انعقد صحيحًا، فيكون أخف حكمًا من الابتداء.
وتجدر الإشارة إلى أن القاعدة لا تفيد العموم؛ فقد يشترط في الدوام ما يشترط في الابتداء، وقد يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام.
القاعدة الحادية والثلاثون: إذا سقط الأصل سقط الفرع.
قررت القاعدة أن الأمر الذي يكون وجوده متفرعًا عن أمر آخر ومبنيًا عليه يزول بزوال أصله؛ فالفرع لا يستقل بنفسه، بل يبقى تابعًا لأصله في الوجود والعدم والصحة والبطلان والثبوت والسقوط، فإذا سقط الأصل سقط الفرع، ولكن إذا سقط الفرع لا يسقط الأصل.
ويستثنى من القاعدة ما إذا كان الفرع مقصودًا لذاته، ففي هذه الحالة قد يثبت الفرع مع سقوط الأصل.
القاعدة الثانية والثلاثون: لا مساغ للاجتهاد في مورد النص.
قررت القاعدة أنه لا يسوغ الاجتهاد في واقعة ورد حكمها في نص جلي واضح لا يحتمل التأويل؛ فالاجتهاد إنما يكون عند غياب النص أو إجماله أو احتماله لأكثر من معنى، أما إذا وجد النص الجلي الواضح فلا يجوز الاجتهاد بخلافه.
والاجتهاد نوعان، وهما:
النوع الأول: الاجتهاد في فهم النص، ومحله النص المحتمل غير الواضح، أما إذا كان النص جليًّا واضحًا فلا محل للاجتهاد فيه.
النوع الثاني: الاجتهاد في الحكم خارج النص، وهذا لا يجوز الالتجاء إليه مع وجود النص المثبت للحكم.
القاعدة الثالثة والثلاثون: على اليد ما أخذت حتى تؤديه.
قررت القاعدة أنه يجب على الشخص ضمان ما أخذه حتى يرده لمالكه؛ فمن استولى على شيء مملوك للغير لزمه رده بعينه، ويتحمل تبعة هلاكه، ويكون ضامناً لثماره من حين علمه بأن حيازته للشيء بغير حق.
والمراد باليد صاحبها، وهو الذي يكون الشيء في حيازته أو تحت سلطته.
واليد من حيث الضمان نوعان، وهما:
النوع الأول: اليد الأمينة، وهي اليد التي لا يضمن صاحبها ما يهلك أو يتلف تحت يده بغير تعدّ أو تفريط؛ فالأصل في يد الأمانة عدم الضمان، وإنما يثبت الضمان عند التعدي أو التفريط.
النوع الثاني: اليد الضامنة، وهي اليد التي يثبت الضمان في حق صاحبها؛ فيلتزم برد العين لمالكها، فإن تعذر ردها لهلاكها أو تلفها ضمنها.
القاعدة الرابعة والثلاثون: الخراج بالضمان.
قررت القاعدة أن ما نتج من الشيء منفصلاً عنه، سواء كان غلة أو ريعًا أو منفعة أو ثمرة يكون مستحقًا لمن يتحمل تبعة ذلك الشيء إذا هلك أو تلف أو نقص، فانتفاعه بخراجه يكون في مقابل ضمانه.
والمراد بالخراج الحاصل من الشيء إذا كان منفصلاً عنه غير متولد منه.
والمراد بالضمان تحمل تبعة هلاك الشيء أو تلفه أو نقصه أو الخسارة المترتبة عليه.
ويشترط لإعمال القاعدة شرطان، وهما:
الشرط الأول: أن يكون الخراج غير متولد من الشيء نفسه، فالثمار المتولدة من الشيء نفسه ليست داخلة في حكم القاعدة، بل تخضع للأحكام الخاصة بها.
الشرط الثاني: أن يكون الخراج مستندًا إلى سبب مشروع، أما إذا لم يكن مستندًا إلى سبب مشروع فإن الخراج لا يكون بالضمان.
القاعدة الخامسة والثلاثون: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قررت القاعدة أن كل أمر يتوقف عليه أداء الواجب وتحقيقه، فإنه يأخذ حكمه في الوجوب؛ فما كان وسيلة لازمة للقيام بالواجب يصير واجبًا تبعًا له.
فالوجوب لا يتعلق بالوسيلة لذاتها، وإنما لكونها الطريق الذي لا يمكن الوصول إلى أداء الواجب إلا به؛ فإذا زال توقف الواجب عليها زال وجوبها.
والمراد بالواجب كل ما يلزم الشخص القيام به من قول أو فعل أو غير ذلك من التصرفات.
ويشترط لإعمال القاعدة عدة شروط، وهي:
الشرط الأول: أن يكون الواجب مطلقًا غير معلق على وقوع ما لا يتم إلا به.
الشرط الثاني: أن يكون ما لا يتم الواجب إلا به مقدورًا عليه.
الشرط الثالث: أن يكون ما لا يتم الواجب إلا به مشروعًا في ذاته.
الشرط الرابع: أن يتوقف أداء الواجب على ما لا يتم إلا به توقفًا حقيقيًا، بحيث يتعذر القيام بالواجب دونه.
وتجدر الإشارة إلى أن الوجوب يقتصر على القدر الذي يتوقف عليه أداء الواجب، دون ما زاد عليه.
القاعدة السادسة والثلاثون: إذا زال المانع عاد الممنوع.
قررت القاعدة أن الشيء إذا كان ممنوعًا لوجود وصف يقتضي ذلك، ثم زال هذا الوصف، فإن الحكم بالمنع يزول تبعًا لذلك.
والمراد بالمانع كل ما يقتضي وجوده انتفاء غيره.
والمراد بعود الممنوع أنه يصبح غير ممنوع.
القاعدة السابعة والثلاثون: ما ثبت لعذر يزول بزواله.
قررت القاعدة أن كل حكم ثبت استثناء لوجود عذر، فإن بقاءه مرتبط ببقاء العذر، فإذا زال العذر زال معه الحكم، وعاد إلى ما كان عليه قبل وجود العذر؛ فالعذر هو سبب ذلك الحكم، والحكم يدور مع سببه وجودًا وعدمًا.
والمراد بالعذر الوصف العارض الذي يجعل تطبيق الحكم الأصلي متعذرًا أو شاقًا، فيقتضي حكمًا يناسب حالة العذر.
وتجدر الإشارة إلى أن أثر القاعدة يقتصر على انتهاء الحكم بعد زوال العذر، أما التصرفات التي وقعت صحيحة حال قيام العذر، فإنها تبقى صحيحة، وتظل آثارها معتبرة، ولا تبطل عند زوال العذر.
القاعدة الثامنة والثلاثون: الساقط لا يعود.
قررت القاعدة أن الحق إذا سقط على وجه معتبر، فإنه لا يرجع بعد سقوطه، ولا يثبت مرة أخرى إلا بسبب جديد يقتضي ثبوته.
والمراد بالساقط هو كل حق زال بالإسقاط أو بأحد أسباب السقوط المعتبرة نظامًا.
وإسقاط الحق له صورتان، وهما:
الصورة الأولى: الإسقاط الصريح، وهو ما كان بلفظ أو تعبير واضح يدل دلالة صريحة على إسقاط الحق، ولا يحتمل غير ذلك.
الصورة الثانية: الإسقاط غير الصريح، وهو ما يُستفاد من تصرف أو التزام أو قرينة ظاهرة تدل على إرادة إسقاط الحق أو التنازل عنه، ولم يكن بلفظ صريح.
ويُشترط لإعمال القاعدة عدة شروط، وهي:
الشرط الأول: أن يكون المسقِط أهلاً للإسقاط؛ بأن يكون مالكًا للحق وأهلاً للتصرف فيه.
الشرط الثاني: أن يقع الإسقاط بعد وجود سبب الحق؛ فلا يصح إسقاط الحق قبل وجود سببه.
الشرط الثالث: أن يكون الحق قابلاً للإسقاط؛ فلا تجري القاعدة في الحقوق التي لا تقبل الإسقاط.
وتجدر الإشارة إلى أن السقوط إذا كان لوجود المانع فإن الساقط يعود عند زوال المانع؛ لأنه إذا زال المانع عاد الممنوع، وفقًا لما قررته القاعدة السادسة والثلاثون.
القاعدة التاسعة والثلاثون: إذا تعذَّر الأصل يُصار إلى البدل.
قررت القاعدة أن تعذر الأصل لا يقتضي سقوط الحق أو الحكم بالكلية، بل ينتقل إلى بدله، فيقوم مقام الأصل ويأخذ حكمه.
والمراد بالأصل ما يتعين فعله عند القدرة عليه.
والمراد بالبدل ما أُقيم مقام الأصل عند تعذره، ليحقق مقصوده بقدر الإمكان.
ويشترط لإعمال القاعدة شرطان، وهما:
الشرط الأول: أن يتعذر الأصل تعذرًا حقيقيًا، أو يترتب على الإلزام به مشقة غير معتادة.
الشرط الثاني: أن يكون للأصل بدل مقرر نظامًا.
وتجدر الإشارة إلى أن إمكان العمل بالأصل بعد تحقق المقصود بالبدل غير مؤثر؛ لاستقرار حكم البدل بعد قيامه مقام الأصل.
القاعدة الأربعون: من سعى في نقض ما تمَّ من جهته فسعيه مردودٌ عليه.
قررت القاعدة أن من أبرم أمرًا بإرادته واختياره ثم أراد نقض ما تم أو التخلص من آثاره بلا عذر لم يقبل منه ذلك؛ فهو الذي أنشأ ذلك الأمر مختارًا، فلا يُمكنه نقضه بما يتعارض مع مقتضاه.
ويشترط لإعمال القاعدة أن يكون التصرف قد صدر من الشخص نفسه على وجه معتبر.
القاعدة الحادية والأربعون: الجهل بالحكم ليس عذرًا.
قررت القاعدة أن الجهل بالحكم النظامي للتصرف أو الواقعة لا يُعد عذرًا يرفع أثر التصرف أو يعفي من المسؤولية.
والمراد بالجهل عدم العلم بالحكم النظامي، أو اعتقاد خلافه.
وتجدر الإشارة إلى أن القاعدة لا تتعارض مع اعتبار الغلط في الحكم النظامي من أسباب طلب إبطال العقد وفقًا للمادة (٥٧) من هذا النظام؛ لأن العذر بجهل النظام يراد به استبعاد تطبيق هذا النظام، بينما الغلط في النظام يراد به التمسك بتطبيق هذا النظام.