شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1 · المادة السابعة عشرة بعد المائة
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة السابعة عشرة بعد المائة
تناولت المادة تطبيقًا من أهم تطبيقات الالتزام بالإرادة المنفردة، وهو الوعد بالجائزة، فبينت الفقرة (١) أن الالتزام بالوعد بالجائزة يجب لنشوئه توفر عنصرين:
العنصر الأول: أن تصدر من الواعد إرادة الوعد، وهذه هي الإرادة المنفردة، وتسري عليها أحكام الإرادة في العقد وفقًا للمادة (١١٦) من هذا النظام؛ فيجب أن تكون الإرادة باتة كما في الإيجاب البات، وأن تتجه إرادة الواعد لإنشاء الوعد وليس للإيجاب الذي يقصد به الارتباط بقبول الطرف الآخر.
ويجب فيمن تصدر منه هذه الإرادة الأهلية، وأن تخلو إرادته من عيوب الرضى، وأن تقوم الإرادة على محل مستوف أركانه وشروطه، وتتجه لسبب مشروع؛ ولذا اشترطت الفقرة لقيام هذا الالتزام تعيين المحل؛ وذلك بتعيين أمرين، هما:
أ-الجائزة؛ وهي قد تكون نقودًا أو أي شيء آخر له قيمة مالية أو أدبية.
ب-العمل الموجه له الوعد لاستحقاق الجائزة؛ كالعثور على شيء مفقود أو وضع أفضل تصميم هندسي أو الكشف عن اختراع أو غير ذلك.
ولا يشترط لقيام الالتزام -وفقًا لما تضمنته المادة- تعيين مدة للوعد؛ فيصح ولو بلا مدة.
العنصر الثاني: أن توجه الإرادة إلى الجمهور، أي إلى أشخاص غير معينين بالذات، فإذا وجهت إلى شخص معين أو أشخاص معينين، خرجت عن أن تكون وعدًا بجائزة وتسري عليها عندئذ أحكام العقد لا الإرادة المنفردة.
وتوجيه الإرادة إلى الجمهور يستلزم أن يكون ذلك بطريق علني؛ كالإعلان في الصحف أو المواقع الإلكترونية. وضابط هذه العلانية أن تكون كافية حتى يتيسر لعدد كبير من الناس العلم بهذه الإرادة.
وبينت الفقرة أن الالتزام ينشأ وفقًا للشروط المعلنة ولو قام الشخص بالعمل دون نظر إلى الوعد بالجائزة أو دون علم بها؛ كما لو عثر شخص على شيء مفقود بعد الإعلان عن الجائزة وقبل علمه بها، بل ولو كان قد أتم العمل قبل أن يعلن الواعد عن الجائزة، وهذا هو الذي يجعل الالتزام بالوعد التزامًا بإرادة منفردة، فهو ينشئ الالتزام لمن قام بالعمل ولو جهل وجود الجائزة.
أما أثر نشوء هذا الالتزام بالوعد بالجائزة؛ فمتى استوفى عنصريه السابقين نشأ التزام الواعد وترتب عليه حكمه، فينشأ الالتزام دون توقف على قبول الطرف الآخر، فإذا أتم من وجه له الوعد العمل في وقت كان الوعد فيه قائمًا فإنه يكون دائناً للواعد بالجائزة.
وأوضحت الفقرة (٢) ما يتصل بمدة الوعد بالجائزة وحق الرجوع فيه، فالوعد بالجائزة من جهة كونه معين المدة من عدمه، له فرضان:
الفرض الأول: أن يكون الوعد بالجائزة معين المدة، فلا يجوز للواعد الرجوع عن الوعد بالجائزة، فإذا أتم من وجه له الوعد العمل المطلوب في المدة المعينة، أصبح دائناً للواعد بالجائزة الموعودة، أما إذا انقضت المدة دون أن يتم أحد العمل المطلوب، فينقضي التزام الواعد بانقضاء المدة، ولو قام بعد ذلك شخص بهذا العمل فلا يكون الواعد في هذه الحالة مسؤولاً تجاه هذا الشخص بمقتضى الوعد، ولكن قد يكون مسؤولاً تجاهه بمقتضى الإثراء بلا سبب.
الفرض الثاني: أن يكون الوعد بالجائزة غير معين المدة، فيكون التزام الواعد بالجائزة باقيًا خلال المدة المعقولة للقيام بالعمل؛ ذلك أن الوعد بالجائزة معلق على شرط واقف وقد يكون أداء العمل بعد مدة طويلة غير مجد، ويكون تقدير المدة المعقولة عند التنازع بحسب طبيعة العمل.
ويجوز رجوع الواعد في الوعد إذا لم تعين له مدة بشرط إعلانه بالطريق الذي وجه به الوعد أو بإعلانه للكافة؛ فلو أعلن عن الجائزة في صحيفة فله الرجوع عنها بإعلانه في ذات الصحيفة ولا يقبل الرجوع عنها بورقة معلقة في طريق، ويتحقق الشرط بإعلان الرجوع للكافة؛ كالإعلان عنه في الصحف.
وإذا رجع الواعد في وعده فلا يخلو الحال ما بين توجيه الوعد وإعلان الرجوع فيه من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا كان هناك من أتم العمل المطلوب قبل إعلان الرجوع، ولو دون نظر إلى الوعد بالجائزة أو دون علم بها، فبناء على ما قررته الفقرة لا يؤثر رجوع الواعد في استحقاقه الجائزة.
الحالة الثانية: إذا لم يكن هناك من بدأ في العمل قبل إعلان الرجوع، فيتحلل الواعد من الوعد نهائيًّا.
الحالة الثالثة: إذا كان هناك من بدأ في العمل ولم يتمه قبل إعلان الرجوع، فيكون له مطالبة الواعد بتعويض عادل، هو قيمة ما أصابه من الضرر على ألا يتجاوز مقدار الجائزة.
ثم حددت الفقرة المدة المقررة لسقوط دعوى المطالبة بالجائزة حال الرجوع في الوعد؛ حيث لا يخلو التزام الواعد بالجائزة بمقتضى إرادته المنفردة من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا عين للوعد مدة وأتم الفائز العمل خلالها.
الحالة الثانية: إذا لم يعين مدة ولم يرجع في وعده وأتم الفائز العمل.
الحالة الثالثة: إذا لم يعين مدة ورجع في وعده ولكن الفائز أتم العمل المطلوب قبل إعلان الرجوع.
ففي الحالتين الأوليين تسري القواعد العامة في التقادم وفقًا للمادة (٢٩٥) من هذا النظام؛ فتتقادم دعوى المطالبة بالجائزة بانقضاء عشر سنوات من تاريخ استحقاقها.
وفي الحالة الثالثة تسقط دعوى المطالبة بالجائزة بانقضاء تسعين يومًا من تاريخ إعلان الرجوع بناء على ما قررته الفقرة، وهذه المدة هي مدة سقوط لا مدة تقادم.