شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة الأولى
قررت المادة أن تطبيق النصوص والقواعد والأحكام على الوقائع يكون وفقًا للترتيب الآتي:
أولاً: تُطبق نصوص هذا النظام على جميع المسائل التي تناولتها وهي (مسائل المعاملات المدنية)، كما تشمل نصوص هذا النظام -الذي يعدُّ الأصل لجميع فروع القانون الخاص- مسائل الأحوال الشخصية والمسائل العمالية ومسائل الإثبات بما لا يخالف طبيعتها، وذلك فيما لم يرد به نص خاص في أنظمتها، بالإضافة إلى شمولها المعاملات التجارية؛ وفقًا لما تضمنه البند (سادسًا) من المرسوم الملكي رقم (م/١٩١) بتاريخ ١٤٤٤/١١/٢٩هـ. كما يتكامل هذا النظام مع بعض فروع القانون العام، فتشملها نصوصه بما لا يخالف طبيعتها، وذلك فيما لم يرد به نص خاص في أنظمتها.
وسواء كان تناول النصوص للمسائل من خلال لفظ المادة، أو من فحواها، فكلها معتبرة في الدلالة على الحكم المستنبط، وتستعمل في ذلك قواعد اللغة والمنطق وأصول الفقه وقواعد تفسير النصوص النظامية.
وبناء على ذلك؛ فاستخلاص المعنى من النصوص يكون من خلال لفظها وذلك بطريق العبارة، أو من خلال فحواها وذلك بطريق الإشارة، أو بطريق الدلالة، أو بطريق الاقتضاء، وذلك على النحو الآتي:
القسم الأول: استخلاص المعنى بطريق العبارة، ويقصد به دلالة النص على المعنى الذي يتبادر فهمه من صيغته ويكون هو المقصود من سياقه، وإذا كان لبعض ألفاظ النص معنىً لغوي وآخر اصطلاحي؛ فالأصل فيه أن يحمل على معناه الاصطلاحي، إلا إذا كان سياق النص يفيد أن المنظّم استعمل اللفظ في معناه اللغوي. ومن أمثلة هذا القسم: نص المادة (٩٠) من هذا النظام على أنه: «إذا تعاقد النائب في حدود نيابته باسم الأصيل فإن ما ينشأ عن العقد من حقوقٍ والتزاماتٍ يُضاف إلى الأصيل»، فإنه يدل بعبارته على أن الأصيل هو المتعاقد الذي تضاف إليه آثار العقد حال إبرامه من قبل النائب في حدود نيابته باسم الأصيل.
القسم الثاني: استخلاص المعنى بطريق الإشارة، ويقصد به دلالة النص على المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه ولا يُقصد من سياقه، ولكن يكون لازمًا لمعنىً متبادر من ألفاظه. ومن أمثلة هذا القسم: نص المادة (٣٦٩) من هذا النظام على أنه: «لا ينفذ عقد الهبة إذا كان الموهوب غير مملوك للواهب إلا إذا أجازه المالك»، فإنه يدل بإشارته على أن هذا العقد يعدُّ صحيحًا وليس باطلاً بطلانًا مطلقًا؛ لأن الإجازة لا ترد على العقد الباطل بطلانًا مطلقًا.
القسم الثالث: استخلاص المعنى بطريق الدلالة، ويقصد به دلالة النص على المعنى الذي يفهم بطريق مفهوم الموافقة أو مفهوم المخالفة، وذلك على النحو الآتي:
١.مفهوم الموافقة: وهو الذي يفترض وجود نص تدل عبارته على حكم في واقعة لعلة اقتضت هذا الحكم، ووجود واقعة أخرى تساوي هذه الواقعة في علة الحكم أو أولى منها، فيثبت حكم النص للواقعة الأخرى بطريق مفهوم الموافقة. ومن أمثلته: نص المادة (١١٤) من هذا النظام على أنه: «في العقود الملزمة للجانبين، إذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لأي من المتعاقدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه ما دام المتعاقد الآخر ممتنعًا عن تنفيذ ما التزم به»، فإنه يدل بمفهوم الموافقة على أن للمتعاقد وقف تنفيذ التزامه بعد البدء فيه ما دام المتعاقد الآخر ممتنعًا عن تنفيذ ما التزم به.
٢.مفهوم المخالفة: وهو الذي يفترض وجود نص على حكم مقيد بقيد، فيكون المحل الذي تحقق فيه القيد هو منطوق النص، والمحل الذي انتفى عنه القيد هو مفهوم المخالفة. ومن أمثلته: نص الفقرة (١) من المادة (٣٥) من هذا النظام على أن: «للموجب أن يعدل عن الإيجاب قبل صدور القبول؛ ما لم تكن للإيجاب مدةٌ معينة»، فإنه يدل بمنطوقه على أن الإيجاب الذي لم تُعيَّن فيه المدة يجوز العدول عنه قبل صدور القبول، ويدل بمفهوم المخالفة على أنه إذا كانت للإيجاب مدةٌ معينة فلا يجوز للموجب أن يعدل عنه.
القسم الرابع: استخلاص المعنى بطريق الاقتضاء، ويقصد به ما يفهم من اقتضاء النص ضرورةً، بحيث لا يستقيم المعنى إلا بتقديره، وليس منصوصًا عليه في عبارة النص ولفظه.
ويلاحظ أنه إذا تعارض المعنى المستفاد بطريق الإشارة لأحد النصوص مع معنىً مستفاد بطريق عبارة نص آخر وجب تقديم معنى العبارة على معنى الإشارة، وكذلك فإن استخلاص المعنى بطريق العبارة أو الإشارة مقدم على استخلاصه بطريق الدلالة، وهو ما صرحت به القاعدة الكلية الواردة في المادة (٧٢٠) من هذا النظام: «لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح»، كما أن استخلاص المعنى بهذه الطرق الثلاثة مقدم على استخلاصه بطريق الاقتضاء؛ لاشتماله على إضافةٍ في النص، وإن كان المعنى لا يكتمل إلا بها.
ومن المسائل المهمة في دلالات النصوص على المعاني ما يتعلق بمفهوم القواعد الآمرة والقواعد المكملة في النصوص النظامية، وارتباطها بمفهوم النظام العام؛ فالقواعد النظامية من حيث قوتها على نوعين:
النوع الأول: القواعد الآمرة، وهي القواعد التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها. ومن أمثلتها: نص المادة (٩٦) من هذا النظام على أنه: «إذا تمَّ العقد بطريق الإذعان وتضمن شروطاً تعسفيةً؛ فللمحكمة أن تعدلها أو تعفي الطرف المُذْعِن منها وفقًا لما تقتضيه العدالة. ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك».
النوع الثاني: القواعد المكملة، وهي القواعد التي تكمل إرادة المتعاقدين، ويجوز لهم أن يتفقوا على مخالفتها أو التعديل عليها، وإذا لم يوجد هذا الاتفاق فهي ملزمة لهم وللقضاء. ومن أمثلتها: نص المادة (٢٧٨) من هذا النظام على أنه: «تكون نفقات الوفاء على المدين؛ ما لم يوجد نص نظامي أو اتفاق على خلاف ذلك».
وكلا النوعين من القواعد ملزم، إلا أن القاعدة المكملة تختلف في شرط الإلزام بها وهو عدم الاتفاق على مخالفتها، فعدم تطبيقها إذا وُجد هذا الاتفاق ليس بسبب كونها غير ملزمة، بل لانتفاء شرط الإلزام، والذي يميز بين النوعين هو اتصال القاعدة أو عدم اتصالها بالنظام العام، وهناك حالات يتضح فيها التمييز بين النوعين من خلال عبارة القاعدة، فتدل العبارة صراحة أو ضمناً على كون القاعدة آمرة؛ كالنص على البطلان، أو مكملة؛ كالنص على جواز الاتفاق على خلافها.
والنظام العام يتناول بصفة عامة الأسس التي ترتبط بمصلحة عامة تمس النظام الأعلى للمجتمع، سواء كانت هذه المصلحة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، ويشمل ذلك القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية المستندة إلى نصوص الكتاب والسنة؛ وفق ما نص عليه الأمر الملكي الكريم رقم (٤٤٩٨٢) بتاريخ ١٤٣٣/١٠/٤هـ. ومن أمثلته: أحكام الأهلية وفق ما نصت عليه المادة (١٦) من هذا النظام، ومدد التقادم وفق ما نصت عليه المادة (٧٩) من هذا النظام.
المادة الثانية
بينت المادة أن التقويم المعتبر عند حساب المدد والمواعيد الواردة في هذا النظام هو التقويم الهجري؛ فهو التقويم المعتمد في المملكة وفقًا لما نصت عليه المادة (٢) من النظام الأساسي للحكم.
مثال ذلك: مدد التقادم، ومدد سقوط الحقوق.
ولا يشمل حكم المادة ما إذا اتفق الأطراف على اعتبار غير التاريخ الهجري مثل التاريخ الميلادي في تعاملاتهم فيما يتعلق بالتزاماتهم وحقوقهم.
وتجدر الإشارة إلى أن المواعيد تنقسم ثلاثة أقسام، وهي:
القسم الأول: المواعيد الكاملة، وهي التي يجب انقضاؤها كاملةً قبل مباشرة الإجراء، فلا يجوز حصول الإجراء إلا بعد انقضاء اليوم الأخير منها، وإذا صادف آخر الموعد عطلة رسمية امتد إلى أول يوم عمل بعدها؛ وفقًا لما نصت عليه المادة (٢٢) من نظام المرافعات الشرعية. ومن أمثلته: تحديد موعد الحضور أمام المحكمة العامة بثمانية أيام على الأقل من تاريخ تبليغ صحيفة الدعوى؛ وفقًا لما نصت عليه المادة (٤٤) من نظام المرافعات الشرعية.
القسم الثاني: المواعيد الناقصة، وهي التي يجب اتخاذ الإجراء خلالها؛ أي قبل انقضاء اليوم الأخير منها، فلا يحسب منها اليوم الذي حدث فيه الأمر المعتبر في نظر النظام مجريًا للموعد، وتنقضي بانقضاء اليوم الأخير منها؛ وفقًا لما نصت عليه المادة (٢٢) من نظام المرافعات الشرعية. ومن أمثلته: مواعيد الاعتراض على الأحكام؛ إذ حددها النظام، وأوجب أن يتم الاعتراض خلالها.
القسم الثالث: المواعيد التي يجب اتخاذ الإجراء قبل سريانها.
وحكم المادة يعدُّ من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على مخالفته؛ فليس للأطراف الاتفاق على أن مدة التقادم تنقضي بمرور عشر سنوات ميلادية، أو أن دعوى عدم نفاذ التصرف لا تسمع بانقضاء سنة ميلادية.
المادة الثالثة
بينت الفقرة (١) أنه يشترط لتحقق شخصية الإنسان شرطان:
الشرط الأول: أن تتم ولادته، ويتحقق ذلك بانفصاله عن أمه انفصالاً تامًّا.
الشرط الثاني: أن تتحقق حياته عند تمام ولادته، ولو مات بعد ذلك بوقت وجيز، أما لو تمت ولادته ولكنه كان ميتًا فلا تبدأ شخصيته.
وتثبت الشخصية للإنسان بصرف النظر عما يكسبه من حقوق أو يلتزم به من واجبات، فهي تثبت للمجنون والصغير غير المميز مع كونهما فاقدي الإرادة.
كما قررت الفقرة أن شخصية الإنسان تنتهي بموته، والموت إما أن يكون حقيقيًّا، أو حكميًّا إذا صدر به حكم قضائي وفقًا لما نصت عليه المادة (١٦٦) من نظام الأحوال الشخصية.
والولادة والموت يعدَّان من الوقائع المادية التي يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات المقررة نظامًا، والأصل في ذلك ما هو مقيد في السجلات الرسمية المعدة لذلك.
وأوضحت الفقرة (٢) أن حقوق الحمل المستكن تحددها الأنظمة الخاصة بها، ومن أهمها: نظام الأحوال الشخصية، وعبرت المادة بالحقوق؛ لأن أهلية الوجوب توجد قبل الولادة؛ مثل إرثه من مورثه، واستحقاقه نصيبه من غلة الوقف، ويقتصر كسبه للحقوق على ما كان صالحًا منها أن يثبت له من غير حاجة لقبول منه.
والحمل المستكن هو الجنين الذي ثبت وجوده في بطن أمه، فإذا تمت ولادته حيًّا استقرت له تلك الحقوق من وقت الحمل، أما إذا مات الحمل في بطن أمه، أو ولد ميتًا؛ فلا يثبت له شيء من الحقوق.
المادة الرابعة
قررت المادة أن الأحكام المتعلقة بالمفقود والغائب ومجهول النسب تنظمها أنظمتهم الخاصة.
فتسري على المفقود والغائب الأحكام الواردة في الأنظمة المتصلة بهما، وعلى الأخص: نظام الأحوال الشخصية؛ ومن هذه الأحكام: بيان المراد بهما، وتعيين الولي عليهما، وتنظيم إدارة أموالهما، وغيرها من أحكام.
أما ما يتعلق بتصرفات النائب عنهما سواء كان وليًا أو وصيًا أو وكيلاً؛ فهي خاضعة لأحكام هذا النظام، ما لم يوجد نص خاص في تلك الأنظمة.
والغائب هو الشخص الذي لا يعرف موطنه ولا محل إقامته، وتعذرت إدارة شؤونه المالية بنفسه أو بوكيل عنه مدة تقدرها المحكمة، وترتب على ذلك تعطيل مصالحه أو مصالح غيره. والمفقود هو الغائب الذي لا تعرف حياته ولا وفاته؛ وفقًا لما نصت عليه المادة (١٦١) من نظام الأحوال الشخصية.
كما يخضع مجهول النسب في أحكامه للأنظمة الخاصة به؛ ومنها: نظام الجنسية العربية السعودية، ونظام الأحوال المدنية، ونظام الأحوال الشخصية؛ سواء في جنسيته أو تسميته أو رعايته أو النفقة عليه وكل ما يتعلق به، وأما تصرفاته فهي خاضعة لأحكام هذا النظام وفقًا لأهليته، سواء كان كامل الأهلية أو ناقصها أو عديمها.
المادة الخامسة
أشارت المادة إلى بعض خصائص الأشخاص ذوي الصفة الطبيعية؛ وهي الاسم واللقب والأسرة والقرابة والجنسية، فبينت أن الأحكام المتعلقة بأسماء الأشخاص؛ مثل المسموح والممنوع منها وكيفية تسجيلها، وما يتعلق بألقابهم؛ مثل أسماء عوائلهم وقبائلهم، وأحكام الأسرة، وأحكام الجنسية؛ ومنها: شروط منحها وحالات فقدها وإسقاطها، تخضع للأنظمة الخاصة بها؛ كنظام الجنسية العربية السعودية، ونظام الأحوال المدنية.
وبالنسبة إلى أحكام القرابة فقد جرى تنظيم بعضها في المادة (٦) والمادة (٧) من هذا النظام، أما أحكامها الأخرى فهي خاضعة للأنظمة الخاصة بها؛ مثل نظام الأحوال الشخصية فيما يتعلق بالنفقة والحضانة والإرث وغيرها من مسائل الأحوال الشخصية المتعلقة بالقرابة.
وتجدر الإشارة إلى أن الأحكام المتعلقة بالمعاملات المدنية لهذه المسائل تخضع لهذا النظام؛ مثل الاعتداء على الأسماء أو استغلالها بوصفه عملاً ماديًّا غير مشروع.
ومن خصائص الأشخاص: الذمة المالية، وهي مجموع ما للشخص وما عليه من حقوق والتزامات مالية. وأهم خصائصها: أنها لا تشمل ما ليست له قيمة مالية؛ كالحقوق الأدبية. وللذمة المالية جانبان:
الجانب الأول: إيجابي، ويشمل جميع الحقوق المالية المتعلقة بالشخص، سواء كان الحقُّ الماليُّ شخصيًّا أو عينيًّا أو معنويًّا.
الجانب الثاني: سلبي، ويشمل جميع الالتزامات المالية المترتبة على الشخص تجاه الغير.
والذمة المالية مرتبطة بالشخص سواء كان شخصًا ذا صفة طبيعية، أو شخصًا ذا صفة اعتبارية وفقًا لما نصت عليه المادة (١٨) من هذا النظام.
المادة السادسة
تناولت المادة الأحكام المرتبطة بالشخص ذي الصفة الطبيعية من جهة تحديد قرابات الشخص المباشرة وغير المباشرة وبيان مفهوم كلٍّ منهما، وهذه القرابة هي قرابة النسب التي تقوم بين أفرادٍ يشتركون في أصلٍ واحد.
فبينت الفقرة (١) النوع الأول، وهو: القرابة المباشرة، وتسمى: قرابة الولادة. ويقصد بها كل صلة بين أصل وفرعه؛ وهي تشمل: الأولاد سواء كانوا أبناء أو بنات مع أصولهم سواء كانوا آباء أو أمهات، فالابن وابن الابن وإن نزل، والأب والجد وإن علا، كل هؤلاء من القرابة المباشرة.
وبينت الفقرة (٢) النوع الثاني، وهو: القرابة غير المباشرة، وتسمى: قرابة الحواشي. ويقصد بها كل رابطة خارجة عن عمود النسب، والضابط هو أن يجمع الأشخاص أصلٌ مشترك؛ فالأخ من الحواشي والأصل المشترك الأب، وابن العم من الحواشي والأصل المشترك هو الجد من جهة الأب، وابن الخال من الحواشي والأصل المشترك هو الجد من جهة الأم.
المادة السابعة
بينت المادة كيفية حساب درجات قرابة النسب بنوعيها المباشرة وغير المباشرة، وقرابة المصاهرة.
فقررت الفقرة (١) أن تحديد درجة قرابة النسب بنوعيها يكون على النحو الآتي:
النوع الأول: القرابة المباشرة، وذلك بحساب الفروع فقط صعودًا إلى الأصل دون حساب الأصل؛ فمثلاً ابن الابن قريب من الدرجة الثانية لجده، فابن الابن درجة والابن درجة، ولا يحسب الجد؛ لأنه الأصل.
النوع الثاني: القرابة غير المباشرة، وتتحدد بعدد الفروع صعودًا من الفرع للأصل المشترك ثم نزولاً منه إلى الفرع الآخر، وكل فرع فيما عدا الأصل المشترك يعدُّ درجة؛ فمثلاً ابن العم قريب من الدرجة الرابعة لابن عمه؛ لأنه درجة ثم يُصعد للأب فيكون درجة ولا يحسب الجد؛ لأنه الأصل المشترك، ثم يُنزل للعم فيكون درجة ثم ابنه درجة؛ فتحصل أربع درجات.
وبينت الفقرة (٢) نوعًا آخر من أنواع القرابة وهي قرابة المصاهرة، وهم أقارب كل من الزوجين بالنسبة إلى الآخر، وهذه القرابة لا تقوم بين أقارب الزوج وأقارب الزوجة وإنما تربط بين أقارب أحد الزوجين والزوج الآخر، كما أن صلة الزوج بزوجه ليست صلة مصاهرة وإنما صلة زوجية.
وتحسب درجة قرابة أحد الزوجين لأحد قرابة الزوج الآخر بالطريقة التي تحسب بها درجة القرابة المباشرة وغير المباشرة، وكأن الزوج في محل الزوجة والعكس؛ فمثلاً أب الزوج قريب من الدرجة الأولى للزوجة، وشقيق الزوجة قريب من الدرجة الثانية للزوج، وابن عم الزوج قريب من الدرجة الرابعة للزوجة.
وحكم المادة يمتد ليشمل أنظمة أخرى غير هذا النظام؛ لأنها من القواعد النظامية العامة، وتطبيقات حكم المادة كثيرة في الإجراءات القضائية والإدارية، فقد منعت عدد من الأنظمة إجراءات وأعمالاً محددة بناء على درجة القرابة لأحد أطراف المعاملة أو الدعوى؛ ومن أمثلة ذلك: منع القاضي من نظر الدعوى إذا كان أحد الخصوم قريبًا أو صهرًا له إلى الدرجة الرابعة، وردُّه إذا كان لأحد أقاربه أو أصهاره إلى الدرجة الرابعة خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى؛ وفقًا لما نصت عليه المادة (٩٤) والمادة (٩٦) من نظام المرافعات الشرعية.
وتجدر الإشارة إلى أن توصيف القرابة بأنواعها المباشرة وغير المباشرة والمصاهرة وتحديدها وفقًا لما سبق لا ينطبق على أحكام المواريث والنفقة والولاية والحضانة التي هي من مسائل الأحوال الشخصية؛ لوجود أحكام وأوصاف خاصة بها في نظامها.
ولا يدخل في قرابة الشخص إلا من ثبت أنه منهم وفقًا لما هو مبين في الأنظمة الخاصة، كما لا يستطيع الشخص أن يُدخل بإرادته من يشاء في عداد قرابته؛ ذلك أن أحكام القرابة لا تخضع لسلطان الإرادة، بل هي من أحكام النظام العام.
المادة الثامنة
تناولت المادة النوع الأول من الموطن وهو الموطن المعتاد، الذي يعد الأصل في موطن الشخص ذي الصفة الطبيعية؛ ولذا يسمى هذا الموطن ب«الموطن العام»، فقررت أن تحديد موطن الشخص يكون على النحو الآتي:
أولاً: أن الموطن المعتاد (العام) للشخص هو المكان الذي تحقَّق فيه الشرطان الآتيان:
الشرط الأول: الإقامة فيه؛ فلا يكفي مجرد الوجود والسكن ما لم تكن الإقامة ثابتةً ومستقرة، ومن ثَمَّ إذا كانت إقامة الشخص في المكان عرضيةً لم يصبح موطناً له؛ كأن يسكن مدةً معينةً في فندق يقع في بلد بعيد عن موطنه للقيام ببعض الأعمال.
ولا أثر لمكان وظيفة الشخص في تحديد موطنه إلا بالقدر الذي يتحقق معه وصف الإقامة.
الشرط الثاني: نية الاستقرار في المكان؛ وهذه النية يمكن الاستدلال عليها من الظروف المادية، فلا يلزم أن تكون الإقامة من دون انقطاع، وإنما يقصد استقرارها على وجه يتحقق معه الاعتياد ولو تخللتها فترات غيبة متقاربة أو متباعدة؛ فلو اعتاد الشخص أن يقضي فصل الصيف -مثلاً- في مكان إقامة معين فيعد موطناً له، وأما إذا اعتاد أن يقضي فصل الصيف في مكان يختلف كل عام عن الآخر؛ فإن إقامته في هذه الأمكنة لا تعدُّ مستقرة، ولا تجعل منها موطناً له.
وبناء على هذا؛ فقد يكون للشخص أكثر من موطنٍ في وقتٍ واحدٍ -إذا تحقق فيه الشرطان السابقان-؛ كمن يكون له موطنا إقامة في مدينتين ويقيم في كليهما إقامةً معتادةً، فتكون كل واحدة من المدينتين موطناً له، وتطبق أحكام الموطن على أي منهما، أما لو فقد أحد المكانين الشرطين السابقين أو أحدهما بأن أصبح الشخص لا يقيم في المكان أو لا ينوي الاستقرار فيه؛ زالت عنه صفة الموطن، وبقي المكان الآخر موطناً له.
ثانيًا: إذا لم يكن للشخص مكان إقامة معتاد؛ كمن يرتحل من مكان إلى آخر، فمحل وجوده يعدُّ موطناً له.
ثالثًا: إذا لم يكن محل وجود الشخص معلومًا، فيكون موطنه آخر محل وجد فيه، وليس من هذا النوع من يكثر السفر فهو ذو موطن ما دام له مكانٌ يرجع إليه ويقيم فيه عادةً.
المادة التاسعة
تناولت المادة النوع الثاني من موطن الشخص ذي الصفة الطبيعية، وهو موطن الأعمال؛ فبينت أن موطن الشخص فيما يتعلق بإدارته لأعمال تجارته أو مهنته هو المكان الذي يباشر فيه هذه التجارة أو المهنة، فلا عبرة بموطنه المعتاد في هذه الحالة؛ فمثلاً لو كان الشخص يقيم في الرياض، وله مكتب تجاري أو مكتب محاماة في جدة، فالموطن بالنسبة إلى أعمال هذين المكتبين هو جدة.
والمقصود بالمادة هو الشخص ذو الصفة الطبيعية في حال قيامه بالتجارة، ومنها الأعمال المتعلقة بالشركات المنصوص عليها في هذا النظام؛ لأن النظام لم يمنحها شخصية اعتبارية مستقلة، وأما إذا كان الشخص ذو الصفة الطبيعية في حال قيامه بالتجارة ممثلاً للشخص ذي الصفة الاعتبارية، فالعبرة بموطن الشخص ذي الصفة الاعتبارية وفق ما قررته المادة (١٨) من هذا النظام.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الموطن باعتباره مكانًا للعمل لا ينصرف إلى الموظف أو العامل، الذي يباشر أعماله مقابل أجر، بخلاف صاحب المهنة؛ إذ إن ما يتعلق بشؤون الوظيفة والعمل له أنظمته الخاصة.
المادة العاشرة
تناولت المادة تحديد موطن عديم الأهلية وناقصها والمفقود والغائب، وهو النوع الثالث من أنواع موطن الشخص ذي الصفة الطبيعية، ويسمى هذا الموطن ب«الموطن النظامي»، ويعد استثناءً من القاعدة العامة في الموطن؛ فلا يعتد بمكان إقامة المذكورين في تحديد الموطن المعتبر في أحكام هذا النظام، وإنما يعتد بموطن القائم بالأعمال النظامية الخاصة بهم وهو النائب عنهم، سواء كان وليًّا أو وصيًّا أو وكيلاً.
ويظل هذا الموطن النظامي موطناً معتبرًا للمذكورين حتى يزول السبب الذي من أجله اعتُبر موطناً لهم؛ كأن تكتمل أهلية الشخص، أو يعود الغائب، ففي هذه الحالة يصبح موطنه هو الموطن المعتاد؛ رجوعًا إلى الأصل.
ثم قررت المادة حكمًا خاصًا في الموطن ل«ناقص الأهلية المأذون له»، وهو من أتم خمس عشرة سنة من عمره وسلَّمه وليه أو وصيه أو المحكمة مقدارًا من ماله وأذن له في التصرفا ت المالية وفقًا لما نصت عليه المادة (٥١) من هذا النظام، فيجوز أن يكون له موطن خاص فيما يتعلق بهذه التصرفات، أما بالنسبة إلى ما سواها فيبقى موطنه هو موطن من ينوب عنه نظامًا.
المادة الحادية عشرة
بينت المادة النوع الرابع من أنواع الموطن، وهو: «الموطن المختار»، وحكم المادة استثناء من القاعدة العامة في الموطن؛ ولإيضاح هذا الحكم لا بد من التفريق بين نوعين من الأعمال:
النوع الأول: أعمال التجارة أو المهنة التي يباشرها الشخص على سبيل الدوام؛ فالموطن هو مكان التجارة أو المهنة وفقًا لما نصت عليه المادة (٩) من هذا النظام.
النوع الثاني: الأعمال التي لا توصف بكونها تجارة أو مهنة، فالأصل أن موطن الشخص فيها هو الموطن العام، ولكن قررت الفقرة (١) أنه يجوز للشخص أن يختار موطناً آخر لهذه الأعمال؛ مثل اختيار المشتري مدينة غير مدينته لتكون موطنًا لتنفيذ عقد البيع؛ فإنه يترتب على ذلك أن هذا الموطن المختار يكون هو الموطن لكل ما يتعلق بهذه الأعمال، باستثناء ما لو اشتُرط صراحةً أن يكون هذا الموطن مقتصرًا على بعض الأعمال دون غيرها.
وجواز اتخاذ الموطن المختار يشمل ما إذا كان الاختيار بمقتضى اتفاق بين طرفين أو بإرادة منفردة، على أنه إذا كان الاختيار بالاتفاق بين طرفين فلا يُغيَّر ولا يُعْدَل عنه إلا برضاهما، وينتهي الموطن المختار بانتهاء العمل الذي اتخذ من أجله.
واستنادًا إلى حكم المادة فالموطن المختار يُتخذ لعمل معين؛ وعليه فليس للشخص أن يختار موطناً عامًّا له يخالف الموطن العام المقرر وفقًا لأحكام المادة (٨) من هذا النظام.
وقررت الفقرة (٢) أن الموطن المختار يشترط لإثبات وجوده -عند النزاع- أن يكون مكتوبًا، دون أن يُنظر في هذه الحالة إلى قيمة العمل الذي اتخذ من أجله.
المادة الثانية عشرة
تناولت المادة التعريف بالشخص كامل الأهلية، وتحديد سن الرشد.
والأهلية هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، ومباشرة الأعمال أو التصرفات النظامية، وهي نوعان:
النوع الأول: أهلية الوجوب، وهي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات؛ كأن يصير دائناً أو مديناً، والأصل أن كل شخص يتمتع بأهلية وجوب كاملة، وهي تثبت للإنسان في كل أدوار حياته، حتى وهو حمل في بطن أمه، إلا أن أهليته ناقصة.
النوع الثاني: أهلية الأداء، وهي صلاحية الشخص لمباشرة الأعمال أو التصرفات النظامية؛ كالبيع والهبة والإيجار، والأصل أن كل شخصٍ أهلٌ للتصرف؛ ما لم يكن عديم الأهلية أو ناقصها بمقتضى نص نظامي وفقًا لما قررته المادة (٤٧) من هذا النظام.
والأعمال التي تصدر من الشخص وتحدث أثرًا نظاميًّا إما أن تكون أعمالاً مادية، أو تكون أعمالاً أو تصرفات نظامية، وذلك على النحو الآتي:
النوع الأول: الأعمال المادية، ويقصد بها الأعمال التي تصدر من الشخص وتحدث أثرًا نظاميًّا بصرف النظر عن إرادة صاحبها، ولا تحدث هذه الأعمال أثرًا إلا إذا كان النظام قد قرر هذا الأثر، والعمل قد يكون نافعًا؛ كما إذا قام الشخص بعمل جعل غيره يثري على حسابه دون سبب، وهو الإثراء بلا سبب، أو يكون عملاً ضارًّا؛ كما لو أتلف الشخص مالاً مملوكًا للغير، وهو الفعل الضار. وهذه الأعمال يكفي أن تتوفر فيها أهلية الوجوب لإحداث أثرها النظامي.
النوع الثاني: الأعمال أو التصرفات النظامية، ويقصد بها الأعمال أو التصرفات الإرادية التي تتجه لإحداث أثر نظامي معين، فالشخص هنا أراد إحداث الأثر، سواء صدرت الإرادة من جانبين، وهو العقد، أو صدرت من جانب واحد، وهي الإرادة المنفردة، وهذه الأعمال أو التصرفات هي التي ينظر فيها إلى توفر أهلية الأداء لتصبح منتجة لآثارها النظامية.
ومناط هذه الأهلية هو التمييز، فالشخص كامل التمييز هو كامل الأهلية ما لم يلحقه عارض من عوارض الأهلية، فإذا فقد الشخص التمييز فهو عديم الأهلية، وإن كان ناقص التمييز فهو ناقص الأهلية.
وعليه فالأشخاص من حيث مباشرة الأعمال أو التصرفات النظامية، أربعة أقسام:
القسم الأول: كامل الأهلية، وهو ما بينته هذه المادة.
القسم الثاني: عديم الأهلية، وهو ما بينته المادة (١٣) من هذا النظام.
القسم الثالث: ناقص الأهلية، وهو ما بينته المادة (١٤) من هذا النظام.
القسم الرابع: ناقص الأهلية المأذون له، وهو ما بينته المادة (٥١) من هذا النظام.
وقد بينت المادة أن الشخص يكون كامل الأهلية إذا أتم سن الرشد، وهو متمتع بقواه العقلية، ولم يحجر عليه؛ وبهذا التعريف يخرج:
أولاً: من لم يبلغ سن الرشد؛ وهو عديم الأهلية إذا كان دون سن التمييز وفقًا للمادة (١٣) من هذا النظام، أو ناقص الأهلية إذا كان مميزًا ودون سن الرشد وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام.
ثانيًا: المجنون والمعتوه؛ لأنهما لا يتمتعان بكامل قواهما العقلية، فالأول عديم الأهلية وفقًا للمادة (١٣) من هذا النظام، والثاني ناقص الأهلية وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام.
ثالثًا: المحجور عليه لسفه أو لكونه ذا غفلة؛ فهو ناقص الأهلية وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام.
وقد وضعت المادة علامة بينة للرشد، وهي تمام ثماني عشرة سنة هجرية؛ فالأصل أن من أتمها رشيد، ما لم يلحقه عارض من عوارض الأهلية.
ويترتب على اكتمال أهلية الشخص وفقًا لأحكام المادة انتهاء الولاية أو الوصاية التي كانت عليه، وصحة تصرفاته بغض النظر عن حصول النفع أو الضرر منها.
المادة الثالثة عشرة
تناولت المادة التعريف بالشخص عديم الأهلية، وهو فاقد التمييز. وفقد التمييز يكون لأحد أمرين:
الأمر الأول: الصغر في السن، ففاقد التمييز لصغر السن هو الذي لم يتم السابعة من عمره كما بينته الفقرة (٢)؛ فيعد عديم الأهلية قبل تمامه هذه السن.
الأمر الثاني: الجنون، ففاقد التمييز للجنون هو من زال عقله وانعدم إدراكه وتمييزه، ولا فرق بين أن يكون الجنون موجودًا من الولادة وأن يكون قد طرأ بعد ذلك، كما لا فرق بين ما إذا كان الجنون مطبقًا وغير مطبق، فإذا ثبت كون الشخص مجنونًا فإن تصرفاته تعدُّ باطلة وفقًا للمادة (٥٢) من هذا النظام، ولو كان يفيق أحيانًا.
المادة الرابعة عشرة
تناولت المادة التعريف بالأشخاص ناقصي الأهلية، وهم:
أولاً: الصغير الذي بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد، وسن التمييز هي تمام سبع سنين هجرية وفقًا للمادة (١٣) من هذا النظام، أما سن الرشد فهي تمام ثماني عشرة سنة هجرية وفقًا للمادة (١٢) من هذا النظام، فمن كان بينهما فهو مميز إلا أن تمييزه لم يكمل، فيكون ناقص أهلية.
ثانيًا: المعتوه، وعرفته المادة بأنه: «ناقص العقل الذي لم يبلغ حد الجنون».
والعته هو اضطراب في العقل بسبب أصل الخلقة أو لمرض طارئ يصير صاحبه قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير، فمن اتصف بذلك فهو ناقص الأهلية، وإذا صار العته شديدًا بالقدر الذي يفقده التمييز صار -في حكم المجنون- عديم الأهلية.
ولأن كلاًّ من الجنون والعته يتطلب إثباتهما تقريرًا من خبير؛ فبيان الحد الفاصل بين الجنون والعته يكون شأنًا طبيًّا يرجع إلى رأي الخبير.
ثالثًا: المحجور عليه لسفهٍ أو لكونه ذا غفلة، والسفه والغفلة عارضان من عوارض الأهلية إلا أنهما لا يصيبان العقل بخلاف الجنون والعته، وإنما يرتبطان بعدم القدرة على التدبير؛ فيشمل هذا:
١.المحجور عليه لسفهه، والسفه هو: إضاعة المال وتبديده على غير مقتضى العقل، والسفيه هو: من ينفق أمواله فيما لا مصلحة له فيه.
٢.المحجور عليه لكونه ذا غفلة، وذو الغفلة هو: من يسهل استغفاله وخداعه في التعاملات؛ إما لعدم معرفته، أو لبلاهته.
ويشترط لعدِّ المذكورين ناقصي أهلية صدور حكم بالحجر عليهما وفقًا للمادة (٤٨) من هذا النظام.
المادة الخامسة عشرة
قررت المادة أن أحكام الولاية والوصاية المتعلقة بعديم الأهلية وناقصها تخضع للنصوص النظامية الخاصة بها، ومن أهمها: نظام الأحوال الشخصية.
والولي إما أن يكون الأب وهو الولي الجبري، أو من تعينه المحكمة وليًّا سواء كانت ولاية عامة أو خاصة، والوصي هو من يعينه الأب وصيًّا على أولاده في حياته عند عجزه، أو بعد وفاته؛ وفقًا للمادة (١٣٧) من نظام الأحوال الشخصية.
والولاية قد تكون ولاية على النفس، وهي: الإشراف العام على المولى عليه بما لا يتعارض مع سلطة الحاضن في إدارة شؤون المحضون، أو ولاية على المال، وهي: العناية بكل ما له علاقة بمال المولى عليه؛ وفقًا للمادة (١٣٨) من نظام الأحوال الشخصية.
وتجدر الإشارة إلى أن أحكام الأعمال أو التصرفات النظامية للأشخاص أو آثار أعمالهم المادية سواء كانوا عديمي الأهلية أو ناقصيها، وكذلك أعمال أو تصرفات النائب عنهم سواء كان وليًّا أو وصيًّا تخضع لأحكام هذا النظام.
المادة السادسة عشرة
قررت المادة أن الأحكام المتعلقة بأهلية الشخص ذي الصفة الطبيعية -من جهة كمالها ونقصها وفقدها- من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على مخالفته.
فليس من حق الشخص النزول عن أهليته أو التعديل في أحكامها، وهذا المنع يشمل أهلية الوجوب وأهلية الأداء؛ فلو اتفق شخص كامل الأهلية مع غيره على النزول عن أهليته في التصرف بماله؛ وقع هذا الاتفاق باطلاً.
وتجدر الإشارة إلى أن حكم المادة لا يشمل منع الشخص من التصر ف أو تقييده وفقًا لأحكام النظام؛ بناء على عقد أو نظام أو غير ذلك من مصادر الالتزام، فلا يعد هذا نزولاً عن الأهلية أو تعديلاً في أحكامها.
المادة السابعة عشرة
تناولت المادة تعداد أفراد الأشخاص ذوي الصفة الاعتبارية، ويسمى الشخص ذو الصفة الاعتبارية في بعض الأنظمة ب: «الشخص المعنوي»، والأشخاص ذوو الصفة الاعتبارية على نوعين، وتحت كل نوع عدد من أفراد هذه الشخصية، وذلك على النحو الآتي:
النوع الأول: الأشخاص ذوو الصفة الاعتبارية العامة، وهم الجهات التي تضطلع بتحقيق مصالح تهم المجتمع كله أو جزءًا منه، ويشمل الآتي:
أولاً: الدولة، وما تفرع عنها؛ مثل إمارات المناطق، والمحافظات، والمراكز.
ثانيًا: الهيئات والمؤسسات العامة والمصالح التي تُمنح شخصية اعتبارية بموجب النصوص النظامية؛ وتشمل: هيئات الدولة، ومؤسساتها العامة، ومصالحها، ويشترط أن تُمنح هذه الشخصية بموجب نص نظامي، ويقصد بالنص النظامي: كل أداة تنظيمية تصدر من جهة مختصة ويكون من صلاحيتها هذا المنح.
النوع الثاني: الأشخاص ذوو الصفة الاعتبارية الخاصة، وهم كل ما عدا من ذكر في النوع الأول، ويشمل الآتي:
أولاً: الأوقاف، واقتصر هذا النظام على الإشارة إلى مسألتين في الوقف، الأولى: النص على أنه من الحقوق العينية الأصلية في المادة (٢٦). والثانية: أن الدعوى لا تسمع بانقضاء عشر سنوات إذا كان الحق ريعًا واجبًا على ناظر الوقف أداؤه للمستحق وفقًا لنص المادة (٢٩٦)، وفيما عدا ذلك أحال في المادة (٦٩٨) إلى النصوص النظامية الخاصة بالوقف.
ثانيًا: الشركات التي تمنح شخصية اعتبارية بموجب النصوص النظامية؛ ومن ذلك ما نصت عليه المادة (٩) من نظام الشركات.
ولا تشمل المادة الشركات المدنية التي نُص عليها في الباب الرابع (عقود المشاركة) من القسم الثاني من هذا النظام؛ وفقًا للموافقة الكريمة المبلغة بالتعميم رقم (٦٨٨٤٥) وتاريخ ١٤٤٥/٩/٢٢هـ على عدم إكساب الشركات الواردة في هذا النظام الشخصية الاعتبارية.
ثالثًا: الجمعيات الأهلية والتعاونية والمؤسسات الأهلية التي تُمنح شخصية اعتبارية بموجب النصوص النظامية، وقد صدر بخصوص تنظيمها: نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، ونظام الجمعيات التعاونية.
ونصت الفقرة (و) على أن كل ما يُمنح شخصية اعتبارية بموجب النصوص النظامية، فإنه يعدُّ من أفراد الأشخاص ذوي الصفة الاعتبارية.
ويشترك نوعا الأشخاص ذوي الصفة الاعتبارية في بعض الأحكام، ويختلفان في بعضها الآخر، ومن ذلك:
١.لا يجوز الحجز والتنفيذ على أموال الشخص ذي الصفة الاعتبارية العامة باعتبارها أموالاً عامة وفقًا للمادة (٢٦) من نظام التنفيذ، بخلاف الشخص ذي الصفة الاعتبارية الخاصة فيمكن الحجز والتنفيذ على أمواله.
٢.لا تتقادم حقوق الشخص ذي الصفة الاعتبارية العامة، ومن ذلك عدم سقوط دين الدولة بالتقادم وفقًا للمادة (١٣) من نظام إيرادات الدولة، بخلاف حقوق الشخص ذي الصفة الاعتبارية الخاصة فإنها تخضع لأحكام التقادم وفقًا لما ورد في النظام.
ويبدأ الشخص ذو الصفة الاعتبارية من لحظة تكامل شروط الاعتراف به (الاعتراف العام)، أو صدور الإذن أو الترخيص بقيامه (الاعتراف الخاص)، وذلك على النحو الآتي:
١.الاعتراف العام، وذلك بأن يضع المنظم شروطاً عامة محددة إذا توفرت في مجموعة من الأشخاص أو الأموال اكتسبت هذه المجموعة الشخصية الاعتبارية بحكم النظام، من دون حاجة إلى إذن أو ترخيص خاص؛ مثل الشركات التجارية.
٢.الاعتراف الخاص، وذلك بأن يصدر إذن أو ترخيص خاص من جهة مختصة لقيام الشخص ذي الصفة الاعتبارية في كل حالة على حدة.
وينقضي الشخص ذو الصفة الاعتبارية لعدد من الأسباب؛ منها: انقضاء المدة المحددة له، أو تحقق الغرض الذي أنشئ من أجله، أو حله اختياريًّا أو إجباريًّا. مع الإشارة إلى ما تتميز به الدولة من أن شخصيتها الاعتبارية العامة لا تنقضي.
المادة الثامنة عشرة
قررت الفقرة (١) أن للشخص ذي الصفة الاعتبارية جميع الحقوق التي تكون للشخص ذي الصفة الطبيعية سواء ما كان منها متعلقًا بأهلية الوجوب، أو أهلية الأداء، ويستثنى من ذلك الحقوق التي تكون ملازمة لخصائص الشخص ذي الصفة الطبيعية، ولا يتصور توفرها في الشخص ذي الصفة الاعتبارية؛ ومنها: الحقوق المتعلقة بالأسرة والقرابة. مع الإشارة إلى أن تمتع الشخص ذي الصفة الاعتبارية بجميع الحقوق مقيدٌ في الحدود المقررة بموجب النصوص النظامية، سواء كانت متعلقة بذات الشخص، أو بالغرض الذي أنشئ من أجله.
ثم بينت الفقرة (٢) بالتفصيل ما يكون للشخص ذي الصفة الاعتبارية مما يعد خصيصةً له أو حقًّا يتمتع به، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: الذمة المالية المستقلة، فالشخص ذو الصفة الاعتبارية -سواء كانت عامة أو خاصة- في هذه الخصيصة كالشخص ذي الصفة الطبيعية، وهذه الذمة مستقلة عن ذمة الأشخاص المكونين له.
وتتكون هذه الذمة من مجموع ما للشخص وما عليه من حقوق والتزامات مالية، وتبدأ الذمة من ابتداء الشخص، وتنقضي بانقضائه، ومتى انقضى الشخص ذو الصفة الاعتبارية لأي سبب من الأسباب وفقًا للأنظمة الخاصة به؛ فإن مآل ما يتخلف عنه وبالتحديد أمواله يخضع لما تقرره تلك الأنظمة، فمنها ما يؤول إلى الدولة؛ كما في حال الهيئات والمؤسسات العامة والمصالح، ومنها ما يخضع للتصفية؛ كما في أموال الشركات، ومنها ما يسلم لمن ينص نظام تأسيس الشخص على تسليمه له؛ كما في بعض أنواع الجمعيات.
وترتيبًا على أن للشخص ذي الصفة الاعتبارية ذمةً مستقلةً عن ذمة الأشخاص المكونين له؛ فلا يجوز -في الأصل- لدائني الشخص ذي الصفة الاعتبارية الرجوع على الأشخاص المكونين له، ولا لدائني هؤلاء الأشخاص الرجوع على الشخص ذي الصفة الاعتبارية، مع مراعاة ما تقرره النصوص النظامية.
ثانيًا: الأهلية، وتشمل نوعي الأهلية:
١.أهلية الوجوب، فللشخص ذي الصفة الاعتبارية أهلية وجوب، إلا أنها أضيق نطاقًا منها لدى الشخص ذي الصفة الطبيعية، فلا يكتسب الحقوق الملازمة لخصائص الشخص ذي الصفة الطبيعية؛ مثل الحق في أن يكون له زوج وحق النفقة وحق الإرث، كما أن أهلية الوجوب بالنسبة له مقيدة بالقدر اللازم من الحقوق لتحقيق الغرض الذي خُصِّص الشخص من أجله.
٢.أهلية الأداء، فللشخص ذي الصفة الاعتبارية أهلية أداء كاملة في الأصل، وله أن يباشر بوساطة نائبه -المشار إليه في الفقرة (٣)- كافة الأعمال أو التصرفات التي ينشأ عنها اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات.
ومع ذلك فأهلية الشخص ذي الصفة الاعتبارية -بنوعيها- مقيدة في الحدود المنصوص عليها، سواء بتعيينها في سند إنشائه، أو بتقريرها في النصوص النظامية؛ ومثال ذلك: النصوص النظامية التي تُخضع مديري الجمعيات أو المؤسسات في أعمالهم أو تصرفاتهم لإشراف الجهة الإدارية المختصة.
ثالثًا: حق التقاضي، وهو من الحقوق المكفولة بالتساوي وفقًا للمادة (٤٧) من النظام الأساسي للحكم، فللشخص ذي الصفة الاعتبارية -سواء كانت عامة أو خاصة- أن يقاضي غيره، كما تجوز مقاضاته، ويكون ذلك من خلال من يمثله؛ وفق ما تقرره الأنظمة ذات الصلة.
رابعًا: الموطن المستقل، فللشخص ذي الصفة الاعتبارية نوعان من الموطن:
النوع الأول: الموطن العام، وهو: المكان الذي يوجد فيه مركز إدارته الرئيس، فإذا لم يكن له إلا مركز رئيس فهو موطنه.
النوع الثاني: الموطن الخاص بنشاط فرع معين، فيجوز اعتبار المكان الذي يوجد فيه أحد فروع الشخص ذي الصفة الاعتبارية موطنًا له، وذلك فيما يتعلق بنشاط هذا الفرع؛ فإذا تعامل شخص مع شركة لها فرع في مدينة جدة -مثلاً- بتعاملٍ يتعلق بنشاط هذا الفرع، فيجوز اعتبار موطن الشركة فيما يخص الوفاء بهذا التعامل هو مدينة جدة، ولو كان مركز إدارتها الرئيس في مدينة الرياض. وكذلك فإن فرع الشركة الأجنبية داخل المملكة يعدُّ موطناً لها فيما يتعلق بنشاطها داخل المملكة؛ وفقًا للمادة (٢٣٩) من نظام الشركات.
وتجدر الإشارة إلى أن موطن الشخص ذي الصفة الاعتبارية -سواء كانت عامة أو خاصة- فيما يتعلق برفع الدعوى ونظرها تحدده الأنظمة الخاصة بذلك، وعلى الأخص ما نصت عليه المادتان (٣٧، ٣٨) من نظام المرافعات الشرعية، والمادة (٢) من نظام المرافعات أمام ديوان المظالم، والمادة (١٧) من نظام المحاكم التجارية.
خامسًا: الجنسية، أما ما يتعلق بالشخص ذي الصفة الاعتبارية العامة فجنسيته تتبع جنسية الدولة التي ينتمي إليها، وأما بخصوص الشخص ذي الصفة الاعتبارية الخاصة فإن الأنظمة ذات الصلة تبين أحكام جنسيته، ومن ذلك ما نصت عليه المادة (٣) من نظام الشركات.
ومن خصائص الشخص ذي الصفة الاعتبارية: الاسم، وهو بهذا كالشخص ذي الصفة الطبيعية، فلا بد أن يكون للشخص ذي الصفة الاعتبارية اسم يذكر في سند إنشائه، يميزه عن غيره وعن الأشخاص المكونين له؛ ومن الأنظمة المتصلة بذلك: نظام الأسماء التجارية، الذي ينظم إجراءات قيد الأسماء التجارية، وتعزيز قيمتها، وضمان حمايتها والحقوق المتصلة بها، وفقًا لما نصت عليه المادة (٢) منه.
وبينت الفقرة (٣) أنه يجب أن يكون للشخص ذي الصفة الاعتبارية من يمثله، والممثل في هذه الحالة ناطق باسم الشخص ومعبر عن إرادته، وقد يكون واحدًا أو أكثر، بحيث تنصرف الآثار النظامية للأعمال أو التصرفات التي يقوم بها إلى الشخص ذي الصفة الاعتبارية مباشرة، ما دامت قد صدرت في حدود اختصاصاته بمقتضى تمثيله له، مع مراعاة ما تقرره النصوص النظامية.
المادة التاسعة عشرة
تناولت المادة الأشياء التي يصح أن تكون محلاًّ للحقوق المالية، والشيء هو: كل ما له كيان ذاتي مستقل عن الأشخاص، سواء كان ماديًّا، أو غير مادي.
وبينت المادة أن الأصل صلاحية كل الأشياء لأن تكون محلاًّ للحقوق المالية، وهذا يشمل الأشياء بقسميها:
القسم الأول: الأشياء المادية، وهي التي يكون لها حيز محسوس؛ مثل الأرض.
القسم الثاني: الأشياء غير المادية، وهي التي ليس لها حيز محسوس ولا تُدرك إلا بالتصوُّر؛ مثل فكر المؤلف.
واستثنت المادة نوعين من الأشياء لا يصح أن يكونا محلاًّ للحقوق المالية:
النوع الأول: الأشياء التي لا تقبل بطبيعتها أن يستأثر أحد بحيازتها، وهي الأشياء المشتركة؛ مثل الهواء، وأشعة الشمس، ومياه البحر وما شابهها، فهذه لا يصح -في الأصل- أن تكون محلاًّ للحقوق المالية، فلا تباع ولا تؤجر ولا توهب ولا يقع عليها أي حق عيني، إلا أنه إذا أمكن الاستئثار بحيازة مقدار محدد من هذه الأشياء، فإن هذا المقدار يصح أن يكون محلاًّ للحقوق المالية؛ مثل الهواء المضغوط، وأشعة الشمس المجمعة، ومياه البحر المعبأة.
النوع الثاني: الأشياء التي تمنع النصوص النظامية أن تكون محلاًّ للحقوق المالية؛ وذلك في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون المنع بسبب الغرض الذي خصصت هذه الأشياء من أجله؛ مثل الأشياء العامة كالطرق العامة، التي لا يصح أن تكون محلاًّ لحقوق الأفراد بما يتعارض مع تخصيصها للمنفعة العامة.
الحالة الثانية: أن يكون المنع بسبب إخلال هذه الأشياء بالنظام العام؛ مثل المخدرات.
وتنقسم الأشياء عدة تقسيمات وفقًا لاعتبارات مختلفة، وأهم هذه التقسيمات ما يأتي:
التقسيم الأول: الأشياء المثلية، والأشياء القيمية، وفقًا للمادة (٢١) من هذا النظام.
التقسيم الثاني: الأشياء الثابتة (العقارات)، والأشياء غير الثابتة (المنقولات)، وفقًا للمادة (٢٢) من هذا النظام.
التقسيم الثالث: الأشياء القابلة للاستهلاك (الاستهلاكية)، وفقًا للمادة (٢٣) من هذا النظام، والأشياء غير القابلة للاستهلاك (الاستعمالية).
المادة العشرون
تناولت المادة مفهوم المال، وأنه كل ما له قيمة مادية معتبرة في التعامل. وتقييد مفهوم المال بما له قيمة مادية معتبرة يخرج ما ليس له قيمة، وما قيمته تافهة لا تعتبر؛ فلا يعد مالاً.
ثم بينت المادة أن المال يشمل الآتي:
أولاً: العين، وهي: الشيء المعيَّن المشخَّص بذاته.
ثانيًا: المنفعة، وهي: الفائدة التي تعود من استعمال العين؛ فمنفعة الدار سكناها، ومنفعة السيارة ركوبها.
ثالثًا: الحق، وهو: ما يثبت للشخص بمقتضى النظام؛ سواء كان الحقُّ شخصيًّا، أو عينيًّا، أو معنويًّا.
التفريق بين الأشياء والأموال:
تظهر أهم الفروق بين الأشياء والأموال فيما يأتي:
الفرق الأول: أن كل حق له قيمة مادية يعد مالاً، والشيء هو ما يكون محلاًّ لهذا الحق.
الفرق الثاني: أن «المال» قد يوجد دون أن يوجد «شيء» يرد عليه؛ كما في الحق الشخصي عندما يكون عملاً أو امتناعًا عن عمل، وقد يرد على «الشيء» الواحد أكثر من «حق مالي»؛ كما لو كان الملك لشخص وحق الانتفاع لآخر على شيءٍ واحد.
المادة الحادية والعشرون
تناولت المادة تقسيم الأشياء بالنظر إلى قيام بعضها مقام بعض عند الوفاء؛ فالأشياء بهذا الاعتبار على قسمين:
القسم الأول: الأشياء المثلية، وقد بينت الفقرة (١) أنها: ما تتماثل آحادها أو تتقارب بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض عند الوفاء بلا فرقٍ يُعتد به عرفًا، وهذا يشمل ما يتعامل به الأشخاص عادة بالعدد؛ مثل النقود، أو بالمقاس؛ مثل الأقمشة، أو بالكيل؛ مثل الحبوب، أو بالوزن؛ مثل الفواكه.
القسم الثاني: الأشياء القيمية، وقد بينت الفقرة (٢) أنها: ما تتفاوت آحادها في الصفات أو القيمة تفاوتًا يعتد به عرفًا أو يندر وجود أمثالٍ لها في التداول؛ مثل الأراضي، والمنازل، والحيوانات المعينة بالذات. فهذه الأشياء لا يقوم بعضها مقام بعض عند الوفاء.
والأشياء المثلية قابلة للاستهلاك أما الأشياء القيمية فغير قابلة للاستهلاك غالبًا، إلا أنه لا تلازم بين التقسيمين؛ فالنقود المعدة للعرض مثلية مع أنها غير قابلة للاستهلاك، والتحف الفنية الفريدة المعدة للبيع قيمية مع أنها قابلة للاستهلاك.
وتجدر الإشارة إلى أن طبيعة الشيء هي ما يحدد كونه من الأشياء المثلية أو القيمية في الأصل، إلا أن ذلك لا يمنع أن تسبغ إرادة الأشخاص على الشيء وصفه، فقد يكون الشيء مثليًّا أو قيميًّا بحسب إرادة الأشخاص عند التعامل؛ كما لو اتجهت إرادة المتعاقدين إلى شيء بعينه وكان مثليًّا فإن الوفاء يتعيَّن به دون غيره مما يماثله، فيصير حينئذٍ قيميًّا؛ مثل إعارة كتاب للاطلاع عليه ورده بعينه.
أهمية التفريق بين الأشياء المثلية والقيمية:
تظهر أهمية التفريق بين الأشياء المثلية والقيمية فيما يأتي:
أولاً: الأشياء القيمية (المعينة بالذات) تنتقل ملكيتها بمجرد إبرام العقد، أما الأشياء المثلية (المعينة بالنوع) فلا تنتقل فيها الملكية إلا بالإفراز، وفقًا للمادة (٦٥٦) من هذا النظام.
ثانيًا: لا تقع المقاصة إلا بين دينين موضوع كلٍّ منهما أشياء متماثلة، وفقًا للمادة (٢٨١) من هذا النظام.
ثالثًا: الوفاء بالالتزام التعاقدي في الأشياء المثلية يكون في مكان نشوء الالتزام، أما الأشياء القيمية فيكون في المكان الذي كانت موجودةً فيه وقت نشوء الالتزام، وفقًا للمادة (٢٧٧) من هذا النظام.
رابعًا: إذا هلك محل الالتزام بسببٍ لا يد للمدين فيه وكان شيئًا قيميًّا انقضى الالتزام؛ لاستحالة التنفيذ وفقًا للمادة (٢٩٤) من هذا النظام، أما إذا كان محل الالتزام شيئًا مثليًّا فلا يترتب على الهلاك انقضاء الالتزام؛ لأن المثليات لا تُعدم فيمكن أن يقوم بعضها مقام بعض.
المادة الثانية والعشرون
تناولت المادة تقسيم الأشياء بالنظر إلى ثباتها من عدمه، فالأشياء بهذا الاعتبار على قسمين:
القسم الأول: العقار، وقد بينت الفقرة (١) أنه: كلُّ شيءٍ ثابتٍ في حيزه لا يمكن نقله منه دون تلفٍ أو تغيُّرٍ في هيئته، وهذا هو العقار بطبيعته، ويُلحق به العقار بالتخصيص -الذي بينته الفقرة (٢)-، والعقار بطبيعته يشمل الآتي:
أولاً: الأراضي، وهي عقارات بجميع أنواعها، إلا أنه إذا اقتطع من الأرض بعض محتوياتها أو أجزائها، كانت للأشياء المقتطعة صفة المنقول؛ مثل الصخور التي تقتلع من المحاجر، والتراب الذي ينتزع من الأرض، والمعادن التي تستخرج من المناجم.
ثانيًا: المباني، ويقصد بها المنازل والمخازن والمصانع، إضافة إلى المنشآت الأخرى سواء أقيمت فوق الأرض؛ كالجسور، أو كانت تحت الأرض؛ كالآبار، ولو لم تكن مملوكة لأحد.
ولا يشترط لأن يكون البناء عقارًا أن تكون إقامته مستمرة، بل يعد عقارًا ولو كان معدًّا لأن يبقى مدة مؤقتة؛ مثل الأبنية التي تقام للمعارض ونحوها.
ثالثًا: الأشجار والنباتات، وهي عقارات بطبيعتها ما دامت متصلة بالأرض على وجه الثبات، فلا تعد عقارًا الأشجار أو النباتات التي تجعل في الأوعية والأحواض ولا تكون ثابتة في الأرض.
ولا أثر لقيمة الأشجار والنباتات في اعتبارها عقارات، كما لا أثر للمدة المحددة لزرعها، سواء كانت مؤقتةً؛ كما في أشجار المشاتل، أو كانت مستمرة.
ويجب لاعتبار الشيء عقارًا أن يكون من غير الممكن نقله دون تلفٍ أو تغيُّرٍ في هيئته؛ فلا تعد الأكشاك التي يمكن فكها ونقلها ثم إعادة تركيبها دون تلف أو تغير في هيئتها عقارًا، فهذه كلها منقولات.
القسم الثاني: المنقول، وهو كلُّ شيءٍ عدا المذكور في القسم الأول، وقد تكون المنقولات ماديةً؛ كالسيارات والبضائع ونحوها، وقد تكون غير مادية، وهي التي تعد منقولةً حكمًا؛ لأنها محلٌّ للحقوق المالية وهي ليست بعقار؛ مثل المؤلفات والمخترعات والعلامات التجارية.
والمنقول إما أن يكون منقولاً بطبيعته، أو منقولاً بحسب مآله، وذلك على النحو الآتي:
النوع الأول: المنقول بالطبيعة، وهو كل شيء غير ثابت في حيزه بحيث يمكن نقله منه دون تلفٍ أو تغيُّرٍ في هيئته؛ كالسيارات والبضائع ونحوها.
النوع الثاني: المنقول بحسب المآل، وهو العقار الذي سيكون له وصف المنقول في القريب؛ كالمباني المعدة للهدم، والثمار والمحصولات قبل جنيها أو حصدها.
ويشترط ليكون العقار منقولاً بحسب المآل ما يأتي:
الشرط الأول: أن يكون التعامل في العقار قد جرى على أساس ما سيؤول إليه، لا على أساس طبيعته في الحال.
الشرط الثاني: أن يكون المآل المحقق القريب للعقار هو أن يصير منقولاً.
ويترتب على توفر هذين الشرطين سريان أحكام المنقول على العقار الذي عُدَّ منقولاً بحسب مآله؛ ومن ذلك أنه إذا بيع فإن بيعه يعدُّ بيع منقول لا عقار، وتسري عليه أحكام بيع المنقول.
وقررت الفقرة (٢) أن المنقول الذي يضعه مالكه في عقارٍ له رصدًا على خدمة العقار أو استغلاله على سبيل الدوام ولو لم يكن متصلاً بالعقار اتصال قرار، فهو عقار بالتخصيص.
وعليه فإن شروط اعتبار المنقول عقارًا بالتخصيص ما يأتي:
الشرط الأول: أن يكون وضع المنقول في العقار لأجل خدمة العقار أو استغلاله؛ مثل السيارة المعدة لخدمة المزرعة، والحيوانات المخصصة لخدمة الزراعة فيها بالحرث أو النقل، وشبكة سيارات النقل والتوصيل المعدة لخدمة المصنع.
أما السيارة التي يجعلها المالك لاستعماله الشخصي فلا تعدُّ عقارًا بالتخصيص، ولا تعد منه كذلك: المواشي التي يضعها المالك في عقاره ولم تكن لأجل خدمة العقار بل يجعلها تأكل من المزرعة ويبيعها مثلاً.
ولا يلزم لتحقق هذا الشرط أن يكون وضع المنقول في خدمة العقار أو استغلاله ضروريًّا، بل يكفي أن يكون مفيدًا في ذلك.
الشرط الثاني: أن يكون وضع المنقول في خدمة العقار أو استغلاله بصفة دائمة، ولا يقصد بالدوام الأبدية، بل استمرار التخصيص بحيث لا يكون عرضيًا أو مؤقتًا، فإذا زال التخصيص زالت عن هذه المنقولات صفة العقار بالتخصيص.
الشرط الثالث: أن يكون كل من العقار والمنقول ملكًا لشخص واحد؛ فلو استأجر مالك الأرض الزراعية معدات الحصاد أو الري واستعملها في ملكه، فإنها لا تكتسب صفة العقار بالتخصيص، ولو خصص مستأجر الأرض لخدمتها أو استغلالها آلات أو معدات مملوكة له، فلا تعدُّ عقارًا بالتخصيص.
ووحدة الملك المشترطة هنا لا تستلزم بالضرورة أن تكون الملكية فيها مفرزة، بل يمكن لمالك العقار على الشيوع تخصيص منقولات لاستغلال ملكه الشائع، وتكون بذلك عقارات بالتخصيص.
الشرط الرابع: أن يصدر التخصيص من المالك وبإرادته؛ فلو استعار مستأجر الأرض من مالكها آلات أو معدات وخصصها لخدمة الأرض أو استغلالها، فلا تعدُّ عقارًا بالتخصيص مع أنها مملوكة لصاحب الأرض.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يشترط في المنقول ليعد عقارًا بالتخصيص أن يندمج أو يلتصق بالعقار المرصود لخدمته أو استغلاله، بل يكفي وضع المنقول لخدمة العقار أو استغلاله، أما إذا اندمج المنقول بالعقار أو التصق به وأصبح جزءًا لا يتم العقار إلا به بحيث لا يمكن نقله منه دون تلف أو تغير في هيئته، فإنه يكون عقارًا بالطبيعة؛ ومن ذلك: الأبواب، والنوافذ، والمصاعد.
ومن أمثلة العقار بالتخصيص: المنقولات التي تكون مخصصة لخدمة العقار؛ كالأدوات والأجهزة التي توضع في المدارس والمستشفيات لخدمتها، أو تكون مخصصة للاستغلال الزراعي؛ كالآلات المعدة للزرع والحرث، أو الاستغلال الصناعي؛ كمعدات المصنع وأجهزته، أو الاستغلال التجاري؛ كالمقاعد والأدوات التي توضع في المحلات التجارية.
فإذا توفرت الشروط السابقة في المنقولات فإنها تكون عقارات بالتخصيص وتأخذ حكم العقار بالطبيعة؛ فإذا بيع العقار فإن البيع يشمل ما ألحق به من عقارات بالتخصيص، ما لم يرد نص أو اتفاق على غير ذلك.
وفي المقابل؛ فإنه إذا تخلف أحد هذه الشروط انتهى اعتبار المنقول عقارًا بالتخصيص؛ مثل ما لو أظهر المالك رغبته صراحة أو ضمناً في إنهاء تخصيص المنقول لخدمة العقار أو استغلاله، كأن يفصل المالك المنقول عن العقار ويبيعه مستقلاً عنه.
أهمية التفريق بين العقارات والمنقولات:
تظهر أهمية التفريق بين العقارات والمنقولات فيما يأتي:
أولاً: أن حيازة المنقول تعد قرينة على الملكية عند النزاع فيها؛ وفقًا للمادة (٦٧٤) من هذا النظام، ولا تعد حيازة العقار قرينة على الملكية.
ثانيًا: أن دعاوى الحيازة المنصوص عليها في المادة (٢٠٩) والمادة (٢١٠) من نظام المرافعات الشرعية لا تكون إلا على العقارات، أما المنقولات فلا ترد عليها هذه الدعاوى.
ثالثًا: أن بعض الحقوق العينية لا ترد إلا على العقارات؛ ومن ذلك حق السكنى، وحق الارتفاق.
رابعًا: أن الشفعة تكون في العقارات؛ وفقًا للمادة (٦٥٨) من هذا النظام، ولا تكون في المنقولات.
خامسًا: إذا كان الموهوب عقارًا فلا تنعقد هبته إلا بتوثيقها وفق أحكام النصوص النظامية، وأما إذا كان منقولاً فتنعقد هبته بتوثيقها وفق أحكام النصوص النظامية أو بالقبض ولو من دون توثيق؛ وفقًا للمادة (٣٦٨) من هذا النظام.
المادة الثالثة والعشرون
تناولت المادة بيان الأشياء بالنظر إلى قابليتها للاستهلاك، فالأشياء بهذا الاعتبار على قسمين:
القسم الأول: الأشياء القابلة للاستهلاك، وعرفتها المادة بأنها «التي ينحصر استعمالها -بحسب ما أعدت له- في استهلاكها أو إنفاقها»؛ فهي أشياء لا يُنتفع بها إلا باستهلاكها، أي إنها تستهلك بمجرد الاستعمال. والاستهلاك قد يكون ماديًّا أو نظاميًّا، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: الاستهلاك المادي، وهو ما تنقضي به مادة الشيء، أو تتغير ذاتيته؛ مثل استهلاك المواد الغذائية بأكلها فتنقضي مادتها، واستهلاك الأقمشة بتحويلها إلى ملابس فتتغير ذاتيتها.
ثانيًا: الاستهلاك النظامي، وهو ما يكون بالتصرف في الشيء إلى الغير، ويستند إلى حكم النظام؛ مثل إنفاق النقود.
القسم الثاني: الأشياء غير القابلة للاستهلاك، وتسمى «الأشياء الاستعمالية»، وهي المعدة للاستعمال المتكرر بطبيعتها، حيث تبقى ذاتيتها، أي إنها لا تستهلك بمجرد الاستعمال، ولا يؤثر في ذلك ما لو ترتب على الاستعمال المتكرر استهلاكها جزئيًّا، أو استهلاكها كليًّا مع مرور الوقت؛ مثل الأثاث، والسيارات، والمنازل.
وبينت المادة أن كل ما أعد في المتاجر للبيع يعد قابلاً للاستهلاك؛ وعليه فإنه وإن كان الأصل أن التفريق بين ما يعد قابلاً للاستهلاك وما لا يعد كذلك يقوم على أساس طبيعة الشيء، إلا أن إرادة الأشخاص قد تغيِّر من هذا الوضع، فتجعل من الشيء القابل للاستهلاك شيئًا غير قابل له، والعكس؛ مثل النقود أو الثمار فهي قابلة للاستهلاك بطبيعتها، إلا أنها إذا أعدت للعرض تكون غير قابلة للاستهلاك، والكتب غير قابلة للاستهلاك بطبيعتها، إلا أنها إذا أعدت للبيع تكون قابلة للاستهلاك.
أهمية التفريق بين الأشياء القابلة للاستهلاك وغير القابلة للاستهلاك:
تظهر أهمية التفريق بين الأشياء القابلة للاستهلاك وغير القابلة للاستهلاك فيما يأتي:
أولاً: أن بعض الحقوق العينية التي تعطي صاحبها حق استعمال الشيء دون التصرف فيه، لا ترد إلا على الأشياء غير القابلة للاستهلاك؛ ومن ذلك حق الانتفاع، وحق الاستعمال.
ثانيًا: أن بعض العقود التي تعطي أحد المتعاقدين حق استعمال الشيء على أن يرده بعد انتهاء العقد، لا ترد إلا على الأشياء غير القابلة للاستهلاك؛ ومن ذلك عقد الإيجار والإعارة.
المادة الرابعة والعشرون
قررت المادة أن المال العام تسري عليه النصوص النظامية الخاصة به، سواء ما يتعلق بحرمته وحمايته والمحافظة عليه وفقًا للمادة (١٦) من النظام الأساسي للحكم، أو بجرائم الاعتداء عليه وفقًا للمادة (٢) من نظام هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، أو بتحديد مصادره وضوابط تحصيله وفقًا للمادة (٢) والمادة (٧) من نظام إيرادات الدولة، أو بتنظيم أعمال من يمارس مباشرته وحفظه وفقًا للمادة (٢) من نظام وظائف مباشرة الأموال العامة، أو غير ذلك من الأحكام المتعلقة به.
المادة الخامسة والعشرون
بينت المادة نوعي الحقوق المالية، وهما: الحق الشخصي، والحق العيني المنصوص عليه في المادة (٢٦) من هذا النظام.
أما الحق الشخصي فهو رابطة نظامية بين شخصين يلتزم بمقتضاها أحدهما -وهو المدين- في مواجهة الآخر -وهو الدائن-، بأداء مالي معين. ويسمى الحق الشخصي «حقًّا» إذا نظر إليه من ناحية الدائن، و«التزامًا» إذا نظر إليه من ناحية المدين.
ومحل الحق الشخصي أحد ثلاثة أنواع:
النوع الأول: إعطاء شيء، وهو نقل حق عيني أو إنشاؤه؛ مثل الالتزام بنقل ملكية المبيع إلى المشتري.
النوع الثاني: القيام بعمل؛ مثل إقامة بناء، أو نقل أشياء.
النوع الثالث: الامتناع عن عمل؛ مثل امتناع التاجر عن المنافسة في دائرة معينة.
المادة السادسة والعشرون
قررت المادة أن الحق العيني قد يكون أصليًّا أو تبعيًّا، ونصت على أهم الحقوق في كلا النوعين، وهذه الحقوق وردت في القسم الثالث من هذا النظام، وبخصوص الحقوق العينية التبعية فقد أحالت المادة (٧١٩) من هذا النظام في أحكامها إلى الأنظمة الخاصة بها.
والحق العيني هو سلطة مباشرة لشخص على شيء مادي معين، يستطيع بمقتضاها أن يقوم بأعمال معينة، تحقق له منفعة تتعلق بهذا الشيء؛ وذلك كحق الملكية، وحق الرهن. وليس المقصود بسلطة الشخص على شيء معين ضرورة أن يكون هذا الشيء في قبضته؛ إذ قد يكون في قبضة شخص آخر كمستأجر أو مودع لديه أو مستعير.
وبينت الفقرة (١) نوعي الحقوق العينية، وتجمع هذه الحقوق صفة العينية، وهي أن كل حق منها محله شيء مادي معين، فالحقوق العينية نوعان:
النوع الأول: الحقوق العينية الأصلية، المنصوص عليها في الفقرة (٢)، وهي الحقوق المستقلة بذاتها، دون أن تستند في وجودها إلى حق آخر، فإذا وجد الحق العيني الأصلي استطاع الشخص أن يستعمل الشيء أو يستغله أو يتصرف فيه، وقد تجتمع كل هذه السلطات؛ كما في حق الملكية، وقد يوجد بعضها دون بعض؛ كما في حق الانتفاع، فهو يجمع بين الاستعمال والاستغلال دون التصرف؛ وكما في حق الارتفاق، فهو يقتصر على أنواع معينة من الاستعمال. وهذه الحقوق العينية الأصلية وردت في الباب الأول من القسم الثالث من هذا النظام.
النوع الثاني: الحقوق العينية التبعية، المنصوص عليها في الفقرة (٣)، وهي الحقوق التي لا توجد مستقلة بذاتها، وإنما تكون تابعة لحق شخصي تضمن الوفاء به، ولا تخول صاحبها سلطة الاستعمال أو الاستغلال أو التصرف.
والحقوق العينية التبعية هي:
أولاً: حق الرهن، وهو نوعان:
النوع الأول: الرهن الحيازي، وهو ينشأ عن عقد رضائي بين طرفين، ويترتب عليه التزام الراهن بتسليم العين المرهونة للمرتهن أو لأجنبي يعيِّنانه؛ كي يحفظها عنده ويديرها إلى حين استيفاء الدين.
النوع الثاني: الرهن الرسمي، وهو ينشأ عن عقد شكلي لا يكفي فيه اتفاق الطرفين، بل لا بد من تحريره رسميًّا، ولا يلزم منه تسليم الراهن العين المرهونة للمرتهن.
ثانيًا: حق الامتياز، وهو ينشأ بمقتضى نص النظام؛ وذلك ضمانًا للوفاء بدين معين مراعاةً لصفته. وحقوق الامتياز نوعان:
النوع الأول: حقوق الامتياز العامة، وهي التي تقع على جميع أموال المدين من العقارات والمنقولات.
النوع الثاني: حقوق الامتياز الخاصة، وهي التي تقع على مال معين بالذات من أموال المدين، سواء كان من العقارات أو المنقولات.
وقررت الفقرة (٢) والفقرة (٣) أن من الحقوق العينية الأصلية والتبعية، ما يعد كذلك بموجب النصوص النظامية، فقد يعدُّ المنظّم أيًّا من الحقوق -غير المذكورة في المادة- حقوقًا عينية، سواء كانت أصلية أو تبعية؛ ومن ذلك حق الضمان الذي يعد حقًّا عينيًّا بموجب المادة (١) من نظام ضمان الحقوق بالأموال المنقولة.
التفريق بين الحق الشخصي والحق العيني:
تظهر أهم الفروق بين الحق الشخصي والحق العيني فيما يأتي:
الفرق الأول: أن الحقوق العينية سلطة مباشرة لشخص على شيءٍ مادي معين؛ لذا يجب أن يكون هذا الشيء موجودًا أو قابلاً للوجود، وأن يكون معيناً بالذات أو قابلاً للتعيين، بخلاف الحقوق الشخصية؛ لأنها تقع على عمل المدين، فهي إما نقل حق أو أداء عمل أو الامتناع عن عمل.
الفرق الثاني: أن الحقوق العينية محددة نظامًا على سبيل الحصر، مع جواز أن تقرر النصوص النظامية شيئًا من الحقوق تعدُّه كذلك، أما الأشخاص فليس لهم استحداث شيءٍ من الحقوق العينية باتفاقهم؛ لاتصالها بالنظام العام، بخلاف الحقوق الشخصية فهي غير محددة، وللأشخاص أن يتفقوا على ما يريدون من الحقوق الشخصية، بما لا يخالف النظام العام.
الفرق الثالث: أن الحقوق العينية تخول صاحبها تتبع الشيء محل الحق في أي يد يكون؛ لأن حق الدائن ينصب على شيء معين بالذات، فمالك السيارة -وهو صاحب حق عيني أصلي- إذا أعارها أو أودعها شخصًا ثم تصرف فيها المستعير أو المودع لديه، فلمالكها أن يتتبعها في يد المتصرف إليه ويستردها، وكذلك للدائن المرتهن -وهو صاحب حق عيني تبعي- إذا تصرف الراهن في ملكية العين المرهونة أن يتتبعها في يد المتصرف إليه لاستيفاء حقه من ثمنها.
وفي المقابل لا تخول الحقوق الشخصية صاحبها تتبع الشيء؛ لأن حق الدائن لا ينصب على شيء معين بالذات.
الفرق الرابع: أن الحقوق العينية تخول صاحبها حق التقدم، وهو أولوية وأفضلية لصاحب الحق في استيفاء حقه قَبل غيره؛ فالدائن المرتهن -وهو صاحب حق عيني تبعي- يقدم على سائر الدائنين في استيفاء دينه من ثمن العين المرهونة.
أما الحقوق الشخصية فلا تخول صاحبها حق التقدم؛ لأن محلها التزام يقوم به المدين، فإذا أعسر المدين اقتسم الدائن -وهو صاحب حق شخصي- مال المدين مع سائر الدائنين قسمة غرماء.
المادة السابعة والعشرون
أحالت المادة فيما يتعلق بالحقوق التي ترد على شيء غير مادي إلى الأنظمة الخاصة بها، وهذا النوع من الحقوق قد يسمى بالحقوق الفكرية أو الذهنية أو المعنوية.
وهذه الحقوق تخول صاحبها سلطة على اختراعٍ توصل إليه، أو كتابٍ ألَّفه، أو أي نتاج فكري أو ذهني نتج عن عمله، وتمكنُه من الاحتفاظ بنسبة ذلك إلى نفسه، والاستئثار بالمنفعة المالية التي تنتج عنه؛ ومن أمثلتها: حقوق المؤلف، والعلامات التجارية، وبراءات الاختراع.
والحقوق التي ترد على شيء غير مادي لها جانبان:
الجانب الأول: أدبي، وهو من حقوق الشخصية الذي يخول صاحب الحق نسبة الشيء محل الحق له، والاستئثار بتعديله أو تغييره أو نشره، وهو حق لا يتقوم بمال، ولا يجوز التعامل فيه، ولا يسقط بالتقادم.
الجانب الثاني: مادي، وهو الذي يخول صاحب الحق الاستئثار بالمنفعة المالية التي تنتج عن الشيء محل الحق، وهو حق مالي يجوز التعامل فيه، وينقضي بعد مدة معينة.
وتتميز هذه الحقوق عن الحقوق العينية بأنها لا ترد مباشرة على شيء مادي، وتتميز عن الحقوق الشخصية بأنها لا تفرض واجبًا خاصًا على شخص معين.
ومن الأنظمة الخاصة التي تسري أحكامها على هذه الحقوق: نظام العلامات التجارية، ونظام حقوق المؤلف، ونظام براءات الاختراع والتصميمات التخطيطية للدارات المتكاملة والأصناف النباتية والنماذج الصناعية.
المادة الثامنة والعشرون
قررت المادة قاعدة عامة في استعمال جميع أنواع الحق، سواء كان الحقُّ شخصيًّا أو عينيًّا أو معنويًّا، وهي أن من استعمل حقه استعمالاً مشروعًا فإنه لا يكون مسؤولاً إذا نشأ عن ذلك ضرر.
واستعمال الشخص لحقه يكون بممارسة السلطات التي يخولها هذا الحق، فالمستأجر الذي يتمسك بالبقاء في المأجور ويرفض طلب المؤجر فسخ العقد دون حدوث عذر طارئ، إنما يستعمل حقه استعمالاً مشروعًا، ولا يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر.
وأما من استعمل حقه استعمالاً غير مشروع؛ فإنه يكون مسؤولاً، وهذه المسؤولية تشمل المسؤوليتين العقدية والتقصيرية.
المادة التاسعة والعشرون
قررت الفقرة (١) أهم القيود على مبدأ أحقية الشخص في استعمال حقه، وهو منع التعسف في استعمال الحق، وهذا القيد ليس محصورًا في بعض الحقوق دون البعض الآخر، فالتعسف غير جائز فيها جميعًا.
وبينت الفقرة (٢) حالات التعسف في استعمال الحق على سبيل الحصر، وهي:
الحالة الأولى: إذا لم يُقصد باستعمال الحق سوى الإضرار بالغير، ولو أفضى الاستعمال إلى تحصيل منفعة عرضية غير مقصودة لصاحب الحق، وهذا معيار ذاتي، فيكفي لتحقق التعسف إثبات قصد الإضرار، ويعد قرينة على ذلك انتفاء أي منفعة في استعمال الحق، أو تفاهة المنفعة حال وجودها. ومن أمثلة ذلك:
رفع المدعي الدعوى الكيدية لمجرد الإضرار بالمدعى عليه، فحق التقاضي وإن كان حقًّا مكفولاً للجميع إلا أنه لا يجوز استعماله استعمالاً كيديًّا بقصد الإضرار بالغير.
الحالة الثانية: إذا كانت المنفعة من استعمال الحق لا تتناسب مطلقًا مع ما يسببه للغير من ضرر، والمعيار في هذه الحالة معيار موضوعي، وأساسها الموازنة بين المنفعة التي تعود على صاحب الحق، والضرر الذي يصيب الغير؛ ولهذا يلزم عند تطبيق هذه الحالة التحقق من أن الضرر الواقع على الغير بلغ درجة من الجسامة تجعل المنفعة العائدة على صاحب الحق تافهة، وكثيرًا ما تكون هذه الحالة قرينة على توفر نية الإضرار بالغير. ومن أمثلة ذلك: نص المادة (٦١٦) من هذا النظام على أنه: «ليس لمالك الحائط أن يهدمه إن كان الهدم يضر بالجار الذي يستتر ملكه بالحائط، إلا إذا كان هناك سبب مُعتبر للهدم».
الحالة الثالثة: إذا كان استعمال الحق في غير ما شُرع له أو لغاية غير مشروعة، والمعيار في هذه الحالة معيار موضوعي؛ وهذه الحالة تشمل صورتين، هما:
الصورة الأولى: أن يكون استعمال الحق في غير ما شُرع له، ولو كانت الغاية مشروعة.
الصورة الثانية: أن يكون استعمال الحق فيما شُرع له ولكن الغاية غير مشروعة؛ سواء كان ذلك بسبب مخالفتها حكمًا من أحكام النظام، أو كان تحقيقها يتعارض مع النظام العام، وكثيرًا ما يكون القصد في الاستعمال هو النافي لصفة المشروعية عن الغاية. ومن أمثلة ذلك: استعمال صاحب المنزل منزله ليكون مأوى للصوص.
وإذا تحققت أيٌّ من هذه الحالات الثلاث كان استعمال الحق عملاً تعسفيًّا غير مشروع، ومن ثم فإن صاحب الحق يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر؛ ويتخذ الجزاء في هذا الخصوص إحدى طريقتين:
الطريقة الأولى: التزام صاحب الحق بالتعويض عن الضرر الذي نشأ عن تعسفه في استعمال حقه؛ وفقًا لقواعد المسؤولية. ومن أمثلتها: نص المادة (٥٠٤) من هذا النظام على أنه: «إذا كانت الوكالة بأجر وعزل الموكل وكيله في وقت غير مناسب أو بغير مسوغ مقبول، لزمه تعويض الوكيل عن الضرر الذي يلحقه بسبب ذلك».
الطريقة الثانية: منع صاحب الحق من التعسف في استعمال حقه؛ فيحول ذلك دون نشوء الضرر ووقوعه على الغير. ومن أمثلتها: نص المادة (٦٥٣) من هذا النظام على أنه: «إذا كان مالك الأرض وهو يقيم عليها بناءً قد جار بحسن نية على جزء من الأرض الملاصقة، جاز للمحكمة -إذا رأت محلاًّ لذلك- أن تجبر صاحب هذه الأرض على أن ينزل لجاره عن ملكية الجزء المشغول بالبناء، وذلك مقابل تعويض عادل»، فإذا طلب الجار هدم البناء جاز للمحكمة ألا تجيب طلبه؛ منعًا من وقوع الضرر نتيجةً للهدم، مقابل تعويضه تعويضًا عادلاً.
وتجدر الإشارة إلى أن تجاوز الحق، يختلف عن التعسف في استعمال الحق، فتجاوز الحق يعد خروجًا عن الحدود الموضوعية المرسومة للحق، أما التعسف في استعمال الحق فإنه يظل داخل هذه الحدود، إلا أنه ينحرف عن الغرض والمصلحة المشروعة من استعمال الحق؛ فمثلاً من يتصرف في ملكه تصرفًا يضر بجاره؛ فهو يستعمل حقه إلا أنه يتعسف في استعماله، وأما من يحدث في أرض جاره عن قصد؛ فهو يتجاوز حقه.
المادة الثلاثون
تناولت المادة نطاق تطبيق أحكام هذا الفصل، المخصص للمصدر الأول من مصادر الالتزام، وهو العقد، ومصادر الالتزام هي: الأسباب النظامية لنشوء الالتزام. أما العقد فهو: توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر نظامي.
وقررت المادة أن الأحكام الواردة في هذا الفصل تنطبق على العقود المسماة وغير المسماة، وهذان هما قسما العقود من حيث الموضوع:
القسم الأول: العقود المسماة، وهي التي خصصها النظام باسم معين، ونظم أحكامًا خاصة بها؛ كعقد البيع، والمقايضة، والهبة. وقد ورد عدد من العقود المسماة في القسم الثاني من هذا النظام.
القسم الثاني: العقود غير المسماة، وهي التي لم تخصص في النظام باسم معين، ولم تنظم أحكامٌ خاصة بها؛ كعقد النزول في الفندق.
فالأحكام الواردة في هذا الفصل تنطبق على هذين القسمين من العقود، سواء من حيث الإنشاء، أو الإبطال والبطلان، أو الآثار، أو الفسخ، أو غيرها.
وبينت المادة أن إعمال الأحكام الواردة في هذا الفصل لا يخل بالأحكام الخاصة في بعض العقود بموجب نصوص نظامية خاصة بها، سواء وردت في هذا النظام؛ كالأحكام الخاصة بالعقود المسماة الواردة في القسم الثاني، أو وردت في أنظمة أخرى تنظِّم عقودًا ذات طبيعة خاصة؛ مثل نظام العمل، ونظام الإيجار التمويلي، ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية. فتطبق تلك الأحكام على هذه العقود ذات الطبيعة الخاصة دون غيرها من العقود.
المادة الحادية والثلاثون
قررت المادة أن العقد ينشأ بين أطرافه بالتعبير عن إرادتهم بالإيجاب والقبول، على وجه يتحقق به الارتباط بينهما؛ لغرض إحداث أثر نظامي. وبيان ذلك على النحو الآتي:
أولاً: الإيجاب، وهو: تعبيرٌ عن الإرادة موجهٌ إلى شخصٍ أو أشخاصٍ آخرين، للدخول في رابطة عقدية؛ وفقًا للشروط المحددة فيه. ويعد التعبير الصادر أولاً هو الإيجاب.
ثانيًا: القبول، وهو: تعبير الشخص أو الأشخاص الموجه إليهم الإيجاب عن إرادةٍ مطابقةٍ للإرادة المعبَّر عنها فيه، مضمونها قبول الدخول في الرابطة العقدية. ويعد التعبير اللاحق للإيجاب هو القبول.
والإيجاب والقبول يكونان «بكل ما يدل على الإرادة»، أي إرادة إنشاء العقد، وفقًا للمادة (٣٣) من هذا النظام.
ثالثًا: قصد إحداث الأثر النظامي، وهو اتجاه الإرادة إلى إنشاء الرابطة النظامية بين الأطراف، فلا يعتد بالإرادة إذا لم تتجه إلى ذلك؛ كما في الخدمات المجانية، كذلك لا يعتد بإرادة الهازل، أو بما يصدر من شخص عديم الإرادة؛ كالمجنون.
ومع أن الأصل في العقود أنها عقود رضائية يكفي لانعقادها ارتباط الإيجاب بالقبول على النحو المبين، إلا أن المادة بينت أن النصوص النظامية قد تقرر أوضاعًا معينة لبعض العقود لا بد من مراعاتها، وهذه هي العقود الشكلية والعينية؛ فالعقود من حيث التكوين أقسامٌ ثلاثة:
القسم الأول: العقود الرضائية، وهي التي يكفي لانعقادها تراضي المتعاقدين، أي ارتباط الإيجاب بالقبول، وفقًا لما نصت عليه المادة.
ولا يُخرج العقدَ عن كونه رضائيًّا ما يأتي:
أولاً: اشتراطُ إثبات العقد في شكل مخصوص؛ إذ الشرط في هذه الحالة يكون شرطاً للإثبات وليس شرطاً للانعقاد. مثل نص المادة (٦٦) من نظام الإثبات على أنه: «يجب أن يثبت بالكتابة كل تصرف تزيد قيمته على (مائة ألف ريال أو ما يعادلها) أو كان غير محدد القيمة».
ثانيًا: ما يشترط لنفاذ العقد في حق الغير، وليس شرطاً لانعقاد العقد. مثل نص المادة (٢٤٠) من هذا النظام على أنه: «لا تكون حوالة الحق نافذة تجاه المدين أو تجاه الغير إلا إذا قبلها المدين أو أُعلِم بها بأي وسيلة مقررة نظامًا».
القسم الثاني: العقود الشكلية، وهي التي لا يكفي لانعقادها تراضي المتعاقدين، بل يجب -إضافة إلى ذلك- اتباع شكل معين يقرره النظام؛ مثل اشتراط كتابة عقد تأسيس الشركة؛ وفقًا للمادة (٨) من نظام الشركات. وأكثر ما يكون الشكل كتابة رسمية أو عرفية.
القسم الثالث: العقود العينية، وهي التي لا يكفي لانعقادها تراضي المتعاقدين، بل يجب -إضافة إلى ذلك- تسليم العين محل التعاقد؛ مثل اشتراط القبض في هبة المنقول من دون توثيق، وفقًا للمادة (٣٦٨) من هذا النظام.
وقد يكون العقد رضائيًّا في أصله ولكن يتفق المتعاقدان على أن يكون شكليًّا أو عينيًّا؛ فيجوز لهما ذلك، وتصبح الشكلية أو العينية شرطاً لصحة العقد بالاتفاق وليس بحكم النظام.
المادة الثانية والثلاثون
بينت المادة معيار تحقق الرضى، وهو الركن الأول من أركان العقد التي لا يقوم العقد إلا بها؛ إذ جعلت معيار تحققه حصول التوافق بين إرادتي متعاقدين أو أكثر. وهذا التوافق يستلزم توفر الإرادة لدى من صدرت منه عند التعاقد، ولا يكون كذلك إلا إذا كان من صدرت منه هذه الإرادة لديه أهلية التعاقد وعبر عن هذه الإرادة بما يدل عليها.
والتعبير عن الإرادة قد يكون صريحًا أو ضمنيًّا، وفقًا للمادة (٣٣) من هذا النظام.
وبناء على ذلك إذا لم يتحقق توافق الإرادتين وفق ما بينته المادة؛ فلا يتحقق الرضى، ومن ثمَّ لم ينعقد العقد؛ إلا أنه إذا اتفق المتعاقدان على المسائل الجوهرية في العقد وعلى إرجاء الاتفاق على المسائل غير الجوهرية؛ كان ذلك كافيًا لاعتبار القبول مطابقًا للإيجاب، وفقًا للمادة (٤٢) من هذا النظام.
ويفترض توفر الإرادة متى تم التعبير عنها وتوفرت أهلية التعاقد عند إجراء التصرف، والأصل أن كل شخصٍ أهلٌ للتصرف؛ ما لم يكن عديم الأهلية أو ناقصها بمقتضى نص نظامي، وفقًا للمادة (٤٧) من هذا النظام.
المادة الثالثة والثلاثون
بينت الفقرة (١) أن الإيجاب والقبول اللذين ينعقد بهما العقد يكونان بكل ما يدل على إرادة المتعاقد إنشاء العقد. وهذه الإرادة قد تكون قاطعةً من أول الأمر في بعض العقود؛ كالعقود اليومية في شراء البضائع المسعَّرة ونحوها، ولكن في البعض الآخر من العقود قد يمر الإيجاب بعدد من المراحل، وهي:
المرحلة الأولى: التفاوض، وهذه المرحلة قد تطول وقد تقصر بحسب طبيعة العقد، وقد تناولتها المادة (٤١) من هذا النظام.
المرحلة الثانية: الإيجاب المعلق، وهو الإيجاب الذي لا ينفذ إلا إذا تحقق الشرط الذي علق عليه صراحةً أو ضمناً؛ كأن يعرض شخص التعاقد بثمن معين مع الاحتفاظ بتعديل هذا الثمن تبعًا لتغير الأسعار، أو يعرض شخص التعاقد على سلعة بثمن معين وتكون كميتها محدودة فيكون إيجابه معلقًا ضمناً على عدم نفاد الكمية.
المرحلة الثالثة: الإيجاب البات، وهو ما بعد الخروج من مرحلتي التفاوض والتعليق، ويكون الإيجاب باتًّا إذا كان جازمًا لا تردد فيه، وكاملاً متضمناً المسائل الجوهرية في العقد موضوع الإيجاب.
وتجدر الإشارة إلى التفريق بين التفاوض، والإيجاب المعلق؛ فالتفاوض لا يرتب على أطرافه التزامًا بإبرام العقد وفقًا للمادة (٤١) من هذا النظام، أما الإيجاب المعلق فيتقيد الموجب بإيجابه إذا تحقق الشرط الذي علق عليه الإيجاب.
وقررت الفقرة (٢) أن التعبير عن الإرادة -سواء كان إيجابًا أو قبولاً- لا يشترط له وضع معين، فيجوز أن يكون بأي وسيلة من الوسائل الآتية:
أولاً: اللفظ، أي الكلام، وذلك بإيراد الألفاظ الدالة على المعنى الذي تنطوي عليه الإرادة، سواء كان التعبير بألفاظ يؤديها اللسان مباشرة، أو يؤديها بالوساطة؛ كالاتصال بالهاتف، أو إيفاد رسول ينقل التعبير.
ثانيًا: الكتابة، في أي شكل من أشكالها، سواء كانت عرفية أو رسمية، في سند أو رسالة، مخطوطة أو مطبوعة، موقعًا عليها أو غير موقع. مع الإشارة إلى أن هذا ما يجوز في الكتابة باعتبارها وسيلةً للتعبير عن الإرادة، أما ما يخص الإثبات بالكتابة فإنه يخضع لأحكام الإثبات المقررة نظامًا.
ثالثًا: الإشارة المفهومة، ولو من غير الأخرس؛ مثل أن يتعارف الناس على أن هز الرأس عموديًّا يفيد القبول، وهزه أفقيًّا يفيد الرفض.
رابعًا: المعاطاة، وهي المبادلة الفعلية الدالة على التراضي، وذلك بالأخذ والإعطاء دون تلفظ أو كتابة أو إشارة.
ويجوز أن يعبر عن إرادة إنشاء العقد من خلال هذه الوسائل؛ سواء كان التعبير مباشرة، أو عبر الوسائط الرقمية أيًّا كانت طبيعتها؛ كأجهزة الخدمة الذاتية، وذلك مع مراعاة ما تقضي به الأنظمة ذات الصلة.
كما قررت الفقرة أن العقد لا يتطلب انعقاده كون التعبير عن الإرادة صريحًا، بل يجوز أن يكون التعبير عن الإرادة بإحدى هاتين الصورتين:
الصورة الأولى: التعبير الصريح، وهو أن يكون ما صدر من المتعاقد موضوعًا في ذاته للكشف عن تلك الإرادة، بحسب المألوف بين الناس؛ كأن يقول: بعت، قبلت، ونحو ذلك.
الصورة الثانية: التعبير الضمني، وهو أن يكون ما صدر من المتعاقد ليس موضوعًا في ذاته للكشف عن الإرادة، ولكن لا يمكن تفسيره دون أن يفترض وجود هذه الإرادة؛ كاستمرار المستأجر بعد انتهاء عقد الإيجار في الانتفاع بالمأجور برضى المؤجر فإنه يعدُّ تجديدًا للإيجار، وفقًا للمادة (٤٤٠) من هذا النظام.
ثم أوردت الفقرة عدة استثناءات على شكل التعبير عن الإرادة، وعلى كونه صريحًا أو ضمنيًّا، وهي:
أولاً: إذا أوجب النظام شكلاً معيناً للانعقاد؛ كما في العقود الشكلية.
ثانيًا: إذا اتفق المتعاقدان على اتخاذ شكل معين للتعاقد؛ كأن يتفقا على أن يكون التعاقد بينهما بالكتابة.
ثالثًا: إذا اقتضت طبيعة المعاملة اتخاذ شكل معين للتعاقد.
المادة الرابعة والثلاثون
بينت الفقرة (١) أن عرض البائع أو مقدم الخدمة للبضائع والخدمات في المتجر أو في الموقع الإلكتروني ونحوهما من الأماكن المهيأة للعرض، مع بيان ما يقابلها من ثمن، يعد إيجابًا.
وما تضمنته الفقرة يعد تطبيقًا للقاعدة العامة التي قررتها المادة (٣٣) من هذا النظام بأن الإيجاب والقبول يكونان بكل تعبير يدل على إرادة إنشاء العقد؛ فعرض البضائع والخدمات مقرونة بثمنها يعدُّ تعبيرًا دالاًّ على إرادة إنشاء العقد.
ولا يشترط في العرض ليعد إيجابًا أن يكون موجهًا إلى شخص بعينه، بل يصح أن يكون إلى شخص غير معين؛ كأن يعرض تاجر بضائعه على الجمهور، فإذا كان العرض قد اشتمل على المسائل الجوهرية في العقد وهي تعيين البضاعة مع ما يقابلها من الثمن، فإنه يعد إيجابًا.
واستثنت الفقرة ما إذا قامت دلائل تفيد أن العرض لا يقصد منه الإيجاب، فلا يعد حينئذٍ إيجابًا تامًّا؛ كأن يقترن العرض باحتفاظ البائع بحقه في تعديل الثمن المعروض؛ ويكون ذلك عادة في البضائع والخدمات التي يكون الثمن المعروض فيها استرشاديًّا ويتوقف تحديد الثمن النهائي على مقدار البضاعة والخدمة المتعاقد عليها.
وتناولت الفقرة (٢) حكم حالات الإعلان الموجه للأفراد أو الجمهور مع بيان الأسعار المتعامل بها، ويكون لغرض الدعاية والتسويق؛ كالإعلانات التي تكون في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والنشرات (الكتالوجات) التي تتضمن قوائم الأسعار، فالأصل في جميع ذلك أنه ليس إيجابًا.
وأما إذا اقترن الإعلان بما يدل على أن المراد به الإيجاب، فيعد إيجابًا حينئذٍ لا لذاته وإنما بمقتضى الدلائل التي اقترنت به، وإلا فإنه لا يرتقي في ذاته لأن يكون تعبيرًا ولو ضمنيًّا عن إرادة إنشاء العقد.
وقد تبين من المادة أن العرض أقوى من مجرد الإعلان، فالأول يعد إيجابًا إلا إذا قامت دلائل تفيد خلاف ذلك، والثاني لا يعد إيجابًا إلا إذا قامت دلائل تفيد ذلك.
المادة الخامسة والثلاثون
تناولت الفقرة (١) حكم الإيجاب من حيث لزومه بالنسبة إلى الموجب؛
فالإيجاب لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: ألا يكون الإيجاب معين المدة، ففي هذه الحالة يكون للموجب حق العدول عن إيجابه، بشرط أن يكون العدول قبل صدور القبول ممن وجه إليه الإيجاب، وذلك مع مراعاة ما بينته الفقرة (٢).
الحالة الثانية: أن يكون الإيجاب معين المدة، فتلزم الموجب هذه المدة، ولا يجوز له العدول قبل انقضائها. وتعيين المدة يكون بإحدى هاتين الصورتين:
الصورة الأولى: التعيين الصريح، وهو الذي يحدده الموجب صراحة بالنص عليه في الإيجاب؛ كأسبوع، أو شهر، أو نحو ذلك.
الصورة الثانية: التعيين الضمني، وهو الذي يستخلص من ظروف التعامل أو من طبيعته؛ كما لو جرت عادة التعامل بين الطرفين على أن يكون الإيجاب لمدة معينة فتلزم الموجب تلك المدة.
فتحديد الإيجاب بمدة معينة كافٍ في اعتباره ملزمًا للموجب خلالها ولو لم ينص على ذلك، ما لم يحتفظ لنفسه بحق العدول، فيصح شرطه.
وبينت الفقرة (٢) ما يجب على الموجب فعله حال عدوله عن الإيجاب غير معين المدة، وهو إعلام الطرف الآخر الموجه إليه الإيجاب بعدوله.
أما إذا عدل الموجب ولم يُعلِم من وجه إليه الإيجاب بعدوله، فيلزم الموجب تعويضه عن الضرر الذي لحقه بسبب هذا العدول، ونطاق هذه المسؤولية يمتد من وقت العدول إلى وقت علم من وجه إليه الإيجاب بهذا العدول.
واستثناءً من القاعدة العامة فإن التعويض في هذه الحالة لا يشمل ما فات من وجه إليه الإيجاب من كسب متوقع حصوله عليه من العقد الذي عدل الموجب عن إبرامه.
المادة السادسة والثلاثون
بينت الفقرة (١) الحالات التي يسقط فيها الإيجاب بعد صدوره، وذلك على النحو الآتي:
الحالة الأولى: أن يعدل الموجب عن إيجابه قبل صدور القبول، والعدول يكون بإحدى هاتين الصورتين:
الصورة الأولى: العدول الصريح.
الصورة الثانية: العدول الضمني؛ كما لو قام البائع ببيع المبيع إلى شخص آخر.
وهذه الحالة مقيدة بالمادة (٣٥) من هذا النظام؛ وذلك بأن يكون الإيجاب غير معين المدة، فإن كان معين المدة فلا يسقط إذا كان العدول خلالها.
الحالة الثانية: إذا رفض الإيجاب من وجه إليه، فيسقط الإيجاب ولو لم تنقضِ المدة التي عيَّنها الموجب للقبول، والرفض يكون بإحدى هاتين الصورتين:
الصورة الأولى: الرفض الصريح.
الصورة الثانية: الرفض الضمني، وهو الذي يأخذ أحد شكلين:
أولاً: القبول الذي يتضمن تعديلاً في الإيجاب، سواء في الثمن أو الصفة أو الأجل أو الشروط أو غيرها، فيعد رفضًا يسقط به الإيجاب، ويتضمن إيجابًا جديدًا ممن وجه إليه الإيجاب؛ كأن يعرض شخص بيع شيء بثمن معين فيقبل الآخر بثمن أقل منه.
ثانيًا: الإيجاب المعارِض، وهو الإيجاب الجديد الصادر ممن وجه إليه الإيجاب الذي يعارض الإيجاب الموجه إليه، فإنه يتضمن رفضًا منه يسقط به الإيجاب الأول.
الحالة الثالثة: إذا مات الموجب أو من وجه إليه الإيجاب أو فقد أحدهما أهليته قبل صدور القبول سقط الإيجاب، سواء كان الإيجاب معين المدة أو لم يكن كذلك.
الحالة الرابعة: عدم اتصال القبول بالإيجاب، أو انقضاء المدة المعيَّنة للقبول، فهما صورتان:
الصورة الأولى: إذا لم يتصل القبول بالإيجاب عرفًا، والاتصال يختلف باختلاف طريقة التعاقد؛ فإذا كان التعاقد بين حاضرين في المجلس انقطع الاتصال بالتفرق قبل صدور القبول أو بانشغال الطرفين بما يقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول عرفًا، وإذا كان التعاقد بين شخصين في مكانين مختلفين عبر محادثة مباشرة من خلال وسائل الاتصال الحديثة انقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول بانتهاء المحادثة، وإذا كان التعاقد بين غائبين عبر البريد المرسل انقطع الاتصال بمضي المدة لمثل ذلك عرفًا.
ويتبين من هذا عدم اشتراط الفورية لاتصال القبول بالإيجاب، بل يكفي أن يتصل به عرفًا؛ فلو أوجب في المجلس وجرى بين الطرفين حديث حول العقد ولم ينشغلا عنه بحديث آخر، والموجب باقٍ على إيجابه، ثم قبل الطرف الآخر بعد ذلك وهما في المجلس، انعقد العقد.
الصورة الثانية: إذا انقضت المدة التي عيَّنها الموجب للقبول دون صدوره، فالموجب لم يقصد بقاء إيجابه بعد انقضاء المدة المعيَّنة، وإلا لم يلجأ إلى تعيينها.
وبينت الفقرة (٢) أنه في جميع الحالات التي يسقط فيها الإيجاب، فإنه إذا سقط لا يعود، ويكون معدومًا؛ وعلى هذا فلو صدر قبول بعد سقوط الإيجاب لم ينعقد به العقد، ولكن يعد هذا القبول إيجابًا جديدًا موجهًا إلى من صدر منه الإيجاب الأول الذي سقط، وتسري عليه أحكام الإيجاب؛ مثل أن يوجب البائع إيجابًا معين المدة بمبلغ قدره مائة ريال، ثم يصدر القبول من الآخر بتسعين ريالاً، أو يصدر منه القبول بمائة ريال ولكن بعد انقضاء المدة المعينة للإيجاب، فلا ينعقد العقد، ويعد ما صدر منه إيجابًا جديدًا.
المادة السابعة والثلاثون
قررت الفقرة (١) مبدأً عامًّا في سكوت من وجه إليه الإيجاب، وهو أن السكوت في ذاته مجردًا عن الاتفاق والقرينة لا يعدُّ قبولاً.
والاستثناء من هذا المبدأ العام يكون في حالتين:
الحالة الأولى: إذا كان هناك اتفاق سابق بين المتعاقدين على أن أي تعامل لاحق بينهما فإن السكوت فيه خلال مدة معينة يعدُّ قبولاً.
الحالة الثانية: إذا وجدت قرينة تدل على أن سكوت من وجه إليه الإيجاب يعد قبولاً منه؛ كما لو كانت طبيعة المعاملة أو العرف يدل على ذلك، مثل إرسال التاجر إلى العميل البضاعة التي طلبها مع إضافة شروط مستجدة في الفاتورة سكت عنها العميل؛ فيعد قبولاً منه.
وقد تضمنت الفقرة (٢) صورتين -لا على سبيل الحصر- يعد فيهما السكوت قبولاً:
الصورة الأولى: إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل؛ كما إذا اعتاد تاجر توريد بضائع بناء على طلب المشتري دون حاجة إلى إشعاره بالقبول، فللمشتري أن يعتبر سكوت المورد -كعادته- قبولاً ما دام الإيجاب -وهو تقديم طلبات الشراء- متصلاً بهذا التعامل، سواء كان هذا التعامل ضمن تعاملات ينتظمها اتفاق إطاري أو لم يكن كذلك.
الصورة الثانية: إذا كان الإيجاب لمحض منفعة الموجب له، بأن يكون الإيجاب نافعًا نفعًا محضًا لمن وجه إليه وسكت، ومن تطبيقات هذه الصورة ما تضمنته المادة (٥٧٩) من هذا النظام؛ حيث عدَّت سكوت الدائن إذا وجه إليه الإيجاب من الكفيل قبولاً للكفالة، فهذا الإيجاب يعد منفعة متمحضة للدائن الموجب له.
المادة الثامنة والثلاثون
تناولت المادة زمان انعقاد العقد ومكانه، وذلك في حالتين:
الحالة الأولى: إذا كان المتعاقدان حاضرين في مكانٍ واحدٍ أو في مكانين مختلفين عبر وسائل الاتصال المباشرة، وهو ما بينته الفقرة (١)، والمراد بكون المتعاقدين حاضرين ألا يفصل بين صدور القبول وعلم الموجب به مدة زمنية، بحيث يعلم الموجب بالقبول فور صدوره، سواء كان المتعاقدان حاضرين بأبدانهما في مكان واحد، أو كانا في مكانين مختلفين وتم التعاقد عبر وسائل الاتصال المباشرة المرئية أو المسموعة أو المكتوبة.
وفي هذه الحالة يعد العقد قد تم في الزمان والمكان اللذين صدر فيهما القبول.
الحالة الثانية: إذا كان المتعاقدان غائبين، وهو ما بينته الفقرة (٢)، ويقصد بذلك أن يتخلل بين صدور القبول وعلم الموجب به مدة زمنية، وتبعًا له يختلف وقت صدور القبول عن وقت علم الموجب به، ولو كان المتعاقدان عند صدور الإيجاب حاضرين.
وفي هذه الحالة يعد العقد قد تم في الزمان والمكان اللذين علم فيهما الموجب بالقبول.
وعلم الموجب بالقبول يكفي فيه العلم الحكمي، فيعد وصول القبول إلى الموجب قرينةً على علمه بهذا القبول، وذلك في الزمان والمكان اللذين وصل فيهما القبول، ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك؛ كأن يثبت الموجب أنه لم يعلم بالقبول رغم وصوله إليه بسبب غيابه.
والأحكام الواردة في المادة تطبق ما لم يُتفق على خلافها، فهي من القواعد المكملة التي تخضع لإرادة المتعاقدين، فإذا وجد اتفاقٌ على شيء في هذا الخصوص فالمُطبَّق هو ما تم الاتفاق عليه؛ كأن يتفق المتعاقدان الغائبان على أن العقد يتم بمجرد صدور القبول وقبل علم الموجب به.
وتبرز أهمية تحديد زمان العقد ومكانه، فيما يأتي:
أولاً: من حيث زمان العقد، فمن المسائل التي تنبني عليه: تحديد بدء سريان التقادم فيما تبدأ المدة فيه من وقت تمام العقد، ووقت انعقاد البيع الذي تنتقل فيه ملكية المبيع إلى المشتري وفقًا للمادة (٣١٨) من هذا النظام، والوقت الذي تم فيه العقد في حال دعوى الدائن عدم نفاذ تصرف مدينه ليتبين ما إذا كان العقد قد تم قبل ثبوت حق الدائن بدعوى عدم النفاذ أو بعده.
ثانيًا: من حيث مكان العقد، فمن أهم المسائل التي تنبني عليه: تحديد النظام واجب التطبيق على العقد، وذلك في الحالات التي يكون فيها النظام واجب التطبيق هو نظام الدولة التي تم فيها العقد.
المادة التاسعة والثلاثون
تناولت المادة أحكام التعاقد من خلال المزايدة، سواء كانت المزايدة جبرية؛ كالبيع الجبري عبر الجهات القضائية أو الإدارية، أو كانت اختيارية؛ كما لو اختار الشخص من تلقاء نفسه البيع بطريق المزايدة.
وبينت المادة أن العقد في المزايدة لا يتم إلا برسوها؛ فطرح الصفقة في المزايدة ما هو إلا دعوة للتعاقد، والتقدم بالعطاء هو الإيجاب، ورسو المزايدة هو القبول، وبه يتم العقد.
ويسقط العطاء الذي تقدم به المتعاقد -والذي يعد إيجابًا صادرًا منه- بأحد أمرين:
الأمر الأول: العطاء الذي يزيد عليه، ولو وقع هذا العطاء باطلاً، سواء كان باطلاً بطلانًا مطلقًا؛ كما لو قُدِّم من عديم الأهلية، أو كان قابلاً للإبطال؛ كما لو قُدِّم من ناقص الأهلية، فإذا بطل العطاء في الحالين لم يبطل أثره، وهو سقوط العطاء الذي ينقص عنه.
الأمر الثاني: إقفال المزايدة دون رسوها على أحد؛ فالعقد لا يتم إلا برسو المزايدة؛ وعلى هذا إذا أُقفلت دون رسوها على أحد عُدَّ العطاء إيجابًا لم يتصل به القبول قبل انقضاء المدة المعينة له، وهذه المدة تستخلص من ظروف التعامل بإقفال المزايدة دون رسوها على أحد.
وفي حال وجود نصوص نظامية تتعلق بنوع معين من المزايدات تتضمن أحكامًا بخلاف ما ذكر فإن نص المادة لا يخل بها؛ ومن الأنظمة التي تضمنت مثل هذه النصوص: نظام المنافسات والمشتريات الحكومية.
المادة الأربعون
تناولت المادة ما يحصل به القبول في عقد الإذعان، وهو العقد الذي يُسلِّم فيه القابل بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل مناقشة فيها، وهي عادة شروط دائمة لمدةٍ غير محدودة، ومفصَّلة في قوالب نموذجية، وتكون في الغالب لمصلحة الموجب بتخفيف التزاماته التعاقدية، والتشديد في التزامات الطرف الآخر.
ومن أمثلة عقود الإذعان: العقود التي يبرمها الأفراد مع شركات الغاز، والمياه، والكهرباء، والاتصالات، والطيران.
وبينت المادة أن القبول في عقد الإذعان يكون بمجرد التسليم بالشروط المضمنة في الإيجاب من قبل الموجب، التي لا يقبل المناقشة فيها، فالقابل يُذعن لإرادة الموجب؛ ومن هنا جاءت التسمية بعقد الإذعان، ولا يعد هذا من قبيل الإكراه الذي يعيب الإرادة.
وتجدر الإشارة إلى أن الطرف المُذْعِن يتمتَّع بحمايةٍ نظامية؛ فإذا تمَّ العقد بطريق الإذعان وتضمن شروطاً تعسفيةً؛ فللمحكمة أن تعدلها أو تعفي الطرف المُذْعِن منها وفقًا لما تقتضيه العدالة، فإذا كان من الممكن إزالة أثر التعسف عن طريق التعديل دون الحاجة إلى الإعفاء تعين التعديل، وإلا جاز الإعفاء بالقدر الذي يزيل أثر التعسف، وتوضح المحكمة الأسس التي استندت إليها في ذلك وفقًا لما هو مبين في المادة (٩٦) من هذا النظام. كما أن الشك يُفسر في عقود الإذعان لمصلحة الطرف المُذْعِن، وفقًا للمادة (١٠٤) من هذا النظام.
المادة الحادية والأربعون
مرحلة التفاوض من مراحل ما قبل التعاقد، ويقصد بها: المرحلة التي يتم فيها اتصال مباشر أو غير مباشر بين طرفين أو أكثر بمقتضى اتفاق بينهم، يتم خلاله تبادل العروض وبذل الجهود؛ بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن عقد معيَّن تمهيدًا لإبرامه في المستقبل.
ويلجأ الأطراف عادة إلى هذه المرحلة لأسباب متعددة قد تكون اقتصادية؛ لكبر قيمة العقد المراد إبرامه، أو نظامية؛ لصعوبة العقد وتعقيده، أو لغير ذلك من الأسباب.
وتتضمن هذه المرحلة عادة أنواعًا من الوثائق المتبادلة تزيد وتنقص بحسب رغبة الأطراف.
وبينت الفقرة (١) أن التفاوض على عقد لا يرتب التزامًا على أي طرف بإبرام هذا العقد، وبذلك يتقرر مبدأ حرية التفاوض، وأن لكل طرف الحرية في بحث شروط العقد وله قبولها أو رفضها، كما أن له حرية الاستمرار في التفاوض أو إنهائه في أي وقت دون أن تترتب عليه أي مسؤولية؛ إلا إذا استعمل الحق في التفاوض أو في إنهائه بسوء نية.
ويكون من يتفاوض أو يُنهي التفاوض بسوء نية مسؤولاً عن تعويض الضرر الذي أصاب الطرف الآخر، مثل نفقات السفر، واستثناءً من القاعدة العامة فإن التعويض المترتب على هذه المسؤولية لا يشمل ما فات من كسب متوقع من العقد محل التفاوض.
ومن صور التفاوض بسوء نية؛ أن يفاوض دون النية في التعاقد بل لمجرد الحصول على أسرار الطرف الآخر.
وحددت الفقرة (٢) صورتين تُعدَّان من سوء النية في التفاوض:
الصورة الأولى: عدم الجدية في التفاوض، بأن يشرع المتفاوض في التفاوض أو يستمر فيه وهو لا يقصد الوصول إلى اتفاق؛ كما لو كان يعلم عدم قدرته على إبرام العقد محل التفاوض، أو أن يرفض مقترحات معقولة من الطرف الآخر ويقدم بدلاً منها مقترحات غير معقولة إضاعة للوقت.
الصورة الثانية: تعمد عدم الإدلاء ببيانٍ جوهريٍّ مؤثرٍ في العقد؛ فمن مقتضيات حسن النية في التفاوض أن يلتزم المتفاوض بإعلام الطرف الآخر أثناء التفاوض بأي معلومات جوهرية لديه لا يسع الطرف الآخر الحصول عليها، مع كونها مؤثرةً في العقد محل التفاوض، وتعمد إخفاء هذه المعلومات يعدُّ من سوء النية الموجب لتحمل المسؤولية.
وحسن النية مفترض في المتفاوض ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك.
المادة الثانية والأربعون
تناولت المادة حكم الحالة التي يتفق فيها الطرفان على المسائل الجوهرية ويرجئان البتَّ في المسائل غير الجوهرية إلى وقت لاحق؛ لارتباطها بوقت التنفيذ مثلاً، كأن يتفقا على المبيع والثمن ويرجئا الاتفاق على مكان التسليم ووقته.
فقررت الفقرة (١) أنه إذا اتفق الطرفان على المسائل الجوهرية في العقد وعلى إرجاء الاتفاق على المسائل غير الجوهرية إلى وقت لاحق؛ فإن ذلك لا يمنع من تطابق الإيجاب والقبول وانعقاد العقد، ولو نشأ بينهما اختلاف فيما بعد على المسائل غير الجوهرية، ما دام أنهما لم يشترطا -صراحةً أو ضمناً- أن العقد لا يتم إذا لم يتفقا على تلك المسائل لاحقًا، فالمفترض من ذلك أن نيتهما انصرفت إلى إبرام العقد ولو قام خلاف بينهما على هذه المسائل.
أما معيار تقدير المسائل الجوهرية؛ فهو معيار ذاتي، فالمسألة تعد جوهرية إذا كان هناك ما يفيد أن أحد المتعاقدين لم يكن ليبرم العقد لو لم يتم الاتفاق بشأنها؛ وفي هذا الخصوص؛ فإنه في حال الاتفاق على تأجيل تحديد بعض المسائل وفق ما نصت عليه المادة؛ فيفترض أن تلك المسائل غير جوهرية، ويقع عبء الإثبات على من يدعي أن تلك المسألة التي تم تأجيل البت فيها مسألة جوهرية.
وإذا كان المتعاقدان قد ربطا انعقاد العقد بالاتفاق على تلك المسائل غير الجوهرية صراحةً أو ضمناً، فإن من مقتضى إعمال إرادتهما عدم انعقاد العقد إلا بعد الاتفاق على تلك المسائل، وليس للمحكمة أن تتدخل بتحديدها، ويقع عبء الإثبات على من يدعي أن العقد معلق على الاتفاق على تلك المسائل.
وبينت الفقرة (٢) الحكم إذا لم يتفق المتعاقدان على تحديد المسائل غير الجوهرية التي تم إرجاؤها؛ وهو أن المحكمة تحددها، فإبرامهما العقد دون أن يتفقا على تلك المسائل يستتبع أنهما أرادا أن تحل المحكمة محلهما لتبت فيما اختلفا فيه.
أما الأساس الذي تبني عليه المحكمة تحديدها المسائل غير الجوهرية، فإنه يكون وفقًا لأحكام النظام وطبيعة المعاملة والعرف؛ ففي عقد الإيجار إذا لم يتضمن العقد تعيين مدة الإيجار كان للمحكمة أن تعينها وفقًا للمادة (٤١٣) من هذا النظام.
وتجدر الإشارة إلى أنه ي جب لإعمال حكم المادة اتفاق المتعاقدين على إرجاء المسائل غير الجوهرية للاتفاق عليها، فلا يدخل في حكمها ما إذا كانت المسألة لم تُثَر من المتعاقدين في العقد صراحةً أو ضمناً.
المادة الثالثة والأربعون
نظمت المادة أحكام الوعد بالتعاقد، وهو: اتفاق يسبق التعاقد النهائي، يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين أو كلاهما بإبرام عقد في المستقبل عند طلبه خلال مدة معينة؛ وله صورتان:
الصورة الأولى: الوعد الملزم لطرف واحد؛ كأن يلتزم شخص لآخر ببيعه سلعة معينة إذا أبدى رغبته في الشراء خلال مدة معينة.
الصورة الثانية: الوعد الملزم للجانبين؛ كأن يلتزم مالك سلعة ببيعها متى طلبها الآخر خلال مدة معينة، ويلتزم الآخر بشرائها متى رغب المالك ببيعها خلال مدة معينة.
وبه يتبين أن الوعد بالتعاقد ولو كان ملزمًا للجانبين ليس بالضرورة أن ينتهي إلى إبرام العقد، فقد لا يرغب الموعود له بإبرام العقد خلال المدة المعينة ومن ثم يتحلل الواعد من وعده بانقضائها.
وبينت الفقرة (١) أن الوعد بالتعاقد لا يكون ملزمًا نظامًا لمن صدر منه إلا إذا توفرت الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن تُعيّن المسائل الجوهرية في العقد المراد إبرامه، ويقصد بها أركان العقد التي لا يقوم إلا بها؛ ففي عقد البيع يجب تعيين المبيع والثمن، وفي الشركة تعيين نشاطها وحصص الشركاء، وهكذا.
الشرط الثاني: أن تُعيّن المدة التي يجب إبرام العقد خلالها، وهذا التعيين يكون بإحدى صورتين:
الصورة الأولى: التعيين الصريح، وهو الذي يقع صراحة في الوعد؛ كتعيين المدة بشهر، أو سنة، أو نحو ذلك.
الصورة الثانية: التعيين الضمني، وهو الذي يقع ضمناً بدلالة الحال؛ كما إذا كان العقد الموعود به لا يجدي تنفيذه بعد فوات مدة معينة، فتكون هي المدة التي يجب إبرام العقد خلالها.
وإذا اتفق الطرفان على أن تكون المدة هي المدة المعقولة، وتضمنت عناصر الاتفاق وظروفه ما يمكن أن تعين به المدة، فتعد قابلة للتعيين ويلزم بها الوعد.
الشرط الثالث: أن تتوفر شروط العقد المراد إبرامه عند إنشاء الوعد؛ فإذا كان الوعد ملزمًا للجانبين فإن الأهلية المطلوبة لإبرام العقد النهائي في كل من الطرفين تكون مطلوبة أيضًا عند إنشاء الوعد، وإذا كان الوعد ملزمًا لجانب واحد فتقدر الأهلية بالنسبة إلى الواعد عند إنشاء الوعد، أما أهلية الموعود له فتقدر وقت إبرام العقد النهائي، على أن تتوفر فيه أهلية التعاقد -أي التمييز- عند إنشاء الوعد؛ لأن الوعد يتضمن توافق إرادتين وغير المميز لا إرادة له.
ويشمل ذلك أي شروطٍ شكلية تشترطها النصوص النظامية لذلك العقد المراد إبرامه، فيجب توفرها عند إنشاء الوعد؛ مثل اشتراط التوثيق النظامي لانعقاد هبة العقار، وفقًا للمادة (٣٦٨) من هذا النظام، فإذا لم يستوف الوعد هذا الشكل أصبح غير ملزم.
والأثر الذي يترتب على الوعد المستوفي شروطه يكون على مرحلتين:
المرحلة الأولى: ما قبل مطالبة الموعود له بتنفيذ الوعد خلال المدة المعينة لإبرام العقد، ففي هذه المرحلة يكسب الموعود له حقًّا شخصيًّا في ذمة الواعد بتنفيذ الوعد إذا طالبه، وهو التزام بعمل، ولا يُكسب الوعدُ في هذه المرحلة حقًّا عينيًّا، ولو كان العقد النهائي من شأنه أن ينقل حقًّا عينيًّا؛ كما في البيع، فالشيء الموعود ببيعه يبقى في ملك الواعد، وله التصرف فيه إلى حين التعاقد النهائي، وإذا هلك لقوة قاهرة وهو في ملكه تحمل تبعته، ولكنه لا يكون مسؤولاً عن تعويض الموعود له.
المرحلة الثانية: ما بعد مطالبة الموعود له بتنفيذ الوعد خلال المدة المعينة لإبرام العقد، ففي هذه المرحلة يلزم الواعد إبرام العقد النهائي، ويعد العقد قد تم بمجرد مطالبة الموعود له بتنفيذ الوعد.
أما إذا انتهت المدة المعينة لإبرام العقد دون مطالبة الموعود له بتنفيذ الوعد، فيترتب عليه سقوط الوعد، وتحلُّل الواعد من التزامه.
وتناولت الفقرة (٢) حالة ما إذا اقتضى تنفيذ الوعد تدخلاً شخصيًّا من الواعد، فامتنع عن تنفيذه، وذلك بعد مطالبة الموعود له بالتنفيذ، وكانت شروط العقد متوفرة؛ فبينت أنه يجوز للموعود له استصدار حكم ضده، ويقوم الحكم في حال صدوره مقام العقد المراد إبرامه. مثل ما إذا كان العقد عقد بيع عقار، وامتنع الواعد عن استكمال إجراءات تسجيله، فإن الحكم في حال صدوره يقوم مقام عقد البيع تمهيدًا لتسجيله ونقل ملكيته إلى المشتري.
المادة الرابعة والأربعون
تناولت المادة بيان الحالة التي يبرم فيها عقد مع دفع العربون؛ والعربون هو: مبلغ من المال يكون عادةً من النقد يدفع عند إبرام العقد، يفيد أن لدافعه الحق في العدول عن العقد خلال مدة معينة، مقابل خسارته مبلغ العربون. وأكثر ما يكون العربون في عقد البيع أو الإيجار؛ فيدفع المشتري جزءًا من الثمن أو يدفع المستأجر جزءًا من الأجرة. والغرض من هذا النوع من التعاقد أنه يتيح لدافعه حق العدول عن العقد لأي دواعٍ تطرأ لديه، إلا أنه يجعل لهذا العدول مقابلاً.
ومقتضى دفع العربون وفقًا لما تضمنته الفقرة (١) أن يكون لدافعه وحده الحق في العدول عن العقد خلال مدة معينة، وإذا عدل فإنه يخسر مبلغ العربون، وليس له أن يسترده، وأما إذا لم يعدل واختار المضي في العقد فيصبح العقد باتًّا، ويعتبر العربون حينئذٍ تنفيذًا جزئيًّا يجب استكماله، أما الطرف الآخر الذي أخذ العربون فلا حق له في العدول عن العقد؛ بل العقد من جهته بات.
وبينت الفقرة أن حكمها يطبق في حال عدم وجود اتفاق على خلافه، سواء كان اتفاقًا صريحًا أو ضمنيًّا؛ فلو اتفق المتعاقدان على أن دفع العربون لتأكيد العقد وأنه بات وليس مقابل حق العدول وجبت مراعاة ذلك، فلا يجوز العدول عن العقد، ولكل من المتعاقدين مطالبة الآخر بتنفيذه، ويعد العربون تنفيذًا جزئيًّا له.
وبينت الفقرة (٢) حكم ما إذا اتفق المتعاقدان على العربون ولم يعينا مدة العدول عن العقد؛ فلا يترتب على ذلك بطلان العقد، فإذا اختلفا في تعيينها تولت المحكمة تعيين المدة بحسب العرف وظروف العقد.
وعدول دافع العربون عن العقد قد يكون صريحًا؛ كأن يبلغ المتعاقد الآخر صراحة به، وقد يكون ضمنيًّا؛ كما بينته الفقرة (٣) في الصورتين اللتين تُعدَّان عدولاً من دافع العربون عن العقد، وهما:
الصورة الأولى: سكوت دافع العربون حتى مضي مدة العدول عن العقد، دون أن يصرح باختياره إمضاء العقد أو العدول عنه، فيحمل ذلك على أنه اختار العدول.
الصورة الثانية: تضمُّن العقد التزامًا على دافع العربون خلال مدة العدول عن العقد، وعدم تنفيذه ما التزم به خلالها، فيعدُّ ذلك عدولاً من دافع العربون عن العقد ولو كان قد اختار إمضاء العقد، ولا يلزم آخذ العربون الإعذار، ولا تسري على المعاملة أحكام الإخلال بالالتزام.
وتجدر الإشارة إلى أنه إذا اتفق المتعاقدان على خلاف ما تضمنته هاتان الصورتان فتجب مراعاة ذلك الاتفاق؛ إذ إن الأحكام التي قررتها المادة ليست من النظام العام وفق ما بينته الفقرة (١) منها.
التفريق بين العربون والشرط الجزائي:
تظهر أهم الفروق بين العربون والشرط الجزائي فيما يأتي:
الفرق الأول: أن العربون هو مقابل الحق في العدول عن العقد وليس تعويضًا، أما الشرط الجزائي فهو تعويض يحدده المتعاقدان مقدمًا، وفقًا للمادة (١٧٨) من هذا النظام.
الفرق الثاني: أن العربون يخسره دافعه إذا عدل عن العقد ولو لم يترتب على العدول أي ضرر، أما الشرط الجزائي فلا يكون التعويض فيه مستحَقًّا إذا لم يلحق الدائن أي ضرر، وفقًا للمادة (١٧٩) من هذا النظام.
الفرق الثالث: أن للمحكمة إنقاص التعويض أو زيادته في الشرط الجزائي وفقًا للمادة (١٧٩) من هذا النظام، بخلاف العربون.
المادة الخامسة والأربعون
تناولت المادة مفهوم الاتفاق الإطاري وحكمه، فهو عقد يتفق المتعاقدان بمقتضاه على البنود الأساسية التي تخضع لها عقود ينوي المتعاقدان إبرامها لاحقًا، أي إنه من اتفاقات مرحلة ما قبل التعاقد النهائي، وتفرضه طبيعة بعض العقود ولا سيما التي تتطلب دورية الانعقاد والتنفيذ على حد سواء، لا دورية التنفيذ فقط كما هو الشأن في سائر العقود المستمرة الأخرى؛ ولذا قررت المادة أن ما اتفق عليه المتعاقدان في الاتفاق الإطاري يعدُّ جزءًا من العقود المبرمة بينهما.
والاتفاق الإطاري من حيث تضمنه التزامًا بالتعاقد على أي من المتعاقدين، له حالتان:
الحالة الأولى: ألا يتضمن الاتفاق الإطاري في بنوده التزامًا بالتعاقد على أي من المتعاقدين، وفي هذه الحالة يكون لهما حرية التعاقد بمقتضى الاتفاق الإطاري، وحرية تحديد البنود الأساسية التي تخضع لها العقود التي قد ينشئانها فيما بينهما على نحو لا يلزم معه تحديد كامل البنود.
الحالة الثانية: أن يتضمن الاتفاق الإطاري التزامًا بالتعاقد على أحد المتعاقدين أو كليهما، وفي هذه الحالة يكون الاتفاق الإطاري قد تضمن وعدًا بالتعاقد؛ فتراعى فيه أحكام وشروط الوعد بالتعاقد المبينة في المادة (٤٣) من هذا النظام.
المادة السادسة والأربعون
بينت المادة أنه إذا أحال المتعاقدان في العقد المبرم بينهما إلى أحكام وثائق أخرى أو قواعد محددة؛ فإنها تعدُّ جزءًا من العقد، سواء كانت الإحالة إلى جميع ما تضمنته الوثائق والقواعد أو إلى جزء منها. وهذه الإحالة لها صورتان:
الصورة الأولى: الإحالة الصريحة.
الصورة الثانية: الإحالة الضمنية.
وبينت المادة أن إحالة المتعاقدين في العقد المبرم بينهما تشمل الآتي:
أولاً: الإحالة إلى أحكام وثيقةٍ نموذجيَّةٍ، وهذه الوثيقة قد تكون عقدًا نمطيًّا أعدته جهة متخصصة، وقد تكون وثيقة أحكام نمطية غير عقدية.
ثانيًا: الإحالة إلى قواعد محددة، وهي في الغالب أُسسٌ معينة للتعامل تكون صادرة من جهة متخصصة.
ثالثًا: الإحالة إلى أي وثيقة أخرى، وهذه الوثيقة قد تكون وثيقة أحكام عامة لأحد طرفي العقد معلنة في موقعه الإلكتروني تتعلق بأحكام الاسترداد والاستبدال ونحو ذلك.
والأصل أن ينص المتعاقدان على جميع البنود والأحكام في العقد المبرم بينهما، إلا أنهما قد يلجآن إلى مثل هذه الإحالة لأسباب متعددة؛ منها:
السبب الأول: ثقة المتعاقدين بتلك الوثائق أو القواعد المحال إليها.
السبب الثاني: مساهمة تلك الوثائق أو القواعد في تسهيل التفاوض بين المتعاقدين للوصول إلى اتفاق فيما بينهم.
السبب الثالث: انتشار تلك الوثائق أو القواعد وسهولة معرفة مضامينها لدى المتعاقدين.
المادة السابعة والأربعون
قررت المادة أن الأصل في الشخص كمال أهلية التعاقد، فيكون ما يصدر عنه من تصرف صحيحًا ومنتجًا لآثاره، وذلك ما لم يكن عديم الأهلية أو ناقصها بمقتضى نص نظامي؛ وقد بينت المادة (١٣) والمادة (١٤) من هذا النظام الأشخاص عديمي الأهلية وناقصيها.
وبناء على الأصل الذي بينته المادة فإن عبء إثبات عدم الأهلية أو نقصها يقع على من يدعيه؛ فإذا تمكن من إثبات عدم أهليته أو نقصها عند إبرام العقد جاز له أن يطلب بطلان العقد الذي صدر منه أو إبطاله بحسب الأحوال، وليس للمتعاقد الآخر أن يحتج بجهله ذلك، لكن إذا لجأ ناقص الأهلية إلى طرق احتيالية لإخفاء نقص أهليته فمع جواز طلبه إبطال العقد إلا أن ذلك يؤدي إلى التزامه بالتعويض عن الضرر الذي أصاب المتعاقد معه بسبب إبطال العقد وفق المادة (٥٦) من هذا النظام.
المادة الثامنة والأربعون
بينت المادة أن صغير السن ولو كان مميزًا، وكل من لحقه عارض من عوارض الأهلية الأربعة، وهي الجنون والعته والسفه والغفلة فإنه يقع عليه الحجر، أي المنع من التصرف أو الحد منه، كما تناولت المادة كيفية الحجر على كلٍّ منهم، فالأشخاص المحجور عليهم على نوعين:
النوع الأول: المحجور عليهم بحكم النظام، دون توقف على حكم المحكمة، وقد بينتهم الفقرة (١)، وهم:
أولاً: الصغير، سواء كان فاقدًا للتمييز فهو عديم الأهلية وفقًا للمادة (١٣) من هذا النظام، أو كان مميزًا ولم يبلغ سن الرشد فهو ناقص الأهلية وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام.
ثانيًا: المجنون، وهو عديم الأهلية وفقًا للمادة (١٣) من هذا النظام.
ثالثًا: المعتوه، وهو ناقص العقل الذي لم يبلغ حد الجنون، ويعدُّ ناقص الأهلية وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام.
فمتى ثبت كون الشخص صغيرًا أو مجنونًا أو معتوهًا وقت صدور التصرف منه؛ فتسري على تصرف كلٍّ منهم الأحكام المبينة في المادة (٤٩) والمادة (٥٠) والمادة (٥٢) من هذا النظام.
النوع الثاني: المحجور عليهما بحكم المحكمة، وقد بينتهما الفقرة (٢)، وهما:
أولاً: السفيه، وهو ناقص الأهلية وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام.
ثانيًا: ذو الغفلة، وهو ناقص الأهلية وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام.
فالحجر على السفيه وذي الغفلة ورفع الحجر عنهما، منوط بحكم المحكمة، أي إن حكم المحكمة منشئ لا كاشف، أما تصرفاتهما فتسري عليها الأحكام المبينة في المادة (٥٣) من هذا النظام.
وبينت الفقرة أنه يجوز للمحكمة إذا رأت مصلحة في إعلان حكم الحجر على السفيه وذي الغفلة أو رفع الحجر عنهما أن تعلن الحكم، ولا يعد إعلان الحكم تشهيرًا؛ فقد لا يتوقف المحجور عليه عن التعامل مع الآخرين، ويخفي كونه محجورًا عليه متكئًا على ما يرتب له الحجر من حق إبطال العقد، مع أن هذا الحق لا يمنع من التزامه بالتعويض عن الضرر الذي يصيب المتعاقد معه بسبب إبطال العقد إذا لجأ إلى طرق احتيالية لإخفاء الحجر وفقًا للمادة (٥٦) من هذا النظام.
المادة التاسعة والأربعون
تناولت المادة حكم تصرفات الصغير غير المميز، وهو من لم يتم السابعة من عمره وفقًا للمادة (١٣) من هذا النظام، ويقصد بها التصرفات التي يباشرها بنفسه، أما التي يباشرها الولي أو الوصي لمصلحته فتعد صحيحةً في الحدود التي تقررها النصوص النظامية وفقًا للمادة (٥٥) من هذا النظام.
وقررت المادة أن جميع تصرفات الصغير غير المميز تكون باطلة بطلانًا مطلقًا، سواء كانت نافعة نفعًا محضًا؛ كقبوله الهبة، أو ضارة ضررًا محضًا؛ كهبته شيئًا من ماله، أو دائرة بين النفع والضرر؛ كالبيع والإيجار، فهو فاقد التمييز، وفاقد التمييز إرادته غير معتبرة؛ وعلى هذا فتطبق على تصرفه أحكام البطلان المبينة في المادة (٨١) من هذا النظام.
المادة الخمسون
تناولت المادة حكم تصرفات الصغير المميز، وهو الذي بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام، ولم يكن مأذونًا له بالتصرف وفقًا للمادة (٥١) من هذا النظام، ويقصد بها التصرفات التي يباشرها بنفسه، أما التي يباشرها الولي أو الوصي لمصلحته فتعدُّ صحيحةً في الحدود التي تقررها النصوص النظامية وفقًا للمادة (٥٥) من هذا النظام.
وبينت المادة أن تصرفات الصغير المميز لا تخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون التصرف نافعًا له نفعًا محضًا، وهو التصرف الذي يغتني به دون أن يلتزم بمقابلٍ له؛ كقبوله الهبة، فهذا التصرف صحيح. ولا يكفي لتحقق النفع المحض أن يكون التصرف عقد تبرع بطبيعته من حيث الأصل؛ فلو كان قبوله الهبة مشروطاً بالتزام عليه فلا يعدُّ نفعًا محضًا ولو لم يجر على العقد حكم المعاوضة، كما أن قبوله الاقتراض لا يعد نفعًا محضًا مع أن القرض من عقود التبرع؛ وذلك لأنه يرتب التزامًا عليه برده.
الحالة الثانية: أن يكون التصرف ضارًّا به ضررًا محضًا، وهو التصرف الذي يفتقر به دون أن يأخذ مقابلاً له؛ كأن يهب شيئًا من ماله، فهذا التصرف باطل بطلانًا مطلقًا، وتطبق عليه أحكام البطلان المبينة في المادة (٨١) من هذا النظام. ولا يخرج التصرف عن كونه ضارًّا ضررًا محضًا أن يكون في أصله عقد معاوضة؛ فالصلح وإن كان من عقود المعاوضة إلا أنه إذا تضمن إسقاط شيء من الحقوق دون مقابل فلا يصح من الصغير وفقًا للمادة (٣٩٢) من هذا النظام.
الحالة الثالثة: أن يكون التصرف دائرًا بين النفع والضرر، وهو التصرف الذي يلتزم بموجبه ويأخذ مقابلاً لما التزم به؛ كالبيع والإيجار والشركة، فهذا التصرف صحيح، ولكنه يكون قابلاً للإبطال لمصلحة الصغير، فللولي أو الوصي أو الصغير بعد بلوغه سن الرشد طلب إبطال التصرف، ويسقط الحق في طلب الإبطال بالإجازة الصريحة أو الضمنية إذا صدرت ممن يملك هذا الحق، وفقًا للمادة (٧٨) من هذا النظام.
وتصرف الصغير المميز يكون قابلاً للإبطال بمجرد كونه دائرًا بين النفع والضرر، بصرف النظر عن خلوه من الغبن، بل ولو تضمن محاباة له، فالعبرة في ذلك إنما تكون بطبيعة التصرف في ذاته لا بنتيجته الاقتصادية؛ فلو باشر الصغير المميز عقد بيع أو إيجار أو شركة، ولم يكن في ذلك أي غبن، أو تضمن العقد محاباة له، فإنه يكون قابلاً للإبطال؛ إذ إن ذلك لا يخرج التصرف عن كونه دائرًا بين النفع والضرر ما دام الصغير قد التزم بمقابل.
المادة الحادية والخمسون
تناولت المادة أحكام الإذن للصغير المميز في التصرفات المالية، وهي استثناء من أحكام المادة (٥٠) من هذا النظام.
فاشترطت الفقرة (١) ثلاثة شروط لصحة الإذن للصغير المميز في التصرفات المالية:
الشرط الأول: أن يتم خمس عشرة سنةً من عمره؛ فالصغير ببلوغه هذه السن يكون مظنة القدرة على إدراك ما يترتب على تصرفه من أثر نظامي في حدود ما أُذِن له فيه. وتحديد هذه السن لا يعني أن الإذن واجب فيها على من له ذلك، سواء كان الولي أو الوصي أو المحكمة عند امتناعهما؛ بل الأمر يخضع لتقدير ما يكون ملائمًا لقدرة الصغير ومحققًا لمصلحته، سواء بالإذن في هذه السن أو بعدها أو عدم الإذن مطلقًا.
وتحديد الإذن في التصرفات المالية بهذه السن لا يخل بما يفرضه أي نظام آخر في تحديد سن معينة لنوع من النشاط؛ فتطبيق نصوص هذا النظام لا يخل بالنصوص النظامية الخاصة وفقًا للمادة (١) من هذا النظام.
الشرط الثاني: أن يصدر الإذن من الولي أو الوصي، ويجوز أن يكون الإذن:
أولاً: إذنًا مطلقًا في جميع التصرفات، ومطلقًا من حيث الزمان والمكان.
ثانيًا: إذنًا مقيدًا بنوع من التصرفات؛ كأن يقيده في أعمال الإدارة المرتبطة بالمال المسلم له، أو مقيدًا من حيث الزمان أو المكان.
والمفترض أن يراعي الآذن في التصرفات التي يأذن فيها ما يلائم قدرة الصغير، وهي التي يكون الغرض منها عادة تدريبه وتنمية مهاراته، وله أن يُعدِّل في الإذن أو يلغيه؛ لأن الإذن بمقتضى الولاية أو الوصاية وليس عقدًا ملزمًا لمن صدر منه، ومن ملك الإذن ملك التعديل فيه وإلغاءه.
والإذن لا يبطل بموت الآذن أو عزله، وينتقل الحق في الإذن للولي أو الوصي الخلف؛ فله أن يبقي الإذن أو يُعدِّل فيه أو يلغيه.
وإذا امتنع الولي أو الوصي عن الإذن للصغير فللمحكمة أن تأذن له إذنًا مطلقًا أو مقيدًا، ولها بعد الإذن أن تُعدِّل فيه أو تلغيه.
الشرط الثالث: أن يكون الإذن في مقدار محدد من مال الصغير، والمقصود أن يكون تصرف الصغير في حدود المال الذي سلمه له وليه أو وصيه وأذن له بالتصرف فيه، فليس للصغير أن يتصرف فيما زاد على ذلك من ماله، وليس للولي أو الوصي أن يأذن له بالتصرف دون أن يحدد مقدار المال الذي يتصرف فيه؛ وقد يكون التحديد بتعيين مبلغ من المال، أو بتعيين عقارٍ أو أكثر يتولى أعمال الإدارة فيه، أو نحو ذلك.
والأحكام التي تناولتها الفقرة مقيدة بما تضمنته المادة (٥٤) والمادة (٥٥) من هذا النظام؛ فإذن الولي أو الوصي للصغير المميز تسري عليه النصوص النظامية الخاصة بالولاية والوصاية، ويجب أن يكون في الحدود التي تقررها تلك النصوص النظامية.
وبينت الفقرة (٢) أن تصرفات الصغير المميز المأذون له وفقًا لما تضمنته الفقرة (١) يكون لها حكم تصرف من بلغ سن الرشد، أي كامل الأهلية، وذلك في حدود التصرفات التي أُذِن له فيها، فلا تسري على تصرفاته تلك أحكام المادة (٥٠) من هذا النظام، عدا ما استثناه النظام في عقود معينة.
المادة الثانية والخمسون
تناولت المادة حكم تصرفات المعتوه والمجنون، ويقصد بها التصرفات التي يباشرانها بأنفسهما، أما التي يباشرها الولي أو الوصي لمصلحتهما فتعد صحيحةً في الحدود التي تقررها النصوص النظامية وفقًا للمادة (٥٥) من هذا النظام.
وبينت الفقرة (١) أن تصرفات المعتوه، وهو ناقص العقل الذي لم يبلغ حد الجنون وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام، في حكم تصرفات الصغير المميز المنصوص عليه في المادة (٥٠) من هذا النظام؛ وعلى هذا فتصرفات المعتوه لا تخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون التصرف نافعًا له نفعًا محضًا، وهو التصرف الذي يغتني به دون أن يلتزم بمقابلٍ له؛ كقبوله الهبة، فهذا التصرف صحيح.
الحالة الثانية: أن يكون التصرف ضارًّا به ضررًا محضًا، وهو التصرف الذي يفتقر به دون أن يأخذ مقابلاً له؛ كأن يهب شيئًا من ماله، فهذا التصرف باطل بطلانًا مطلقًا، وتطبق عليه أحكام البطلان المبينة في المادة (٨١) من هذا النظام.
الحالة الثالثة: أن يكون التصرف دائرًا بين النفع والضرر، وهو التصرف الذي يلتزم بموجبه ويأخذ مقابلاً لما التزم به؛ كالبيع والإيجار والشركة، فهذا التصرف صحيح، ولكنه يكون قابلاً للإبطال لمصلحة المعتوه، فللولي أو الوصي أو المعتوه بعد زوال العته طلب إبطال التصرف، ويسقط الحق في طلب الإبطال بالإجازة الصريحة أو الضمنية إذا صدرت ممن يملك هذا الحق، وفقًا للمادة (٧٨) من هذا النظام.
وبينت الفقرة (٢) أن تصرفات المجنون في حكم تصرفات الصغير غير المميز المنصوص عليه في المادة (٤٩) من هذا النظام؛ وعلى هذا فجميع تصرفات المجنون باطلة بطلانًا مطلقًا؛ فهو فاقدٌ للتمييز وفقًا للمادة (١٣) من هذا النظام، وفاقد التمييز إرادته غير معتبرة.
المادة الثالثة والخمسون
تناولت المادة أحكام تصرفات السفيه وذي الغفلة، وهما اللذان يكون الحجر عليهما ورفعه عنهما بحكم المحكمة وفقًا للمادة (٤٨) من هذا النظام.
وبينت المادة أن تصرفات السفيه وذي الغفلة بعد صدور الحكم بالحجر عليهما في حكم تصرفات الصغير المميز المنصوص عليه في المادة (٥٠) من هذا النظام؛ وعلى هذا فتصرفات السفيه أو ذي الغفلة لا تخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون التصرف نافعًا له نفعًا محضًا، وهو التصرف الذي يغتني به دون أن يلتزم بمقابلٍ له؛ كقبوله الهبة، فهذا التصرف صحيح.
الحالة الثانية: أن يكون التصرف ضارًّا به ضررًا محضًا، وهو التصرف الذي يفتقر به دون أن يأخذ مقابلاً له؛ كأن يهب شيئًا من ماله، فهذا التصرف باطل بطلانًا مطلقًا، وتطبق عليه أحكام البطلان المبينة في المادة (٨١) من هذا النظام.
الحالة الثالثة: أن يكون التصرف دائرًا بين النفع والضرر، وهو التصرف الذي يلتزم بموجبه ويأخذ مقابلاً لما التزم به؛ كالبيع والإيجار والشركة، فهذا التصرف صحيح، ولكنه يكون قابلاً للإبطال لمصلحة السفيه وذي الغفلة، فللولي أو الوصي أو السفيه وذي الغفلة بعد رفع الحجر عنهما طلب إبطال التصرف، ويسقط الحق في طلب الإبطال بالإجازة الصريحة أو الضمنية إذا صدرت ممن يملك هذا الحق، وفقًا للمادة (٧٨) من هذا النظام.
وفيما يتعلق بتصرفات السفيه وذي الغفلة قبل صدور حكم الحجر عليهما فهي صحيحة، ولا تقبل فيها دعوى الإبطال أو البطلان، ولو كان السفه أو الغفلة شائعين ومعلومين للطرف الآخر، وتستثنى من ذلك حالتان:
الحالة الأولى: الاستغلال؛ وهو أن ينتهز الغير حالة السفيه أو ذي الغفلة فيحمله على تصرفات يحصل منها على فوائد أو مزايا تجاوز الحد المعقول، ولا يكفي لتحقق الاستغلال مجرد علم المتصرف إليه بقيام حالة السفه أو الغفلة، ولا مجرد توفر قصد الاستغلال لديه، بل يجب حصوله فعلاً على فوائد أو مزايا تجاوز الحد المعقول.
الحالة الثانية: التواطؤ؛ وذلك بأن يتوقع السفيه أو ذو الغفلة الحجر عليه فيبادر إلى التصرف في أمواله قبل صدور حكم الحجر عليه إلى من يتواطأ معه على ذلك، بقصد التخلُّص من آثار الحجر المتوقع.
فمتى ثبت أن تصرفات السفيه أو ذي الغفلة قبل الحجر عليه كانت نتيجة أيٍّ من هاتين الحالتين -ولا يشترط اجتماعهما- فإن تصرفاته تلك يسري عليها ما يسري على تصرفاته بعد الحجر من أحكام.
المادة الرابعة والخمسون
بينت المادة أن المسائل المتعلقة بالولاية والوصاية تسري عليها الأحكام المنصوص عليها في الأنظمة الخاصة بها.
ومن المسائل المتعلقة بالولاية والوصاية ما يخضع له عديمو الأهلية وناقصوها من أحكام الولاية أو الوصاية بحسب الأحوال وفقًا للمادة (١٥) من هذا النظام، وهي التي تسري عليها الأنظمة الخاصة بها؛ مثل نظام الأحوال الشخصية.
ومن تلك المسائل: الولاية والوصاية على أموال الذين لا ولي ولا وصي لهم، والإشراف على تصرفات الأولياء والأوصياء، المنصوص عليها في المادة (٢) من نظام الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين ومن في حكمهم.
المادة الخامسة والخمسون
قررت المادة أن تصرفات الولي والوصي بمقتضى نيابته النظامية تعد صحيحة ومنتجة لآثارها ما دامت تلك التصرفات قد صدرت أثناء قيام صفته النيابية، وفي الحدود التي تقررها الأنظمة ذات الصلة؛ مثل نظام الأحوال الشخصية، ونظام الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين ومن في حكمهم.
أما التصرفات التي تصدر عن الولي والوصي خارج الحدود المقررة نظامًا، فإن هذه التصرفات لا تكون نافذة في حق الأصيل إلا إذا أجازها، فإن فعل استندت الإجازة بأثر رجعي؛ وإلا فالأصل أنه ليس للنائب أن يتجاوز حدود نيابته وفقًا للمادة (٨٨) من هذا النظام. ومن تطبيقات هذه المسألة ما تضمنته المادة (٩٣) والمادة (٣٥٦) والمادة (٣٥٧) من هذا النظام في منع النائب من أن يتعاقد أو يشتري لنفسه بمقتضى نيابته بلا إذن، وأن للأصيل أن يجيز التعاقد.
المادة السادسة والخمسون
بينت المادة أن ناقص الأهلية، وهو الصغير المميز أو المعتوه أو المحجور عليه لسفهٍ أو لكونه ذا غفلة وفقًا للمادة (١٤) من هذا النظام، إذا لجأ إلى طرق احتيالية لإخفاء نقص أهليته وإيهام المتعاقد معه أنه كامل الأهلية، فإن ذلك لا يمنع من حق وليه أو وصيه أو ناقص الأهلية بعد اكتمال أهليته في طلب إبطال العقد ما دام أنه دائرٌ بين النفع والضرر؛ وفقًا للمادة (٥٠) والمادة (٥٢) والمادة (٥٣) من هذا النظام، ومع ذلك فإن ناقص الأهلية يبقى مسؤولاً مسؤوليةً تقصيريةً عن تعويض الضرر الذي لحق الطرف الآخر بسبب إبطال العقد؛ فالمسؤولية التقصيرية تترتب على الفع ل الضار ولا يشترط لها كمال الأهلية وفقًا للمادة (١٢٢) من هذا النظام.
ولجوء ناقص الأهلية إلى طرق احتيالية يستدعي أن يصدر منه عمل احتيالي لإخفاء نقص أهليته؛ كأن يزور شهادة ميلاد، أو نحو ذلك؛ فلا يكفي لاعتبار تصرف ناقص الأهلية لجوءًا إلى طرق احتيالية أن يخفي نقص أهليته عن الطرف الآخر، أو أن يقتصر على التأكيد له أنه كاملها.
المادة السابعة والخمسون
تناولت المادة العيب الأول من عيوب الرضى، وهو الغلط، وعيوب الرضى هي عيوب تلحق إرادة المتعاقد، أي إن الإرادة موجودة ولكنها معيبة، وهي بهذا تختلف عن الحالات التي يكون فيها الرضى معدومًا؛ كما في تعاقد الصغير غير المميز والمجنون.
والغلط منه ما يعدم الرضى، وهو ما يقع في ماهية العقد أو ذات المحل أو السبب، فهذا الغلط يبطل به العقد، أما الغلط الذي يعيب الرضى فهو: وهمٌ يقوم في ذهن المتعاقد فيصور له الأمر على غير حقيقته، ويدفعه للتعاقد، فلولاه لم يرض بالعقد. والمقصود به الغلط الذي يقع عند تكوُّن الإرادة لدى من صدرت منه، لا الغلط في نقل الإرادة من قبل رسول على غير وجهها، أو في تفسيرها بأن يفهمها من وجهت إليه على غير وجهها؛ لتعلق ذلك بمن وجهت إليه الإرادة لا من صدرت منه.
وبينت المادة أنه يجوز للمتعاقد طلب إبطال العقد متى وقع في الغلط، والغلط الذي يعيب الرضى يشترط له شرطان:
الشرط الأول: أن يكون جوهريًّا، وهذا ما بينته هذه المادة.
الشرط الثاني: أن يتصل المتعاقد الآخر به، وهذا ما بينته المادة (٥٨) من هذا النظام.
فبينت هذه المادة أن الغلط الذي يجيز للمتعاقد طلب إبطال العقد هو الغلط الجوهري، ووضعت معيارًا ذاتيًّا لذلك وهو أن يبلغ حدًّا لولاه لم يرض المتعاقد بالعقد، فبصرف النظر عما وقع فيه الغلط فإنه يكون معتبرًا إذا كان هو الدافع للتعاقد، أي إن العبرة بالأوصاف المعتبرة في نظر المتعاقدين تبعًا لما انطوت عليه نيتهما، ولما لابس العقد من ظروف؛ فمن اشترى قطعة من تاجر آثار على أنها أثرية وتبين أنها ليست كذلك، فمن حق المشتري أن يستند إلى واقعة أنه اشتراها من تاجر آثار قرينة على أنه ظنها أثرية، وأن هذا هو الذي دفعه للتعاقد.
وعلى هذا فمتى كان الغلط جوهريًّا فيستوي بعد ذلك الأمر الذي وقع فيه الغلط؛ فقد يقع في مادة الشيء محل العقد أو صفة فيه، أو في شخص المتعاقد الآخر أو صفة فيه، أو في القيمة، أو في الباعث على التعاقد؛ وقد نصت المادة على صورٍ معينة مما يقع فيه الغلط ويعتد به متى كان جوهريًّا، وهذه الصور هي:
الصورة الأولى: الغلط في صفة المحل، إذا كانت الصفة هي الدافع للتعاقد؛ كأن يشتري شخص قماشًا على أنه قابل لأن يغسل ثم يتبين أنه غير قابل لذلك، أو يشتري أرضًا على أنها تحد من أحد النواحي بشارع ثم يتبين أن الأرض محصورة من جميع الجهات.
الصورة الثانية: الغلط في شخص المتعاقد معه أو صفته، إذا كان شخصه أو صفته هو الدافع للتعاقد؛ كالغلط في شخص الموهوب له أو الوكيل أو العامل أو الشريك، أو الغلط في صفة جوهرية فيه؛ كأن يتعاقد مع شخص يظنه مهندسًا ويتبين أنه ليس كذلك.
الصورة الثالثة: الغلط في الحكم النظامي، سواء تعلق بصفة المحل أو شخص المتعاقد أو صفته أو القيمة أو الباعث على التعاقد؛ كما لو باع زوج نصيبه من التركة بثمن محدد ظناً منه أنه يرث الربع ثم تبين أنه يرث النصف، أو اشترى شخص أرضًا بمساحة محددة ليقيم عليها مدرسة ثم تبين أن النظام يشترط مساحة أكبر.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الصورة لا تتعارض مع القاعدة الكلية الواردة في المادة (٧٢٠) من هذا النظام: «الجهل بالحكم ليس عذرًا»؛ لأن العذر بجهل النظام يراد به استبعاد تطبيق هذا النظام، بينما الغلط في النظام يراد به التمسك بتطبيق هذا النظام.
المادة الثامنة والخمسون
تناولت المادة الشرط الثاني من شروط الغلط الذي يعيب الرضى، وهو أن يتصل المتعاقد الآخر بالغلط؛ وذلك يكون بأحد أمرين:
الأمر الأول: أن يكون الغلط مشتركًا من المتعاقدين جميعًا؛ مثل أن يشتري شخص ساعة مطلية بالذهب معتقدًا أنها من الذهب الخالص، ويشاركه البائع هذا الاعتقاد الخاطئ.
الأمر الثاني: أن يكون الغلط فرديًّا ويعلم بوقوعه المتعاقد الآخر أو يكون من السهل عليه أن يتبينه، ولا يقصد بعلم الطرف الآخر بالغلط تبينه واقعة الغلط فحسب، بل وقوفه على أن هذا الغلط الجوهري كان هو الدافع للتعاقد؛ مثل أن يشتري شخص ساعة مطلية بالذهب معتقدًا أنها من الذهب الخالص، فيكفي أن يكون البائع عالمًا بوقوع المشتري في الغلط بأن يكون مدركًا أن المشتري قد اعتقد أن الساعة من الذهب وأن هذا الاعتقاد هو الذي دفعه إلى الشراء.
وتجدر الإشارة إلى أن من يدعي وجود الغلط هو الذي يقع عليه عبء إثبات وقوعه فيه، وإثبات أن الغلط مشترك أو أن المتعاقد الآخر قد علم بوقوعه فيه أو كان من السهل عليه أن يتبينه.
المادة التاسعة والخمسون
تناولت المادة الغلط المادي، وهو الذي لا يؤثر في إرادة المتعاقد، فهو يقع تاليًا لتكوينها، ولم يكن هو الدافع للتعاقد؛ فلا يكون له أثر في صحة العقد.
وبينت المادة أن الغلط المادي قد يكون في الآتي:
أولاً: الغلط في الحساب.
ثانيًا: الغلط في الكتابة؛ كالغلط في اسم المتعاقد معه، أو نحو ذلك.
ويجب تصحيح الغلط المادي وفق ما اتفقت عليه إرادة المتعاقدين، وإثبات ذلك وفق ما تقضي به قواعد الإثبات.
المادة الستون
بينت المادة مبدأ عامًّا في مشروعية التمسك بالغلط، وهو أنه متى تعارض التمسك بالغلط مع ما يقضي به حسن النية فإنه يكون غير جائز، والمقصود بحسن النية هنا ما تقتضيه نزاهة التعامل؛ فلو اشترى شخص أرضًا يظن أن لها منفذًا إلى الطريق العام وتبين أنها ليست كذلك، فأظهر البائع استعداده لتحمل نفقات حصوله على حق المرور إلى الطريق العام، فليس للمشتري التمسك بإبطال العقد بعد زوال أثر الغلط الذي وقع فيه.
وذكرت المادة تطبيقًا لهذا المبدأ؛ وهو فيما إذا استعد المتعاقد الآخر لتنفيذ العقد على الوجه الذي انصرفت إليه إرادة المتعاقد الذي وقع في الغلط، فيكون هذا المتعاقد ملزمًا بالعقد؛ فلو اشترى شخص ساعة يظنها من الفضة وتبين أنها مطلية بالفضة فأظهر البائع استعداده لتسليمه ساعة من الفضة، فإن المشتري يكون ملزمًا بالعقد الذي قصد إبرامه، وليس له طلب إبطال العقد.
المادة الحادية والستون
تناولت المادة العيب الثاني من عيوب الرضى، وهو التغرير، ويعبر عنه أيضًا بالتدليس.
وبينت الفقرة (١) مفهوم التغرير؛ وهو أن يخدع أحد المتعاقدين الآخر بطرق احتيالية تحمله على إبرام عقد لم يكن ليبرمه لولا تلك الطرق الاحتيالية التي سلكها ذلك المتعاقد؛ بقصد التضليل.
ويتبين من هذا أن التغرير يتركب من عنصرين:
العنصر الأول: استعمال طرق احتيالية، وهو العنصر الموضوعي؛ وهذه الطرق الاحتيالية تتضمن جانبين:
الجانب الأول: جانب مادي، وهو الطرق المادية التي يسلكها أحد المتعاقدين للتأثير في إرادة المتعاقد الآخر، وهذه الطرق قد تقتصر على مجرد الكذب، وقد تصحب الكذب أعمال مادية أخرى، بحيث تخفي الحقيقة عن المتعاقد؛ كتزوير المحرَّرات. ولا يكفي مجرد المبالغة في الوصف لاعتباره تغريرًا؛ ما دام أنه لم يخرج عن المألوف في التعامل.
الجانب الثاني: جانب معنوي، وهو قصد التضليل، فإذا لم يوجد قصد التضليل فلا يعدُّ تغريرًا؛ كالتاجر يعرض بضاعته في المتجر بأضواء عالية تستهوي العملاء، أو يصورها في موقعه الإلكتروني بطريقة جاذبة.
العنصر الثاني: كون التغرير هو الدافع للتعاقد، وهو العنصر الذاتي (النفسي)؛ فلا يكون التغرير معتبرًا إلا إذا كانت الطرق الاحتيالية التي سلكها المغرر كافيةً لتضليل المغرر به وحمله على إبرام العقد الذي لم يكن ليبرمه لولاها.
وبينت الفقرة (٢) أن الطرق الاحتيالية للتغرير قد تكون بعملٍ سلبيٍّ محضٍ، وهو التغرير بالكتمان؛ بأن يتعمد المغرر السكوت لإخفاء أمر لم يكن المغرر به ليبرم العقد لو علم به، فالتغرير السلبي عنصره الموضوعي هو الكتمان، أي تعمد السكوت بقصد التضليل.
والكتمان بحد ذاته لا يعدُّ تغريرًا إلا إذا كان من الواجب على المتعاقد البيان؛ إما لنص خاص في النظام، وإما لاتفاق المتعاقدين، وإما لما يستخلص من ظروف التعاقد بأن أمرًا ذا أهمية في العقد يستأثر بعلمه أحد المتعاقدين ويدرك جهل المتعاقد الآخر به وتأثيره في رضاه بالعقد، فيعد الكتمان في هذه الحالة تغريرًا؛ ومن أمثلة ذلك: نص المادة (٣١٦) من هذا النظام على أنه: «إذا حدد الثمن بناءً على رأس مال البائع في المبيع مرابحة أو وضيعة أو تولية، وجب عليه أن يبين كل ما له تأثير في رأس ماله، وللمشتري طلب إبطال العقد إذا كتم البائع أمرًا ذا تأثير في رأس المال».
وعلى هذا فإن الكتمان لا يعدُّ تغريرًا إلا إذا توفرت في الأمر المكتوم الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون جوهريًّا يؤثر في رضى المغرر به ويحمله على إبرام العقد.
الشرط الثاني: أن يعلمه المغرر، ويعلم أنه جوهري بالنسبة إلى المغرر به.
الشرط الثالث: أن يتعمد المغرر كتمانه عن المغرر به.
الشرط الرابع: ألا يعلمه المغرر به أو يكون من السهل عليه أن يعلمه من غير المغرر.
المادة الثانية والستون
بينت المادة أنه يجوز للمتعاقد المغرر به طلب إبطال العقد متى كان التغرير في أمر جوهري بالنسبة إليه؛ بحيث يكون هو الدافع للتعاقد، ولولاه لما أبرم العقد.
وهذا هو العنصر الذاتي (النفسي) للتغرير، وهو يتعلق بشخص المتعاقد المغرر به، ويختلف بحسب حال كل متعاقد من حيث سنّه وفهمه وخبرته، وما يعدُّ جوهريًّا بالنسبة إليه وما ليس كذلك.
المادة الثالثة والستون
تناولت المادة حكم التغرير إذا صدر من غير المتعاقدين؛ مثل أن تنعقد الكفالة بين الكفيل والدائن ويصدر التغرير من المدين.
فبينت أن لذلك حالتين:
الحالة الأولى: إذا لم يثبت المتعاقد المغرر به أن المتعاقد الآخر كان يعلم بالتغرير الذي صدر من الغير أو كان من المفترض أن يعلم به، ففي هذه الحالة ليس للمتعاقد المغرر به طلب إبطال العقد للتغرير، وله أن يتخذ إحدى طريقتين:
الطريقة الأولى: أن يطلب إبطال العقد للغلط الذي وقع فيه بسبب التغرير، إذا توفرت شروط الغلط الذي يعيب الرضى، وأثبت أن المتعاقد الآخر قد وقع معه في الغلط نفسه أو علم بوقوعه فيه أو كان من السهل عليه أن يتبينه؛ وفقًا للمادة (٥٧) والمادة (٥٨) من هذا النظام.
الطريقة الثانية: أن يرجع على من صدر منه التغرير بالتعويض عن الضرر الذي لحقه بسبب تغريره.
الحالة الثانية: إذا أثبت المتعاقد المغرر به أن المتعاقد الآخر كان يعلم بالتغرير الذي صدر من الغير أو كان من المفترض أن يعلم به، ففي هذه الحالة يكون للمتعاقد المغرر به طلب إبطال العقد؛ كما لو كان التغرير قد صدر من المتعاقد الآخر بنفسه.
أثر التفريق بين الغلط المصحوب بالتغرير والغلط غير المصحوب به:
يتبين من نظرية الغلط والتغرير أن دائرة الغلط أوسع من دائرة التغرير؛ فكل عقد قابل للإبطال بالتغرير في أمر يكون هو الدافع للتعاقد فإنه يكون قابلاً للإبطال بالغلط كذلك، ولا عكس؛ على أن هناك فرقًا بين أن يكون الغلط الذي وقع فيه المتعاقد مصحوبًا بالتغرير، وبين أن يكون الغلط غير مصحوب بالتغرير؛ ويظهر أثر هذا الفرق في أمرين:
الأمر الأول: أن الغلط المصحوب بالتغرير أسهل في الإثبات؛ لأن الطرق الاحتيالية طرقٌ ماديةٌ يسهل إثباتها، بخلاف ما إذا تجرد الغلط من التغرير فإنه يكون أمرًا نفسيًّا يصعب إثباته.
الأمر الثاني: إذا كان الغلط مصحوبًا بالتغرير؛ لزم المغرر التعويض عن الضرر الذي نشأ بسبب التغرير فضلاً عن إبطال العقد، بخلاف ما إذا لم يكن الغلط مصحوبًا بالتغرير؛ فإنه لا يلزم التعويض إلا في حال وجود خطأ من المتعاقد الذي علم بوقوع الغلط أو كان من السهل عليه أن يتبينه.
المادة الرابعة والستون
تناولت المادة العيب الثالث من عيوب الرضى، وهو الإكراه، فبينت أن الإكراه هو: تهديد شخصٍ لآخر دون حقٍّ، بوسيلةٍ ماديَّةٍ كانت أو معنويَّةٍ؛ لتخويفه وحمله على تصرفٍ معيَّن. والإكراه بهذا المفهوم يعيب الرضى ولا يعدمه؛ فالمكرَه يمارس إرادته بطريق اختيار أهون الضررين، ويختلف بذلك عن الإكراه الذي يسلب الإرادة، بأن ينتزع الرضى عنوة لا تهديدًا؛ كما لو أمسك المكرِه بيد المكرَه ووضع بصمته بالقوة على وثيقة العقد، ففي هذه الحالة يكون الرضى معدومًا، والعقد باطلاً بطلانًا مطلقًا.
ويتبين من هذا أن الإكراه يتركب من عنصرين:
العنصر الأول: استعمال وسائل للإكراه تهدد المكرَه بخطر جسيم محدق وفقًا للمادة (٦٥) من هذا النظام، وهو العنصر الموضوعي؛ وهذه الوسائل نوعان:
النوع الأول: الوسائل المادية، أي بالإكراه الحسي؛ كالضرب والإيذاء البدني بأشكاله المختلفة.
النوع الثاني: الوسائل المعنوية، أي بالإكراه النفسي، ويقصد به التهديدُ بإلحاق الأذى دون إيقاعه بالفعل أو إحداثُ ألمٍ نفسي، وهذا هو الأكثر؛ بحيث يبعث في النفس خوفًا من وقوع خطر جسيم محدق.
واشترطت المادة في الإكراه الذي يجيز للمُكرَه طلب إبطال العقد أن يكون دون حق؛ أي إكراهًا غير مشروع، أما إذا كان الإكراه بحق فلا يجيز طلب إبطال العقد؛ كأن يهدد الدائن مدينه بالتنفيذ عليه إذا لم يرهن عيناً لديه، فلا يكون عقد الرهن قابلاً للإبطال، ما دام الدائن يستعمل وسيلة نظامية للوصول إلى غرض مشروع، على أنه إذا استعمل الوسيلة النظامية للوصول إلى غرض غير مشروع؛ كأن يهدده بالتنفيذ عليه ليعطيه أكثر من حقه، فهو إكراه غير مشروع، ويكون العقد قابلاً للإبطال.
العنصر الثاني: الخوف الذي يولده الإكراه فيحمل المكرَه على التصرف، وهو العنصر الذاتي (النفسي)، ويختلف بحسب سنّ من وقع عليه الإكراه وحالته وفقًا للمادة (٦٦) من هذا النظام؛ وعلى هذا إذا لم يكن وقوع الإكراه هو الدافع للتصرف، فلا أثر للإكراه في إبطاله.
المادة الخامسة والستون
نصت المادة على ضابط التهديد الذي يتحقق به الإكراه المعتبر، وهو أن يكون التهديد «بخطر جسيم محدق»، فلا بد أن يتوفر في التهديد هذان الوصفان:
الوصف الأول: أن يكون الخطر المهدد به جسيمًا، أي من شأنه أن يوقع الخوف في نفس المكرَه، والمعتبر في جسامة الخطر حالة المكرَه النفسية، ويراعى فيها ما تضمنته المادة (٦٦) من هذا النظام، فما يعدُّ جسيمًا في حق شخص قد لا يكون كذلك في حق شخص آخر، فالمعيار هنا ذاتي؛ فلو كانت وسائل الإكراه غير جدية أو كان المكرِه غير قادر على تنفيذ ما هدَّد به، ولكن ذلك أوقع الخوف في نفس المكرَه وصور له أن خطرًا جسيمًا يهدده، فإن هذا يعيب الرضى، أما إذا لم يوقع الخوف في نفس المكرَه فلا يعيب الرضى.
الوصف الثاني: أن يكون الخطر المهدد به محدقًا، أي وشيك الوقوع بالقدر الذي لا يتمكن معه المكرَه من تفادي هذا الخطر، أما إذا كان متراخيًا يستطيع المكرَه أن يتوقاه فلا يكون مؤثرًا؛ والمعتبر في تقدير ذلك الحالة النفسية للمكرَه فقد يقع الخوف في نفسه من الخطر البعيد ويعتبر في حقه محدقًا دون غيره ممن ليس كذلك.
وبينت المادة أنه متى ما تحقق هذان الوصفان فلا فرق بعد ذلك بين أن يلحق التهديد بالمكرَه، أو أن يكون مسلطاً على غيره؛ فالتهديد له صورتان:
الصورة الأولى: أن يلحق التهديد بالمكرَه، سواء بنفسه، أو بعرضه، أو بماله؛ مثل تهديد حياته، أو تهديد بيته بحريق.
الصورة الثانية: أن يكون التهديد مسلطاً على غير المكرَه؛ مثل تهديد أحد قرابته، أو تهديد من يعز عليه من أصدقائه.
ثم تناولت المادة العنصر الذاتي (النفسي)؛ فبينت أن الإكراه يتحقق إذا لم يكن المكرَه ليُبرم العقد لولا وجود هذا الإكراه، وتراعى في ذلك حالة المكرَه النفسية وفق ما تضمنته المادة (٦٦) من هذا النظام.
وتجدر الإشارة إلى أن من يدعي وجود الإكراه هو الذي يقع عليه عبء إثبات تحقُّق الإكراه وفق عنصريه المبينين نظامًا.
المادة السادسة والستون
بينت المادة أن المعيار في تقدير الإكراه معيار ذاتي، ينظر فيه إلى حال الشخص الذي وقع عليه الإكراه والظروف الملابسة للإكراه؛ حيث يُراعى في تقدير الإكراه ما يأتي:
أولاً: سن من وقع عليه الإكراه؛ فالإكراه الذي يقع على الصغير غير الذي يقع على الشاب القوي أو على الكبير الهرم.
ثانيًا: حالة من وقع عليه الإكراه الاجتماعية والصحية؛ فالإكراه الذي يقع على ذي المكانة الاجتماعية غير الذي يقع على غيره، والإكراه الذي يقع على المريض غير الذي يقع على الصحيح.
ثالثًا: الظروف الأخرى التي من شأنها أن تؤثر في جسامة الإكراه؛ فالإكراه الذي يقع داخل المدينة بين الناس غير الذي يقع في الصحراء بعيدًا عن الأنظار.
المادة السابعة والستون
تناولت المادة أثر الإكراه بعد صدوره في العقد، فبينت أن صدور الإكراه له صورتان:
الصورة الأولى: أن يصدر الإكراه من المتعاقد الآخر، فبينت الفقرة (١) أنه يعيب الرضى ويجعل العقد قابلاً للإبطال لمصلحة المكرَه، فله طلب إبطال العقد سواء أثناء قيام حالة الإكراه أو بعد زوالها، ويسقط حق الإبطال بالإجازة صراحة أو ضمناً بعد زوال الإكراه وفقًا للمادة (٧٨) من هذا النظام.
الصورة الثانية: أن يصدر الإكراه من غير المتعاقدين، فبينت الفقرة (٢) أن لذلك حالتين:
الحالة الأولى: إذا لم يثبت المكرَه أن المتعاقد الآخر كان يعلم بالإكراه الذي صدر من الغير أو كان من المفترض أن يعلم به، ففي هذه الحالة ليس للمكرَه طلب إبطال العقد، وله أن يرجع على الغير الذي صدر منه الإكراه بالتعويض عن الضرر الذي لحقه بسبب ذلك.
الحالة الثانية: إذا أثبت المكرَه أن المتعاقد الآخر كان يعلم بالإكراه الذي صدر من الغير أو كان من المفترض أن يعلم به، ففي هذه الحالة يكون للمكرَه طلب إبطال العقد.
المادة الثامنة والستون
تناولت المادة العيب الرابع من عيوب الرضى، وهو الاستغلال المقترن بالغبن، والاستغلال هو: انتهاز أحد المتعاقدين حالة الضعف الظاهر أو الحاجة الملحة لدى المتعاقد الآخر للحصول على مزايا لا تقابلها منفعة للمتعاقد الآخر، أو تتفاوت مع هذه المنفعة تفاوتًا خارجًا عن المعتاد.
فبينت المادة أن الاستغلال لا يكون عيبًا في الرضى إلا بتوفر عنصرين، هما:
العنصر الأول: استغلال المتعاقد عند إبرام العقد ضعفًا ظاهرًا أو حاجة ملحة في المتعاقد المغبون تحمله على إبرام العقد، وهو العنصر الذاتي (النفسي). والضعف الظاهر يتمثل في نقص إدراك الشخص، أو الإفراط في طيبته، أو غير ذلك من نواحي الضعف. والحاجة الملحة هي الحالة التي يضطر فيها الشخص إلى إبرام العقد تحت ضغط الحاجة لظروف محيطة به؛ كالخطر على المال.
واشترطت المادة أن يكون الضعف ظاهرًا، بأن تقوم عليه دلائل وأمارات واضحة، كما اشترطت أن تكون الحاجة ملحة، بأن تدفع المتعاقد إلى إبرام العقد؛ فلا يكفي مجرد وجود ضعف أو حاجة عادية لتحقق الاستغلال، بل يجب أن تبلغ هذه الحالة من الوضوح أو الإلحاح حدًّا يجعلها مؤثرة في إرادة المتعاقد عند إبرام العقد، وأن تكون هذه الحالة هي الدافع المباشر الذي حمله على التعاقد، بأن لم يكن ليبرم العقد على النحو الذي تم به لولا هذا الاستغلال.
كما يشترط لتحقق هذا العنصر أن يكون المتعاقد الآخر عالمًا بحالة الضعف الظاهر أو الحاجة الملحة التي يعاني منها المتعاقد المغبون، وأن تكشف الوقائع والظروف المحيطة بالتعاقد عن اتجاه إرادته إلى استغلال هذه الحالة للحصول على مزايا غير متكافئة على نحو يجاوز القدر المعتاد، بحيث لا يكون للتصرف تفسير معقول سوى صدوره عن هذا القصد، ويتحقق ذلك بتحميل المتعاقد المغبون التزامات من غير مقابل، أو في مقابل التزامات لا تتناسب في قيمتها أو منفعتها مع الالتزامات التي يتحملها المتعاقد المغبون.
ويقع عبء إثبات توفر شروط هذا العنصر على المتعاقد المغبون، بما في ذلك وجود الضعف الظاهر أو الحاجة الملحة، وعلم المتعاقد الآخر بهذه الحالة، واتجاه إرادته عند إبرام العقد إلى استغلالها، فضلاً عن إثبات أن هذا الاستغلال كان سببًا مباشرًا في إبرام العقد. ويجوز إثبات الوقائع السابقة بكافة طرق الإثبات باعتبارها وقائع مادية، وللمحكمة أن تستخلص القرائن الدالة على ذلك من خلال الوقائع والظروف المحيطة بالتعاقد.
العنصر الثاني: وقوع غبن على المتعاقد، وهو العنصر الموضوعي، وقد بينت المادة (٦٩) من هذا النظام الغبن بأنه: «زيادة العوض أو نقصه قدرًا خارجًا عن المعتاد».
وحددت المادة الأثر المترتب على عيب الاستغلال متى توفر عنصراه، وهو أن للمتعاقد المغبون طلب إحدى ثلاث دعاوى:
الدعوى الأولى: طلب إنقاص التزاماته، فللمحكمة بناء على طلب المتعاقد المغبون أن تنقص من التزاماته بالقدر الكافي لرفع الغبن.
الدعوى الثانية: طلب زيادة التزامات المتعاقد الآخر، فللمحكمة بناء على طلب المتعاقد المغبون أن تزيد من التزامات المتعاقد الآخر بالقدر الكافي لرفع الغبن.
ولا يعني ذلك أن يكون إنقاص الالتزامات أو زيادتها بالقدر الذي يجعل الالتزامات متكافئة، بل المراد الإنقاص أو الزيادة بالقدر الذي يرفع الغبن، وهو ما كان خارجًا عن المعتاد، أما التفاوت المعتاد في الالتزامات فلا يعد غبناً.
الدعوى الثالثة: طلب إبطال العقد، فللمحكمة بناء على طلب المتعاقد المغبون أن تبطل العقد، إذا تبين أنه لولا الاستغلال ما كان ليرضى بالعقد؛ وذلك بأن بلغ حدًّا يفسد معه رضى المتعاقد.
ومع أن الخيار للمتعاقد المغبون في أن يختار من بين هذه الدعاوى الثلاث، إلا أن المادة جعلت للمحكمة الحق في أن ترفض أيًّا من هذه الطلبات وتقصر حق المتعاقد المغبون على أحدها؛ مراعيةً في ذلك ظروف الحال، وهي تشمل ظروف المتعاقدين وظروف التعاقد وملابساته. ويراعى في ذلك ألا تقضي المحكمة بما لم يطلبه الخصوم، فإذا اقتصر طلب المتعاقد المغبون على إنقاص التزاماته، فلا يجوز للمحكمة أن تقضي بإبطال العقد. وليس للمحكمة -في جميع الأحوال- أن تثير عيب الاستغلال أو ترتب آثاره من تلقاء نفسها، بل يتعين أن يتمسك به المتعاقد المغبون، وأن يطلب الحكم بإحدى الدعاوى المقررة نظامًا.
وبينت المادة المدة المقررة لرفع الدعوى في دعاوى الاستغلال الثلاث، وهي مائة وثمانون يومًا من تاريخ التعاقد يجب أن ترفع الدعوى خلالها، فإذا رفعت الدعوى بعد انقضاء هذه المدة امتنع على المحكمة سماعها. وهذه المدة هي مدة سقوط لا مدة تقادم.
المادة التاسعة والستون
تناولت الفقرة (١) مفهوم الغبن، فبينت أنه زيادة العوض الذي يلتزم به المتعاقد أو نقص العوض الذي يستحقه إذا كانت الزيادة أو النقص مقارنة بالعوض المقابل بقدر خارج عن المعتاد؛ أي إن معيار الغبن موضوعي وليس ذاتيًا، فمتى كانت الالتزامات المتقابلة بين المتعاقدين غير متعادلة بدرجة خارجة عن المعتاد فيعد هذا غبناً؛ مثل زيادة ثمن المبيع عن المعتاد فهو يعد غبناً في حق المشتري، ونقصه عن المعتاد يعدُّ غبناً في حق البائع.
ومرجع تحديد الغبن هو العرف؛ بحسب طبيعة العقد ونوع التعامل.
والغبن تتعلق به عدَّة أمور:
الأمر الأول: أن الغبن لا يكون إلا في عقود المعاوضة؛ كالبيع والإيجار، فلا يتصور الغبن في عقود التبرع؛ كالهبة والقرض.
الأمر الثاني: أن تقدير الغبن إنما يكون وقت التعاقد؛ فلا يلتفت إلى تغير التقدير بعد ذلك.
الأمر الثالث: أن التفاوت اليسير فيما بين الالتزامات المتقابلة مغتفر ولا يعد غبناً؛ فالغبن يراد به التفاوت الخارج عن المعتاد.
وقررت الفقرة (٢) مبدأً عامًّا؛ وهو أن الغبن المجرد لا يعد عيبًا في الرضى، ولا يجعل العقد قابلاً للإبطال، والمراد بالغبن المجرد: الذي لم يقترن به أي عيب من عيوب الرضى.
واستثنت الفقرة حالتين يكون العقد فيهما قابلاً للإبطال بالغبن المجرد عن عيوب الرضى، هما:
الحالة الأولى: إذا كان محل العقد مال عديم الأهلية أو ناقصها، وكان المتصرف هو الولي أو الوصي. أما إذا كان عديم الأهلية أو ناقصها هو الذي باشر العقد فتسري على التصرف أحكام تصرفات كل منهما؛ ولا يتوقف البطلان أو الإبطال بحسب الأحوال على وجود الغبن.
الحالة الثانية: أي حالة أخرى نص عليها هذا النظام أو أي نظام آخر؛ ومن ذلك ما تضمنته المادة (٣١٦) من هذا النظام في بيوع المرابحة والوضيعة والتولية، من أنه إذا لم يحدد رأس المال عند العقد وتبين في الثمن غبن للمشتري فله طلب إبطال العقد. وكذلك أجازت المادة (٦٣١) من هذا النظام نقض القسمة الاتفاقية للغبن.
ثم بينت الفقرة أن للمتعاقد الذي صدر منه الغبن أن يتوقى دعوى إبطال العقد للغبن من قبل المتعاقد المغبون إذا قدم ما يكفي لرفع الغبن؛ سواء بتحمل فرق الغبن، أو بالتنازل عن أجل أو عن شرط أو غير ذلك. ولا يشترط لتحقق رفع الغبن عدم بقاء غبن يسير بعد التوقي؛ فالمراد القدر الذي يرفع الغبن وهو ما كان خارجًا عن المعتاد.
وبينت الفقرة (٣) أنه لا يجوز لمن جعل له النظام حق الإبطال لمجرد الغبن أن يطعن في العقد لمجرد هذا الغبن إذا كان العقد تم بطريق المزايدة على نحو ما قضى به النظام ووفق الإجراءات التي حددها؛ سواء كانت المزايدة من قبل الجهات القضائية أو الإدارية أو غيرهما، فحصول التعاقد بطريق المزايدة على هذا النحو فيه الضمانة والحماية الكافية.
المادة السبعون
تناولت المادة أحكام المحل، وهو الركن الثاني من أركان العقد؛ ومحل الالتزام في العقد: هو ما يلتزم المتعاقد بالقيام به، ويصحُّ أن يكون محل الالتزام أحد ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الالتزام بنقل حق عيني؛ كحق الملكية أو حق الانتفاع، وقد يكون ذلك بإنشاء الحق العيني؛ كحق الرهن.
النوع الثاني: الالتزام بعمل؛ كالتزام الوكيل بإبرام تصرف نظامي لحساب الموكل.
النوع الثالث: الامتناع عن عمل؛ كأن يلتزم تاجر بعدم فتح محل تجاري منافس لتاجر آخر في منطقة معينة.
وليس بالضرورة أن يكون محل الالتزام على المدين واحدًا فقط مما سبق؛ فالبيع يتضمن التزامًا بنقل حق عيني وهو حق الملكية والتزامًا بتسليم المبيع وهو عمل، والمقاولة قد تتضمن التزامًا على المقاول بالمواد والعمل.
المادة الحادية والسبعون
قررت المادة صحة كون محل الالتزام شيئًا غير موجود وقت التعاقد، أي معدومًا؛ إذا كان قابلاً للوجود في المستقبل وعين نوعه ومقداره عند التعاقد. وتعيين النوع والمقدار يكون بإحدى صورتين:
الصورة الأولى: التعيين الصريح، بذكر نوع الشيء ومقداره صراحةً.
الصورة الثانية: التعيين الضمني، بأن يكون الشيء قابلاً للتعيين بحسب العرف وظروف العقد.
ومن أمثلة التعاقد على شيء مستقبل معين بنوعه ومقداره: بيع المنتجات الصناعية أو الزراعية أو الفكرية قبل البدء بإنتاجها، أو بيع وتأجير مشروعات عقارية على الخارطة.
وليس من التعاقد على شيء مستقبل ما إذا كان محل الالتزام تسليم شيء موجود وقت التعاقد لغرض الحصول على منتجاته أو ثماره المستقبلة.
ثم تناولت المادة منع نوع من التعامل يتعلق بمحل مستقبل، وهو التركة، وهي ما يخلفه الإنسان بعد موته من الأموال والحقوق المالية، وفقًا للمادة (١٩٧) من نظام الأحوال الشخصية؛ فلا يصح من أي شخص سواء المورث نفسه أو الوارث أو الموصى له أو غيرهم أن يتعامل بأي نوع من أنواع التعامل في التركة أو في جزء منها وصاحبها على قيد الحياة، ولو كان التعامل بقدر ما يتوقع أن يكون نصيبه منها، أو كان التعامل قد صدر من المورث نفسه أو برضاه، أيًّا كان ذلك التعامل بالبيع أو الهبة أو الإيجار أو القسمة أو الشركة أو غير ذلك.
واستثنت المادة من المنع ما أجازته النصوص النظامية؛ مثل الوصية فهي تصرف من المورث في تركته وهو على قيد الحياة مضاف إلى ما بعد موته، وذلك وفق أحكامها المقررة في نظام الأحوال الشخصية.
وتجدر الإشارة إلى أن قسمة الشخص بعض ماله قسمة منجزة حال حياته لا يشملها حكم المادة، ولو روعيت في القسمة أنصبة الميراث؛ فالمال لا يكون تركة إلا بعد الموت.
المادة الثانية والسبعون
حددت الفقرة (١) الشروط التي يجب توفرها في محل الالتزام، وهذه الشروط يجب توفرها في جميع أنواع محل الالتزام؛ سواء كان نقل حق عيني أو عملاً أو امتناعًا عن عمل. وهذه الشروط هي:
الشرط الأول: أن يكون محل الالتزام ممكناً في ذاته؛ فإذا كان محل الالتزام مستحيلاً في ذاته، وقع العقد باطلاً.
والمراد باستحالة الشيء في ذاته هنا: الاستحالة المطلقة، وليست الاستحالة النسبية؛ فالاستحالة نوعان:
النوع الأول: الاستحالة المطلقة، وهي الاستحالة التي تقوم بالنسبة إلى جميع الأشخاص؛ وقد تكون طبيعية أو نظامية، على النحو الآتي:
أولاً: الاستحالة الطبيعية، وهي التي ترجع إلى طبيعة الالتزام؛ كالتزام الجراح بإجراء عملية جراحية لعلاج مريض مات قبل العقد. ثانيًا: الاستحالة النظامية، وهي التي ترجع إلى حكم النظام؛ كأن يلتزم محامٍ برفع طلب استئناف في قضية بعد انقضاء المدة النظامية.
فالاستحالة المطلقة تمنع قيام الالتزام إذا كانت سابقة عليه عند تكوينه، وإذا كانت لاحقة له فلا تمنع من قيامه ولكنه ينقضي بها، وينفسخ العقد من تلقاء نفسه إذا كانت بسبب لا يد للمدين فيه، وفقًا للمادة (١١٠) من هذا النظام.
النوع الثاني: الاستحالة النسبية، وهي الاستحالة التي تقوم بالنسبة إلى المدين فحسب؛ فقد يلتزم شخص بأن يرسم لوحة فنية وهو يجهل الرسم، فيكون مستحيلاً بالنسبة إليه، ولكنه لا يكون مستحيلاً على غيره، فهنا يكون الالتزام صحيحًا، سواء كانت الاستحالة بالنسبة إليه سابقة على الالتزام أو لاحقة له.
الشرط الثاني: ألا يكون محل الالتزام مخالفًا للنظام العام، والنظام العام هو: كل ما يرتبط بمصلحة عامة تمس النظام الأعلى للمجتمع، سواء كانت هذه المصلحة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، ويشمل ذلك القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية المستندة إلى نصوص الكتاب والسنة؛ وفق ما نص عليه الأمر الملكي الكريم رقم (٤٤٩٨٢) بتاريخ ١٤٣٣/١٠/٤هـ.
فمتى كان محل الالتزام مخالفًا للنظام العام وقع العقد باطلاً؛ سواء كان محل الالتزام:
١.نقل حق عيني؛ مثل بيع المخدرات، وبيع النصيب من تركة شخص على قيد الحياة وفق المادة (٧١) من هذا النظام.
٢.أو عملاً؛ مثل القتل.
٣.أو امتناعاً عن عمل؛ مثل أن يلتزم شخص بعدم ارتكاب جريمة مقابل مبلغ مالي.
الشرط الثالث: أن يكون محل الالتزام معيناً بالذات، أو بالنوع والمقدار، أو قابلاً للتعيين.
ووفقًا لهذا الشرط، فإذا كان المحل نقل حق عيني وجب ألا يخلو من إحدى حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون معيناً بالذات؛ مثل بيع هذه الدار المعينة بموقعها، أو تلك السيارة المعينة برقم هيكلها.
الحالة الثانية: أن يكون معيناً بالنوع والمقدار؛ مثل بيع نوع معين من القمح بكمية محددة، أو قابلاً للتعيين بحسب العرف وظروف العقد؛ مثل تعهد مورد بتوريد الغذاء الكافي لمدرسة أو مستشفى، فإن المقدار يكون قابلاً للتعيين على أساس عدد تلاميذ المدرسة، أو عدد أسرة المستشفى.
وإذا كان المحل عملاً أو امتناعًا عن عمل، وجب ألا يخلو من إحدى حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون معيناً؛ مثل تعيين نوع المبنى الذي يراد إنشاؤه وأوصافه المؤثرة في عقد المقاولة.
الحالة الثانية: أن يكون قابلاً للتعيين بحسب العرف وظروف العقد؛ مثل التعاقد على إقامة مدرسة تتسع لعدد معين من الطلاب.
وبينت الفقرة (٢) الجزاء المترتب على تخلف أي شرط من الشروط الثلاثة الواردة في الفقرة (١)، وهو بطلان العقد بطلانًا مطلقًا، فيجوز لكل ذي مصلحة من المتعاقدين أو غيرهما أن يتمسك بالبطلان، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، ولا يزول البطلان بالإجازة؛ وفقًا للمادة (٨١) من هذا النظام.
المادة الثالثة والسبعون
تناولت المادة ما يتعلق بشرط قابلية المحل للتعيين؛ فقررت الفقرة (١) أنه إذا لم يحدد المتعاقدان مقدار محل الالتزام ولكن تضمن العقد ما يمكن به تحديد المقدار؛ فإن العقد لا يكون باطلاً، ويتحدد المقدار بناء على ما تضمنه العقد.
واستخلاص ما يمكن به تحديد المقدار لا يقتصر على صيغة العقد، فقد يستخلص من ظروف التعاقد؛ كأن يتعهد شخص بتوريد وجبات غذائية لمدرسة دون تحديد عددها، فيتحدد العدد بناء على حاجة المدرسة، ومن تطبيقات هذه الفقرة نص المادة (٣١٣) من هذا النظام على أنه: «يصح أن يقتصر تقدير الثمن على بيان أسس صالحة يتحدد بمقتضاها».
وبينت الفقرة (٢) تطبيقًا آخر يكون فيه المحل قابلاً للتعيين؛ وذلك فيما إذا اتفق المتعاقدان على نوع محل الالتزام ولكن لم يتفقا على درجة جودته، فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يوجد عرف أو قرينة يمكن تحديد درجة الجودة من أي منهما، فيكون المرجع في تحديد ذلك إلى العرف أو القرينة، والقرينة قد تستخلص من العوض المقابل؛ فارتفاعه ارتفاعًا بيِّناً قرينة على أن المطلوب درجة عالية، وانخفاضه قرينة على أن المطلوب درجة متدنية.
الحالة الثانية: ألا يوجد عرف ولا قرينة يمكن تحديد درجة الجودة من أي منهما، فيلتزم المدين بتسليم شيء ذي جودة متوسطة، سواء كان الالتزام بنقل حق عيني، أو كان التزامًا بعمل.
المادة الرابعة والسبعون
نظمت المادة أحكام الشروط في العقد، والشروط في العقد هي من محل الالتزام وتسري عليها أحكامه؛ فقررت الفقرة (١) أن الأصل فيما يتفق عليه المتعاقدان من شروط في العقد هو الصحة؛ فيجوز اتفاقهما على أي شرط ما دام هذا الشرط قد توفرت فيه شروط المحل المبينة في الفقرة (١) من المادة (٧٢) من هذا النظام، وهي:
الشرط الأول: أن يكون ممكناً في ذاته.
الشرط الثاني: ألا يكون مخالفًا للنظام العام.
الشرط الثالث: أن يكون معيَّناً بذاته أو بنوعه ومقداره أو قابلاً للتعيين.
فالشروط الصحيحة لا تقتصر على ما نص النظام على صحته، بل تشمل الشروط التي سكت عنها النظام، وما تضمنه النظام مما يتعلق بالتزامات المتعاقدين فلهما الاتفاق على مخالفته ما لم يكن من القواعد الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
وبينت الفقرة (٢) أنه إذا تضمن العقد شرطاً باطلاً فيبطل ذلك الشرط وحده، ويبقى ما عداه من الالتزامات التي أوجبها العقد صحيحًا، أي إن العقد لا يبطل كله ببطلان ذلك الشرط؛ فالأصل إعمال إرادة المتعاقدين في أصل التعاقد، وإذا بطل شرط ما فإن الأصل ألا يمس ذلك إرادة المتعاقدين في باقي الشروط.
واستثنت الفقرة ما إذا ترتب على بطلان الشرط وحده أن المتعاقد الذي أبطل شرطه ما كان ليرضى بالعقد وفق ما تضمنه من التزامات دون ذلك الشرط، فله في هذه الحالة طلب إبطال العقد الذي انطوى على ما يعيب الرضى به.
المادة الخامسة والسبعون
تناولت المادة الركن الثالث من أركان العقد وهو السبب، ويراد به الغرض الذي يقصد المتعاقد الوصول إليه من وراء تعاقده، والسبب من حيث كونه ركناً في الالتزام العقدي يتصل أوثق الاتصال بالإرادة.
فبينت المادة بطلان العقد إذا كان السبب الباعث على التعاقد عند المتعاقدين أو أحدهما غير مشروع. ويراد بعدم المشروعية أن يكون السبب الباعث على التعاقد مخالفًا للنظام العام.
واشترطت المادة لبطلان العقد أن يكون المتعاقد الآخر قد اتصل بالسبب غير المشروع؛ واتصاله بهذا السبب يكون بطريق علمه به، ويتحقق ذلك من خلال صورتين:
الصورة الأولى: التصريح بالسبب غير المشروع في العقد.
الصورة الثانية: دلالة ظروف التعاقد على السبب غير المشروع.
وإذا وقع العقد باطلاً جاز لكل ذي مصلحة من المتعاقدين أو غيرهما أن يتمسك بالبطلان، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، ولا يزول البطلان بالإجازة؛ وفقًا للمادة (٨١) من هذا النظام.
المادة السادسة والسبعون
تناولت المادة قرينة نظامية بسيطة بشأن العقد الذي لم يُذكر سببه، مفادها أن الأصل في هذا العقد أن له سببًا، وأن هذا السبب مشروع.
وهذه القرينة النظامية قابلة لإثبات العكس؛ فعلى المتعاقد الذي يدعي أن للعقد سببًا غير مشروع أن يثبت وجود ذلك السبب، وعلم المتعاقد الآخر بهذا السبب غير المشروع من خلال ما دلت عليه الظروف المحيطة بالتعاقد.
المادة السابعة والسبعون
بينت المادة أن الحق في طلب إبطال العقد إذا جُعل لأحد المتعاقدين بموجب نص نظامي فإنه ليس للمتعاقد الآخر أن يتمسك بإبطال العقد، وليس للدائن ولا للخلف الخاص بمقتضى حق مباشر لهم، ولكن يستطيعون ذلك باعتبارهم دائنين للمتعاقد فيستعملون حقه في طلب إبطال العقد بطريق الدعوى غير المباشرة، وكذلك لا تملك المحكمة أن تبطل العقد من تلقاء نفسها.
فالتمسك بإبطال العقد القابل للإبطال يكون للمتعاقد الذي تقررت قابلية إبطال العقد لمصلحته؛ وهو ناقص الأهلية بعد اكتمال أهليته أو النائب عنه، أو من شاب إرادته أحد عيوب الرضى، وكل من جعل له النظام حق الإبطال بنص خاص.
وتقرير إبطال العقد القابل للإبطال يكون بإحدى طريقتين:
الطريقة الأولى: التراضي، وذلك بالاتفاق بين المتعاقدين على إبطال العقد، بشرط كمال أهليتهما.
الطريقة الثانية: التقاضي، وذلك بطلب الإبطال أمام المحكمة، ويعد حكم المحكمة بالإبطال منشئًا لا كاشفًا؛ لأن للعقد قبل إبطاله وجودًا نظاميًّا.
التفريق بين العقد القابل للإبطال (البطلان النسبي) والعقد الباطل (البطلان المطلق):
ما تضمنه حكم المادة هو أحد فروق العقد القابل للإبطال عن العقد الباطل بطلانًا مطلقًا؛ حيث تظهر أهم الفروق بينهما فيما يأتي:
الفرق الأول: من حيث سبب البطلان أو الإبطال؛ فالعقد يعد باطلاً بطلانًا مطلقًا في ثلاث حالات:
الحالة الأولى: انعدام أحد أركان العقد الثلاثة، وهي الرضى والمحل والسبب، أو الوضع المعين الذي اشترطه النظام لانعقاد العقد وقرَّر البطلان جزاءً للإخلال به؛ كتخلف الشكل في العقد الشكلي.
الحالة الثانية: تخلف أحد شروط اعتبار أركان العقد الثلاثة؛ وهذه الشروط فيما يتعلق بركن الرضى: توافق الإرادتين والتمييز، وفيما يتعلق بركن المحل: الإمكانية والمشروعية والتعيين، وفيما يتعلق بركن السبب: المشروعية، فإذا اختل أحد هذه الشروط وقع العقد باطلاً.
الحالة الثالثة: وقوع العقد باطلاً بنص خاص في النظام؛ مثل ما ورد في المادة (٣٥٨) والمادة (٤٠٦) من هذا النظام، أو استخلاص ذلك دلالة فيما إذا كان الحكم موضوع المخالفة من القواعد الآمرة التي تتصل بالنظام العام.
وأما العقد القابل للإبطال فهو عقد توفرت فيه أركانه الثلاثة بشروط اعتبارها السالفة، ولكن ركن الرضى معيب؛ لصدوره من ناقص التمييز أو اقترانه بأحد عيوب الرضى، وقد يكون العقد قابلاً للإبطال بنص خاص في النظام؛ مثل ما ورد في المادة (٣١٦) والمادة (٣٥٩) من هذا النظام.
الفرق الثاني: العقد الباطل بطلانًا مطلقًا لم ينعقد، فهو عدم، ولا يرتب أثرًا، ولا يزول البطلان بالإجازة وفقًا للمادة (٨١) من هذا النظام، أما العقد القابل للإبطال فهو عقد قائم منتج لآثاره، فإذا ورد عليه الإبطال عد باطلاً لا حكم له من حين نشوئه، وإذا وردت عليه الإجازة طهرته من القابلية للإبطال واستندت إلى وقت إبرام العقد وفقًا للمادة (٧٨) من هذا النظام.
الفرق الثالث: يجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان ولو لم يكن طرفًا في العقد، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها وفقًا للمادة (٨١) من هذا النظام، أما الحق في طلب إبطال العقد القابل للإبطال فلا يجوز أن يتمسك به إلا من جعل النص النظامي له هذا الحق وفقًا للمادة (٧٧) من هذا النظام.
الفرق الرابع: تتقادم دعوى البطلان ولا يتقادم الدفع به وفقًا للمادة (٨١) من هذا النظام، بينما تتقادم دعوى إبطال العقد والدفع به وفقًا للمادة (٧٩) من هذا النظام.
التفريق بين الإبطال أو البطلان وبين عدم نفاذ التصرف في حق الغير:
رتب النظام في عدد من المواضع الجزاء المترتب على التصرف عدم نفاذه في حق الغير؛ مثل ما ورد في المادة (١٨٣) والمادة (٣٥٤) والمادة (٣٥٧) من هذا النظام، والفرق بين العقد الباطل بشقيه والعقد غير النافذ في حق الغير، أن العقد الباطل لا ينتج أثره سواء في حق المتعاقدين أو بالنسبة إلى الغير، دون الإخلال بحقوق الغير إذا كان حسن النية؛ مثل ما ورد في المادة (٨٦) من هذا النظام، أما العقد غير النافذ في حق الغير فيقتصر عدم النفاذ فيه على ذلك الغير، وله إجازته، أما بالنسبة إلى المتعاقدين فالعقد صحيح ومنتج لآثاره ولا يتوقف نفاذه بينهما على إجازة الغير، وقد يكون لأحدهما حق الإبطال إن وجد له مقتض؛ فبيع ملك الغير نافذ بين طرفيه ولا يكون نافذًا في حق المالك إلا بإجازته، وللمشتري طلب إبطال البيع ما لم تؤل ملكية المبيع إلى البائع بعد العقد، أو يُجز المالك البيع، وفقًا للمادة (٣٥٩) من هذا النظام.
التفريق بين الإبطال أو البطلان وبين الفسخ:
الإبطال أو البطلان يرجعان إلى سبب يتعلق بتكوين العقد أي مقترن به؛ فالخلل فيهما يتصل بأحد أركان العقد أو أحد شروط اعتبار ذلك الركن، ومن ثم يكون الركن معدومًا أو معيبًا، فلا يرد الإبطال أو البطلان بعد اكتمال نشوء العقد صحيحًا، أما في الفسخ فينشأ العقد صحيحًا منتجًا لآثاره، ثم يوجد موجب للفسخ بالإقالة، أو اقتران العقد بشرط فاسخ، أو إخلال أحد المتعاقدين بالتزامه، أي إن سبب الفسخ يكون لاحقًا لتكوين العقد.
المادة الثامنة والسبعون
بينت المادة أن العقد القابل للإبطال ترد عليه الإجازة ممن يملك الحق في طلب إبطاله، ويترتب عليها إمضاء العقد المهدد بالإبطال وتطهيره من احتمال إبطاله، وسقوط حق المجيز في طلب إبطال العقد.
والإجازة تصرف نظامي من جانب واحد، فتلزم من صدرت منه بمجرد صدورها، ولا يجوز له العدول عنها، ولا تتوقف على قبول الطرف الآخر. ويشترط لصحتها ما يأتي:
الشرط الأول: أن تصدر ممن له الحق في طلب إبطال العقد.
الشرط الثاني: أن تتوفر فيمن صدرت منه شروط التصرف النظامي؛ لكونها تتضمن إسقاط حق، فيجب أن تكون من كامل الأهلية، وخالية من عيوب الرضى.
الشرط الثالث: أن يقصد المجيز إجازة العقد القابل للإبطال، فيجب أن يكون عالمًا بسبب الإبطال وأن يكون قاصدًا إجازته والنزول عن حقه في طلب إبطال العقد.
وتجدر الإشارة إلى أن الإجازة تقتصر على السبب المقصود بها، فإن كانت هناك أسباب أخرى للإبطال فإن العقد يظل قابلاً للإبطال من أجلها؛ كما لو تعاقد ناقص الأهلية على شراء عين وكان واقعًا في غلط جوهري، ثم أجاز العقد بعد اكتمال أهليته فيما يتعلق بنقص الأهلية، فإن العقد يظل قابلاً للإبطال من أجل الغلط.
وبينت المادة أن إجازة العقد القابل للإبطال تكون بإحدى صورتين:
الصورة الأولى: الإجازة الصريحة، وهي تصح بكل عبارة تفيد اتجاه نية المجيز إلى الإجازة بوضوح.
الصورة الثانية: الإجازة الضمنية، وهي التي تستخلص من ظروف الحال؛ كأن ينفذ العقد من له الحق في طلب الإبطال وهو على علمٍ بسبب الإبطال، أو يأتي عملاً يدل على نزوله عن حقه في طلب الإبطال، أو يتصرف تصرفًا يدل على إجازته للعقد؛ مثل أن يشتري ناقص الأهلية عيناً ثم يبيعها بعد اكتمال أهليته.
وعبء إثبات الإجازة يقع على الطرف غير المجيز، وذلك وفق ما تقضي به قواعد الإثبات.
وإذا صدرت الإجازة مستوفية شروط صحتها فإنها تستند إلى وقت إبرام العقد لا وقت صدورها، ويعني ذلك أن العقد يعد صحيحًا بصفة نهائية من حين انعقاده، ويرتفع عنه خطر الإبطال.
المادة التاسعة والسبعون
تناولت المادة نوعي مدد التقادم المانع من سماع دعوى الإبطال؛ وهما:
النوع الأول: المدة القصيرة، وبينتها الفقرة (١) فجعلت قاعدة عامة في ذلك، وهي أن دعوى إبطال العقد لا تسمع بانقضاء سنة من تاريخ العلم بسبب الإبطال أيًّا كان سبب الإبطال؛ فلو كان طلب الإبطال للغلط أو للتغرير أو للغبن الذي يثبت فيه حق الإبطال فلا تسمع الدعوى به إذا انقضت سنة من تاريخ العلم بذلك السبب، وتستثنى من هذه القاعدة حالتان:
الحالة الأولى: إذا كان سبب الإبطال هو نقص أهلية المتعاقد؛ لصغر سنه أو عتهه أو الحجر عليه لسفهٍ أو لكونه ذا غفلة، فإن دعوى الإبطال لا تسمع بعد انقضاء سنة من تاريخ اكتمال أهليته.
الحالة الثانية: إذا كان سبب الإبطال هو الإكراه، فإن دعوى الإبطال لا تسمع بعد انقضاء سنة من تاريخ زوال الإكراه.
النوع الثاني: المدة الطويلة، وبينتها الفقرة (٢)؛ فلا تسمع دعوى الإبطال بعد انقضاء عشر سنوات من تاريخ إبرام العقد، سواء علم المتعاقد بسبب الإبطال أو لم يعلم، واستثنت الفقرة حالة إبطال العقد لنقص الأهلية فلا تسري عليها المدة الطويلة؛ وعلى هذا فإن حق الإبطال إذا تعاقد ناقص الأهلية يكون للولي أو الوصي ولو مضت عشر سنوات من تاريخ التعاقد، ومتى اكتملت أهلية المتعاقد فيكون له حق الإبطال خلال سنة من تاريخ اكتمال الأهلية ولو مضت عشر سنوات من تاريخ التعاقد، ولكل ذي مصلحة يضار من طول بقاء العقد مهددًا بالإبطال أن يعذر من له حق إبطال العقد بإبداء رغبته في الإجازة أو الإبطال وفق ما هو مبين في المادة (٨٠) من هذا النظام.
ومؤدى اجتماع نوعي مدد التقادم السابقين أن مدة سماع دعوى الإبطال فيما عدا حال نقص الأهلية تنقضي بأقصر الأجلين؛ فلو لم يعلم المتعاقد بالتغرير إلا بعد تسع سنوات ونصف من تاريخ التعاقد فإن مدة التقادم في حقه تنقضي بإكمال عشر سنوات، أي بعد ستة أشهر من علمه، ولو علم بالتغرير بعد سنتين من تاريخ التعاقد فإن مدة التقادم تنقضي بمضي سنة من علمه أي بعد ثلاث سنوات من تاريخ التعاقد.
وإذا انقضت مدة التقادم استقر العقد صحيحًا وارتفع عنه خطر الإبطال؛ فلا تسمع دعوى الإبطال ولا الدفع به ضد دعوى يرفعها المتعاقد الآخر.
المادة الثمانون
بينت المادة أحقية كل ذي مصلحة في أن يعذر من له حق إبطال العقد بإبداء رغبته إما في التمسك بالعقد ويعد ذلك إجازة له وإما في إبطاله، والمقصود بذي المصلحة من كانت له مصلحة نظامية، سواء كان المتعاقد الآخر أو غيره ممن تتوقف مصلحته على ما يستقر عليه العقد. والمقصود بمن له حق الإبطال ناقص الأهلية بعد اكتمال أهليته أو النائب عنه، أو من شاب إرادته أحد عيوب الرضى، وكل من جعل له النظام هذا الحق بنص خاص.
وبينت المادة أن إعذار من له حق الإبطال يكون خلال مدة معينة، ويجب ألا تقل هذه المدة عن تسعين يومًا من تاريخ الإعذار، وإذا مضت المدة ولم يبد من له الحق في الإبطال رغبته في إجازة العقد أو إبطاله دون عذر؛ اعتبر ذلك إجازة للعقد وسقط حقه في الإبطال.
ومدة الإعذار هذه لا تؤثر على المدد المقررة للتقادم في المادة (٧٩) من هذا النظام، كما أن سقوط الحق بمضي مدة الإعذار لا يعد من التقادم المانع من سماع الدعوى ولا تسري عليه أحكامه؛ فسقوط الحق في الإبطال يختلف عن عدم سماع دعوى الإبطال.
ومما يجب أن يراعى في الإعذار أمران:
الأمر الأول: أن يكون بأي وسيلة متفق عليها بين المتعاقدين، أو بأي وسيلة مقررة نظامًا للتبليغ؛ وفق ما نصت عليه المادة (١٧٧) من هذا النظام.
الأمر الثاني: أن يكون بعد العلم بسبب الإبطال أو زوال سببه؛ فالمتعاقد مع ناقص الأهلية عليه أن يعذر الولي أو الوصي أو يعذر ناقص الأهلية بعد اكتمال الأهلية.
المادة الحادية والثمانون
تناولت المادة من له حق التمسك بالبطلان، وسلطة المحكمة في القضاء به، وأثر ورود الإجازة عليه، والمدة المقررة لسماع دعوى البطلان والدفع به.
فبينت الفقرة (١) أن العقد متى وقع باطلاً بطلانًا مطلقًا فإنه يجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان، والمقصود بذي المصلحة كل من كانت له مصلحة نظامية في تقرير البطلان، ولا تتوفر هذه المصلحة إلا إذا كان له حق يتأثر بصحة العقد أو بطلانه، سواء من أحد المتعاقدين؛ كالبائع الذي تتمثل مصلحته في استرداد المبيع، والمشتري الذي تتمثل مصلحته في استرداد الثمن، ويكون ذلك لدائنيهما، ولخلفهما العام والخاص؛ فالمرتهن من البائع له التمسك بالبطلان ليَسلم له حق الرهن، والمرتهن من المشتري له التمسك بالبطلان ليسترد الدين. ولا يكفي في ذلك مجرد المصلحة الأدبية أو الاقتصادية؛ فليس للجار أن يتمسك ببطلان عقد بيع صادر من جاره بحجة أن له مصلحة في التخلص من مجاورة المشتري الجديد، أو أن يتمسك تاجر ببطلان عقد شركة منافسة له ليتخلص من منافستها.
وبينت الفقرة أن للمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها ولو لم يكن ذلك بطلب من أي طرف، وقضاء المحكمة بالبطلان كاشف ولا ينشئ البطلان.
وتقرير البطلان لا يتوقف على الدعوى به، فلذي المصلحة أن يعد العقد الباطل معدومًا دون حاجة لرفع دعوى؛ فالبائع الذي لم يسلم المبيع لا يكون بحاجة -متى كان العقد باطلاً- أن يرفع دعوى بالبطلان لعدم تنفيذ العقد، وما عليه إلا أن يعد العقد معدومًا، وإذا طالبه الآخر بالتنفيذ كان له أن يدفع بالبطلان.
ثم بينت الفقرة أن البطلان لا يزول بالإجازة؛ فالعقد الباطل عدم، والعدم لا يصير وجودًا بالإجازة، وعدم زوال البطلان بالإجازة لا يمنع من إعادة إبرام العقد من جديد إذا توفرت في حينه شروط الصحة. وإعادة إبرام العقد تختلف عن الإجازة؛ فالإجازة عمل نظامي من جانب واحد هو المجيز؛ ولذا يشترط توفر أهليته وحده وقت الإجازة، وتستند إلى وقت إبرام العقد لا وقت صدورها، أما إعادة إبرام العقد فتقتضي توافق إرادتي المتعاقدين وأهليتهما معًا، وتستند إلى وقت هذا التعاقد لا إلى وقت إبرام العقد الباطل؛ فتعاقد ناقص الأهلية بما فيه ضرر محض باطل، ولكن لو اتفق بعد اكتمال أهليته مع من تعاقد معه على إمضاء العقد السابق بينهما فهو تعاقد جديد وليس إجازة لذلك العقد.
وحددت الفقرة (٢) مدة التقادم في دعوى البطلان وهي عشر سنوات من تاريخ إبرام العقد، فإذا انقضت هذه المدة لا تسمع دعوى البطلان، ولا يعني ذلك أن العقد الباطل يصححه التقادم، بل يظل باطلاً، ولكن دعوى البطلان تسقط بالتقادم.
وتقادم دعوى البطلان لا يقتضي تقادم الدفع به، فلكل ذي مصلحة أن يدفع ببطلان العقد في أي وقت؛ كما لو باع شخص أرضًا وكان البيع باطلاً ولم يسلمها للمشتري ومضت عشر سنوات ثم طالبه المشتري بالتسليم، فللبائع أن يدفع ببطلان البيع؛ ولا يسقط الدفع بالتقادم.
المادة الثانية والثمانون
بينت المادة أن العقد متى كان قابلاً للإبطال وأبطل، أو وقع باطلاً بطلانًا مطلقًا؛ فلا يخلو ذلك من حالتين:
الحالة الأولى: إذا أمكن أن يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، فإنهما يعودان إلى هذه الحالة التي كانا عليها، أي يعدُّ العقد معدومًا كأن لم يكن ولا أثر له، ويلزم كلاً من المتعاقدين أن يرد الشيء الذي أخذه تنفيذًا للعقد، وأن يرد ثمار ذلك الشيء من حين المطالبة القضائية إذا كان حسن النية، وهو من يجهل أنه يعتدي على حق الغير ولم يكن الجهل ناشئًا عن خطئه الجسيم وفقًا للمادة (٦٧٥) من هذا النظام، وأما سيء النية فيلزمه رد جميع الثمار.
الحالة الثانية: إذا استحال أن يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، فيجوز أن تقضي المحكمة بالتعويض؛ كما لو هلك المبيع في يد المشتري بخطأ منه ثم أبطل العقد أو بطل، فللمحكمة أن تلزمه برد قيمة المبيع وفقًا لقواعد المسؤولية التقصيرية لا العقدية، وتلزم البائع برد الثمن. وفي العقود الزمنية؛ كالإيجار -حيث يتعذر رد المنفعة بعد استيفائها- يلزم المستأجر التعويض عن المنفعة التي استوفاها قبل الإبطال أو البطلان، وقد يقدر التعويض بمقدار الأجرة المحددة في العقد للفترة التي استوفيت فيها المنفعة لا على أساس العقد، وإنما على أساس التعويض؛ فالأجرة المحددة هي الأقرب إلى تقدير التعويض، وذلك فيما إذا لم يُلاحظ في تحديدها عند التعاقد اعتبارات أخرى زالت بزوال العقد.
ولا يمنع الحكم بالرد والاسترداد من الحكم بالتعويض إذا ما صاحب العقد الباطل خطأ من أحد طرفيه نتج عنه ضرر على الآخر؛ تطبيقًا لقواعد الفعل الضار، باعتبار العقد الباطل واقعة مادية، وتسري على التعويض في هذه الحالة أحكام التعويض عن الفعل الضار.
المادة الثالثة والثمانون
بينت المادة حكم حالة معينة من حالات الرد عند إبطال العقد أو بطلانه، وهي ما إذا كان المتعاقد ناقص الأهلية أو عديمها؛ فإنه لا يُلزم عند الرد إلا بمقدار المنفعة المعتبرة نظامًا التي أثرى بها من تنفيذ العقد، وأما ما يعد من قبيل إتلاف المال سفهًا وطيشًا لعدم اكتمال أهليته فلا يلزمه رده؛ كما لو أن صغيرًا مميزًا باع سلعة وأنفق بعض الثمن الذي تسلمه سفهًا وطيشًا وأنفق بعضه في وفاء ديونه أو قضاء حاجاته، فلا يكون ملزمًا عند إبطال العقد إلا برد ما أنفقه في وفاء الديون أو قضاء الحاجات دون ما أنفقه سفهًا وطيشًا.
ونقص الأهلية أو انعدامها يكون عادة أمرًا ظاهرًا، أما إذا لجأ ناقص الأهلية إلى طرقٍ احتياليَّةٍ لإخفاء نقص أهليته فإنه يلزمه التعويض عن الضرر الذي يصيب المتعاقد معه بسبب إبطال العقد، وفق ما نصت عليه المادة (٥٦) من هذا النظام.
المادة الرابعة والثمانون
تناولت المادة مبدأ «تجزئة العقد»، فبينت أن العقد إذا كان باطلاً في جزء منه أو يجوز إبطاله؛ فإن ذلك الجزء هو الذي يبطل فقط، أما الجزء الآخر فيبقى صحيحًا، ما دام العقد قابلاً للتجزئة؛ فلو بيعت أشياء متعددة وفي جزء منها وقع المتعاقد في غلط جوهري، أو كان جزء منها مخالفًا للنظام العام؛ فيبطل ذلك الجزء فقط ويصح العقد في الباقي.
ومن تطبيقات المادة ما تضمنته المادة (٧٤) من هذا النظام فيما إذا تضمن العقد شرطاً باطلاً فيبطل الشرط وحده، وللمتعاقد أن يطلب إبطال العقد إذا تبيّن أنه ما كان ليرضى بالعقد دون ذلك الشرط.
واستثنت المادة ما إذا ترتب على بطلان العقد في جزء منه أن المتعاقد ما كان ليرضى بالعقد دون ذلك الجزء، بحيث يكون هو الدافع للتعاقد، فله في هذه الحالة طلب إبطال العقد الذي انطوى على ما يعيب الرضى به، فالمعيار الذي قررته المادة معيار ذاتي يتعلق بشخص المتعاقد؛ كما لو بيعت أشياء متعددة وفي أحدها وقع المتعاقد في غلط جوهري، وتبين أنه ما كان ليرضى بالعقد إلا إذا ورد البيع على هذه الأشياء جميعها؛ فيكون العقد كله قابلاً للإبطال.
وتسري على إبطال العقد في هذه الحالة أحكام الإبطال لا البطلان بصرف النظر عما تقرر للجزء الباطل.
ويقع عبء إثبات تعارض تجزئة العقد مع رضى المتعاقد على عاتق المتمسك بإبطال العقد؛ فإذا لم يثبت ذلك ظل ما بقي من العقد صحيحًا.
المادة الخامسة والثمانون
تناولت المادة نظرية «تحول العقد»، فبينت أن العقد الباطل سواء كان باطلاً بطلانًا مطلقًا أو قابلاً للإبطال وأبطل، متى توفرت فيه أركان عقد آخر وتبين انصراف إرادة المتعاقدين إلى العقد الآخر؛ فإنه ينعقد ذلك العقد الآخر ويكون صحيحًا. وهذا الحكم يعد تطبيقًا من تطبيقات الأخذ بطبيعة العقد وتكييفه.
واشترطت المادة لتحول العقد ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون العقد الأول باطلاً، سواء كان باطلاً بطلانًا مطلقًا أو قابلاً للإبطال وأبطل، فإذا كان صحيحًا فلا يحل محله عقد آخر قد يؤثره المتعاقدان لو تبين لهما أمره؛ مثل هبة صحيحة تتضمن أركان الوصية ويتبين أن الواهب والموهوب له يفضلان الوصية على الهبة، فلا تتحول الهبة إلى وصية.
ويجب أن يكون العقد الأول باطلاً كله، أما إذا كان باطلاً في جزء منه وقابلاً للتجزئة؛ فلا محل لتحول العقد، وإنما تجري تجزئته وفقًا للمادة (٨٤) من هذا النظام.
الشرط الثاني: أن تكون أركان العقد الآخر قد توفرت جميعًا في العقد الأول الباطل دون أن يضاف إليه أي عنصر جديد؛ فلو وقع البيع على عين، وحكم بإبطال البيع؛ لكون العين غير مملوكة للبائع، فلا يجوز تحول العقد إلى عين أخرى ولو ثبت أن المتعاقدين كانا يقبلان ذلك لو علما بسبب الإبطال.
وبهذا يختلف مفهوم تحول العقد عن تصحيحه، فالتصحيح يكون بإضافة عنصر إلى العقد؛ مثل توقي المتعاقد الإبطال للغلط بتنفيذ العقد الذي قصد الغالط إبرامه وفقًا للمادة (٦٠) من هذا النظام، أو توقي الإبطال للغبن في مال عديم الأهلية وناقصها بتقديم ما يكفي لرفع الغبن وفقًا للمادة (٦٩) من هذا النظام، أو نحو ذلك.
الشرط الثالث: أن يتبين أن إرادة المتعاقدين كانت تنصرف إلى العقد الآخر لو علما بأن العقد الأول باطل؛ فالتحول محاولة لتوجيه إرادة المتعاقدين الوجهة التي تجعل العقد الباطل ذا أثر بالنسبة لطرفيه اللذين أخفقا في اعتماد الوسيلة النظامية التي توصلهما إلى الغاية التي قصداها.
فإذا توفرت الشروط الثلاثة السابقة تحول العقد الباطل إلى العقد الآخر الصحيح؛ مثل البيع بثمن تافه يبطل لتخلف ركن الثمن ويتحول العقد إلى هبة.
المادة السادسة والثمانون
عالجت المادة حكم حالة معينة لا يحتج فيها بإبطال العقد تجاه الخلف الخاص للمتعاقد؛ وهي تعد استثناء من الأصل في الأثر المترتب على الإبطال أو البطلان، وهو أن يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد وفقًا للمادة (٨٢) من هذا النظام.
فبينت الفقرة (١) أن العقد القابل للإبطال؛ كالذي اقترن به أحد عيوب الرضى، إذا أبطل؛ فليس لأي من المتعاقدين أن يحتج بتقرير الإبطال تجاه خلف أي منهما، إذا توفرت أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون خلفًا خاصًا للمتعاقد وفق ما هو مبين في المادة (٩٨) من هذا النظام؛ كالمشتري أو المرتهن من أحد المتعاقدين، وأما الخلف العام فإن أثر العقد ينصرف إليه كالمتعاقد نفسه ما لم يتبين خلاف ذلك من العقد أو من طبيعة المعاملة أو من النصوص النظامية وفقًا للمادة (٩٨) من هذا النظام.
الشرط الثاني: أن يكسب الخلف الخاص حقًّا عينيًّا يتصل بالشيء محل العقد الذي أبطل قبل إبطاله، سواء كان الحق العيني أصليًّا؛ كانتقال ملكية الشيء إليه، أو تبعيًّا؛ كرهنه له. وخرج بهذا الشرط الحق الشخصي.
الشرط الثالث: أن يكسب الخلف الخاص الحق العيني معاوضة؛ فإذا كسب الحق بعقد تبرع؛ كالهبة، فللمتعاقد الذي أبطل عقده أن يسترد العين مجردة من أي حق، أما إذا انتقل الحق إلى الخلف الأول معاوضة ثم انتقل منه إلى خلفه تبرعًا امتنع الاسترداد من هذا الأخير؛ لأن من قبله كسب الحق معاوضة.
الشرط الرابع: أن يكسب الحق بحسن نية؛ وفق ما بينته الفقرة (٢).
وتجدر الإشارة إلى أن حكم الفقرة لا ينطبق على بيع ملك الغير بالنسبة إلى المالك؛ فالبيع غير نافذ في حقه أصلاً، ولا يوصف بأنه باطل ولا قابل للإبطال، فلا أثر لانتقال المبيع إلى خلف المشتري ولو كان حسن النية؛ وفق المادة (٣٥٩) من هذا النظام.
وبينت الفقرة (٢) المراد بالخلف الخاص حسن النية بأنه من يجهل عند التعاقد سبب إبطال عقد سلفه ولم يكن بمقدوره أن يعلم بذلك لو أنه بذل من الحرص ما تقتضيه ظروف الحال من الشخص المعتاد؛ فقيدت الفقرة صفة حسن النية في الخلف بقيدين:
القيد الأول: ألا يعلم سبب الإبطال سواء العلم الفعلي أو المفترض، ويقدر العلم المفترض بما تقتضيه ظروف الحال من حرص الشخص المعتاد لا حرص مثله.
القيد الثاني: أن يكون عدم العلم بسبب الإبطال عند التعاقد، أما لو أبرم العقد جاهلاً بسبب إبطال عقد سلفه ثم علم سبب الإبطال بعد إبرام العقد الذي كسب بموجبه الحق العيني؛ فلا تزول عنه صفة حسن النية.
المادة السابعة والثمانون
تناولت المادة حكم النيابة في التعاقد؛ ويقصد بالنيابة حلول إرادة النائب محل إرادة الأصيل مع انصراف الأثر النظامي لهذه الإرادة إلى شخص الأصيل دون النائب. والتعاقد بالنيابة يختلف عن التعاقد برسول؛ ففي الحالة الأولى يتعاقد النائب معبرًا عن إرادته لا إرادة الأصيل، ولكن أثر هذا التعبير ينصرف إلى الأصيل، بينما في الحالة الثانية يكون التعاقد مع الأصيل، والرسول ما هو إلا وسيلة لنقل إرادة الأصيل.
فقررت الفقرة (١) أن الأصل هو صحة التعاقد بالنيابة؛ فلا يشترط لانعقاد العقد أن يباشره الشخص بنفسه، ويستثنى من ذلك ما دلت النصوص النظامية على عدم صحة التعاقد فيه بالنيابة؛ ومن ذلك منع تعاقد النائب مع نفسه بمقتضى نيابته دون إذن، وفقًا للمادة (٩٣) من هذا النظام.
وبينت الفقرة (٢) أن النيابة في التعاقد بالنسبة إلى المصدر الذي يستمد منه النائب صفة النيابة لا تخلو من أن تكون أحد ثلاثة أنواع:
النوع الأول: النيابة الاتفاقية؛ مثل نيابة الوكيل عن الموكل، فعقد الوكالة هو الذي يقيم بمقتضاه الموكل الوكيل مقام نفسه في تصرُّفٍ نظاميٍّ وفقًا للمادة (٤٨٠) من هذا النظام، وتسري أحكام النيابة في التعاقد على علاقتهما بالغير وفقًا للمادة (٥٠١) من هذا النظام.
النوع الثاني: النيابة القضائية؛ مثل الحارس القضائي الذي تعينه المحكمة وفقًا للمادة (٥١٨) من هذا النظام.
النوع الثالث: النيابة النظامية؛ مثل تولي الأب شؤون القاصر وفقًا للمادة (١٣٧) من نظام الأحوال الشخصية، وإضفاء صفة النيابة على عمل الفضولي وفقًا للمادة (١٥٧) من هذا النظام.
المادة الثامنة والثمانون
بينت المادة أن النائب لا يجوز له أن يتجاوز في تعاقده بالنيابة الحدود التي عينها سند إنشاء النيابة، ويقصد بسند الإنشاء: المصدر الذي استمد منه النائب صفة النيابة، ويشمل الآتي:
أولاً: العقد؛ كعقد الوكالة الذي يعين حدود النيابة الاتفاقية.
ثانيًا: الحكم القضائي، الذي يعين حدود النيابة القضائية بموجب النصوص النظامية؛ كالحكم الصادر بالحراسة الذي يحدد التزامات الحارس وحقوقه وفقًا للمادة (٥٢٠) من هذا النظام.
ثالثًا: النص النظامي، الذي يعين حدود النيابة النظامية؛ كأحكام الولاية المنصوص عليها في نظام الأحوال الشخصية.
وعلى هذا فإذا تجاوز النائب حدود نيابته سواء كان ذلك لمنعه من التصرف أصلاً، أو لاشتراط الإذن وعدم حصوله عليه، أو لخروجه عن مقتضى هذا الإذن، وسواء كان حسن النية أو سيء النية؛ فإن أثر هذا التصرف لا يضاف إلى الأصيل إلا إذا أجازه، فإذا فعل استندت الإجازة بأثر رجعي وعُدَّ تصرف النائب في حدود النيابة؛ فالإجازة اللاحقة للتصرف تعد في حكم الوكالة السابقة له وفقًا للمادة (٤٨٥) من هذا النظام.
ويجب على من يتعامل مع النائب أن يتثبت من نيابته ومن حدودها، وإذا كانت النيابة بالوكالة فله في سبيل ذلك أن يطلب من الوكيل ما يثبت وكالته وحدود هذه الوكالة؛ فإن قصر فإنه يتحمل تبعة تقصيره وفقًا للقواعد العامة.
المادة التاسعة والثمانون
بينت الفقرة (١) أن المعتبر في التعاقد بالنيابة هو شخص النائب لا شخص الأصيل وذلك فيما يتعلق بأمرين:
الأمر الأول: عيوب الرضى؛ فالتعبير الذي يصدر من النائب عند تعاقده إنما يعبر عن إرادته هو لا إرادة الأصيل، وأي عيوب تلحق إرادة النائب فهي المعتبرة؛ كما لو وقع النائب في غلط أو تغرير أو إكراه أو استغلال فإن العقد يكون قابلاً للإبطال، ولا يحتج بأن الأصيل لم يقع في شيء من ذلك، ولو صدر من النائب تغرير أو إكراه تجاه من تعاقد معه فإن إرادته تصبح معيبة ويكون العقد قابلاً للإبطال، وإذا كان التغرير أو الإكراه صادرًا من الأصيل فيؤثر كذلك؛ لأن التغرير والإكراه يعيبان الرضى ولو كانا صادرين من الغير وفقًا للمادة (٦٣) والمادة (٦٧) من هذا النظام، فأولى إذا كانا صادرين من الأصيل، ويعد النائب في هذه الحالة قد اتصل علمه بذلك.
الأمر الثاني: أثر العلم بالأمور التي يختلف فيها حكم العقد بحسب علم المتعاقد بها أو جهله، والمقصود بذلك ما يكون لحسن نية المتعاقد أو سوئها أثر في العقد؛ فإذا تعاقد النائب مع مدين والنائب يجهل إحاطة الدين بأموال المدين ومطالبة الدائنين له فليس للدائن طلب منع نفاذ هذا التصرف في حقه، وأما إذا كان النائب والمدين يعلمان؛ فللدائن أن يطلب منع نفاذ ذلك التصرف ولو كان الأصيل يجهل ذلك.
وأما فيما يتعلق بالأهلية؛ فيختلف الحكم فيها بحسب نوع النيابة، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: النيابة الاتفاقية، فالمعتبر فيها أهلية الأصيل؛ لأن أثر التصرف ينصرف إليه لا إلى النائب؛ فيجب أن تتوفر في الأصيل الأهلية اللازمة لإبرام التصرف محل النيابة وقت صدور الإنابة ووقت إبرام النائب للتصرف، وأما النائب فيكفي أن يكون أهلاً لأن تصدر منه إرادة مستقلة، أي يكون مميزًا، وألا تزول عنه صفة التمييز حتى إبرام التصرف محل النيابة. وعلى هذا؛ يصح أن ينيب كامل الأهلية صغيرًا مميزًا في التبرع عنه، ولا يصح العكس، وإذا كان الوكيل ناقص الأهلية جاز له طلب إبطال عقد الوكالة فلا يرجع الموكل على الوكيل إلا بمقدار ما عاد عليه من منفعة معتبرة بسبب تنفيذ العقد، وفقًا للمادة (٨٣) من هذا النظام.
ثانيًا: النيابة القضائية والنظامية، فالنظام هو الذي يحدد الأهلية المعتبرة فيهما بالنسبة إلى النائب والأصيل، فيجوز أن يكون الأصيل صغيرًا مميزًا أو غير مميز، ويجوز أن يشترط في النائب كمال الأهلية؛ كما في الولي وفقًا للمادة (١٤٠) من نظام الأحوال الشخصية.
وبينت الفقرة (٢) حالة استثنائية من الحكم الذي تضمنته الفقرة (١)، وهي فيما إذا كانت النيابة اتفاقية؛ مثل أن يكون النائب وكيلاً، ووضع له الأصيل تعليمات محددة لإبرام العقد الموكَّل فيه؛ ففي هذه الحالة ليس للأص يل أن يتمسك بجهل نائبه بالظروف الملابسة للعقد التي يؤثر العلم أو الجهل بها في العقد ما دام الأصيل يعلمها أو يفترض علمه بها؛ مثل أن يوكل شخص آخر في شراء شيء معين بالذات والموكل يعلم بعيب فيه، فليس للموكل أن يرجع على البائع بدعوى العيب بحجة جهل نائبه.
المادة التسعون
بينت المادة آثار النيابة في التعاقد، حيث إن التعاقد بالنيابة لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يبين النائب للغير الذي يتعاقد معه أنه يتعاقد باسم الأصيل؛ بأن يصرح باسمه عند التعاقد، أو يستخلص ذلك ضمناً من ظروف الحال.
الحالة الثانية: ألا يبين النائب للغير الذي يتعاقد معه أنه يتعاقد باسم الأصيل لا صراحة ولا ضمناً، وهو ما تناولته المادة (٩١) من هذا النظام.
أما الحالة الأولى؛ فبينت المادة الأثر المترتب عليها وذلك فيما يتعلق بعلاقة الأصيل بالغير الذي تعاقد معه النائب، وهو أن ما ينشأ عن العقد من حقوق والتزامات فإنه يضاف إلى الأصيل، فتنشأ علاقة مباشرة بين الأصيل والغير، ويختفي شخص النائب بينهما؛ فنيابة النائب هي في إنشاء العقد لا في الالتزام بأحكامه؛ وعلى هذا يكسب الأصيل الحقوق التي نشأت له من العقد، وله أن يطالب الغير بها دون حاجة لوساطة النائب، وليس للنائب أن يطالب الغير بتلك الحقوق، إلا إذا ثبتت له النيابة في تنفيذ العقد كما ثبتت له في إبرامه. وفي المقابل؛ فإن الحقوق التي أنشأها العقد للغير تثبت التزامًا في ذمة الأصيل لا النائب، ويحق للغير أن يرجع بها مباشرة على الأصيل.
ويترتب على إضافة أثر العقد إلى الأصيل أنه لو أناب شخصًا في إبرام عقد لا يجوز للأصيل إبرامه؛ كما لو كان الأصيل قاضيًا وأناب غيره في أن يشتري له الحق المتنازع فيه، فإن العقد يكون باطلاً، وفقًا للمادة (٣٥٨) من هذا النظام.
وقد قيدت المادة جميع ذلك بأن يكون تعاقد النائب في حدود نيابته المعينة في سند إنشائها سواء أكان السند عقدًا أم حكمًا قضائيًّا أم نصًّا نظاميًّا، وأما إذا كان تعاقد النائب يتجاوز حدود نيابته فإن أثر العقد لا يضاف إلى الأصيل، ولا يكون نافذًا في حقه وفق ما تضمنته المادة (٨٨) من هذا النظام. وتجدر الإشارة إلى أن تصرف النائب بما هو أنفع للأصيل لا يعدُّ تجاوزًا لحدود النيابة؛ ما لم يكن للأصيل غرضٌ في تحديد النيابة، كما في الوكالة وفقًا للمادة (٤٨٦) من هذا النظام.
ويراعى فيما تضمنه حكم المادة أمران:
الأمر الأول: عدم تحمل النائب الالتزامات التي تنشأ عن العقد لا يعفيه من مسؤولية تحمل خطئه تجاه الأصيل أو الغير أو تجاههما معًا فيما إذا وقع منه تقصير في إبرام العقد.
الأمر الثاني: إذا تواطأ النائب مع الغير في الإضرار بالأصيل فإن ما ينشأ عن العقد لا يضاف إلى الأصيل ولو كان في حدود النيابة؛ لأن الغش يفسد كل شيء، ولأن تصرف النائب وإن كان في حدود النيابة شكلاً إلا أنه مجاوز لها مضمونًا، وإذا كان سند إنشاء النيابة هو العقد؛ فإن من الواجب على النائب نظامًا تنفيذ العقد بحسن نية، فإذا أخل بهذا الواجب رد عليه قصده.
المادة الحادية والتسعون
تناولت المادة بيان آثار النيابة في التعاقد إذا لم يُعلِم النائب من يتعاقد معه وقت إنشاء العقد أنه يتعاقد بصفته نائبًا، أي إن النائب تعاقد باسمه لا باسم الأصيل، وهو ما يعرف ب«الاسم المستعار» أو «النيابة المستترة».
فبينت المادة أنه في هذه الحالة لا ينصرف أثر العقد إلى الأصيل سواء في الحقوق أو الالتزامات؛ فليس للغير الذي تعاقد مع النائب أن يرجع بالحقوق التي نشأت له من العقد على الأصيل، بل يرجع بها على النائب، وليس للأصيل أن يرجع بالحقوق التي أنشأها العقد على الغير، بل النائب هو من له حق المطالبة بها؛ فلا توجد رابطة بين الأصيل والغير في هذه الحالة.
واستثنت المادة من هذا الحكم صورتين:
الصورة الأولى: إذا كان من المفترض أن الغير يعلم بالنيابة، أي إن العلم المفترض في هذه الصورة كالعلم الفعلي. ويكون العلم بالنيابة مفترضًا متى كانت ظروف التعاقد تنبئ عنها، وكان الجهل بها يعزى إلى تقصير المتعاقد.
الصورة الثانية: إذا كان يستوي عند الغير أن يكون تعاقده مع الأصيل أو النائب، ويرجع في تقدير ذلك إلى القضاء؛ فمتى تبين وجود مصلحة للغير في أن يكون تعاقده مع النائب فلا ينصرف أثر العقد إلى الأصيل، أما إذا لم تكن له مصلحة في أن يكون تعاقده مع النائب فينصرف الأثر إلى الأصيل.
والمعيار في ذلك ذاتي لا موضوعي؛ فالمصلحة المعتبرة هي مصلحة ذلك المتعاقد، ومن الأمثلة التي يجزم فيها بعدم وجود مصلحة في أن يكون التعاقد مع النائب: بيع السلعة التي يضمنها البائع مدة معينة، فاستفادة الأصيل من الضمان لا تتوقف على علم البائع بصفة النائب عند الشراء.
وحكم المادة يخص علاقة الأصيل بالغير الذي تعاقد مع النائب، وأما علاقة الأصيل بالنائب فتسري عليها أحكام النيابة؛ ففي الوكالة يرجع الموكل على الوكيل بمقتضى عقد الوكالة المبرم بينهما، فليس للوكيل أن يستأثر لنفسه بآثار ما وكل فيه، كما أن الوكيل يرجع على الموكل بالالتزامات التي أنشأها العقد ما دامت في حدود الوكالة، وتبقى العلاقة مزدوجة فيما بين الأطراف الثلاثة؛ علاقة بين النائب ومن تعاقد معه يحكمها العقد المبرم بينهما، وعلاقة بين النائب والأصيل يحكمها سند إنشاء النيابة؛ ولذا جاء في المادة (٤٩١) من هذا النظام أنه: «لا يجوز لمن وكل في شراء شيء معين بالذات أن يشتريه لنفسه، ويكون الشراء للموكل ولو صرح الوكيل بأنه يشتريه لنفسه»، فالوكيل المستتر لا يختلف في علاقته مع موكله عن الوكيل الظاهر، فلا فرق بينهما من حيث التزامات الوكيل ومسؤوليته تجاه موكله وعدم استئثاره بالصفقة التي أبرمها دونه.
المادة الثانية والتسعون
بينت المادة أن النيابة تنتج أثرها في حق الأصيل ويضاف العقد إليه على الرغم من انتهاء النيابة؛ وذلك في حال ما إذا انتهت النيابة وتم التعاقد وكان كل من النائب والمتعاقد معه يجهلان انتهاءها؛ كأن يموت الأصيل دون علم النائب بموته، أو يعزل الأصيل النائب دون أن يعلمه بذلك.
أما إذا كان النائب أو من تعاقد معه أو كلاهما يعلم بانتهاء النيابة، أو كان جهله بانتهائها بتقصير منه، أو كانت النيابة لأجل، وأبرم العقد بعد انتهاء أجلها، فإن العقد لا يضاف إلى الأصيل؛ أخذًا بالعلم المفترض.
وقيدت المادة جهل النائب والمتعاقد معه انتهاء النيابة بكونه عند التعاقد؛ فالمعتبر هو جهلهما عند التعاقد أو قبله، بحيث لو أبرما العقد وهما يجهلان انتهاء النيابة ثم علما بانتهائها بعد إبرام العقد؛ فيضاف العقد إلى الأصيل.
وتجدر الإشارة إلى أن حكم المادة يعد استثناء من المادة (٨٨) والمادة (٩٠) من هذا النظام المتضمنتين أنه ليس للنائب أن يتجاوز حدود نيابته المعيَّنة في سند إنشائها، وأن أثر العقد لا يضاف إلى الأصيل إلا إذا كان تعاقد النائب في حدود نيابته، سواء من حيث الزمان أو المكان أو محل العقد أو طبيعته أو غير ذلك.
المادة الثالثة والتسعون
تناولت المادة حكم تعاقد النائب مع نفسه بمقتضى نيابته، وبينت أن تعاقد النائب مع نفسه متصور في حالتين:
الحالة الأولى: أن يتعاقد شخص بمقتضى نيابته مع نفسه لحساب نفسه، أي يكون أصيلاً في إحدى جهتي التعاقد ونائبًا في الجهة الأخرى؛ كأن يتوكل شخص في بيع مالٍ فيشتريه لنفسه.
الحالة الثانية: أن يتعاقد شخص بمقتضى نيابته مع نفسه لحساب غيره، أي يكون نائبًا عن الطرفين في آن واحد؛ كأن يتوكل شخص في بيع مالٍ فيشتريه لشخص آخر وكله في الشراء.
فالمادة منعت تعاقد النائب مع نفسه بمقتضى نيابته في كلتا الحالتين إذا لم يوجد إذن له بذلك التعاقد، سواء كان الإذن من الأصيل نفسه، أو بموجب نص نظامي، أو بإذن من المحكمة يستند إلى نص نظامي؛ كما لو كان النائب وصيًّا في مال قاصر وأذنت المحكمة له بالتعاقد مع نفسه.
والجزاء المترتب على مخالفة حكم المادة هو عدم نفاذ تصرف النائب في حق الأصيل، فيعد النائب بذلك متجاوزًا حدود النيابة؛ باعتبار أن المنع يستند إلى قرينة نظامية هي أن الأصيل عندما أناب غيره ولم يأذن له بالتعاقد مع نفسه لم يقصد التوسع في هذه النيابة إلى الحد الذي يبيح للنائب أن يتعاقد مع نفسه أصيلاً أو نائبًا عن شخص آخر.
وأوضحت المادة أن للأصيل أن يجيز تعاقد النائب؛ وإذا أجازه نفذ العقد في حق الأصيل، وهذه الإجازة كغيرها من الإجازات تصرف نظامي من جانب واحد، لا تتوقف على قبول النائب، وتصح صراحة أو ضمناً، ويستند أثرها إلى وقت التعاقد لا وقت صدور الإجازة.
ومن تطبيقات المادة ما تضمنته المادة (٣٥٦) والمادة (٣٥٧) من هذا النظام في منع شراء النائب لنفسه ما عهد إليه بيعه إذا لم يكن مأذونًا له بذلك، وأن للأصيل أن يجيز البيع.
المادة الرابعة والتسعون
قررت الفقرة (١) أن العقد متى انعقد صحيحًا مستوفيًا أركانه المبينة في الفرع الأول من هذا الفصل وشروط اعتبار كل ركن منها، فإنه يكون ملزمًا لأطرافه بتنفيذه؛ ولا يجوز لأي أحد نقضه ولا تعديله إلا باتفاق أطراف التعاقد أو بمقتضى نص نظامي. والنقض يشمل أي تصرف ينحل به العقد، سواء كان بالإبطال أو الفسخ أو الإنهاء.
ووفقًا لما قررته الفقرة فالحالتان اللتان يجوز فيهما نقض العقد أو تعديله هما:
الحالة الأولى: أن يكون ذلك بالتراضي، أي اتفاق المتعاقدين على إلغاء العقد -أي الإقالة- أو اتفاقهما على تعديله، ويعد التعديل تعاقدًا جديدًا بالشروط المعدلة.
ويجوز أن يتفق المتعاقدان عند التعاقد على أن يكون لأحدهما أو كليهما الحق في العدول عن العقد أو فسخه؛ كما في التعاقد بالعربون، أو لو تضمن عقد الإيجار شرطاً يخول المستأجر إنهاء العقد قبل انقضاء مدته.
الحالة الثانية: أن يكون ذلك بمقتضى نص نظامي؛ وهذه الحالة تشمل نوعين من الأسباب النظامية لنقض العقد أو تعديله:
النوع الأول: أن يجعل النظام لأحد المتعاقدين أو كليهما الحق في نقض العقد أو تعديل ما تضمنه من التزامات بإرادته المنفردة؛ مثل حق الموكل في عزل وكيله أو تقييد وكالته متى أراد إلا إذا كانت صادرة لصالح الوكيل أو لصالح الغير، وفقًا للمادة (٥٠٣) من هذا النظام.
النوع الثاني: أن يجعل النظام للمحكمة نقض العقد أو تعديله؛ فمن الأسباب النظامية التي تخول المحكمة تعديل العقد: تعديل شروط عقد الإذعان إذا تضمن شروطاً تعسفية وفقًا للمادة (٩٦) من هذا النظام.
وبينت الفقرة (٢) أن العقد متى انعقد صحيحًا فتترتب آثاره؛ ومن ذلك الآتي:
أولاً: ثبوت الحقوق لكل طرف على الآخر، وهي في الوقت ذاته التزامات على كل طرف لصالح الآخر، وذلك فور انعقاد العقد، أما متى ينعقد العقد وينشأ فقد بينته المادة (٣١) من هذا النظام.
والأصل في العقود أنها رضائية لا تتوقف على القبض أو شكل معين؛ فبيع المعين بالذات يرتب انتقال ملكية المبيع من البائع إلى المشتري فور انعقاد البيع ولو لم يتم التسليم، وفقًا للمادة (٣١٨) والمادة (٦٥٦) من هذا النظام.
ويستثنى من ذلك ما نص النظام على أن القبض شرط لانعقاده؛ كالقرض والإعارة والإيداع بلا أجر وفقًا للمادة (٣٨٣) والمادة (٤٥٢) والمادة (٥٠٨) من هذا النظام، أو اشترط النظام شكلاً معيناً لانعقاده؛ كاشتراط كتابة عقد تأسيس الشركة وفقًا للمادة (٨) من نظام الشركات.
ثانيًا: وجوب وفاء المتعاقدين بما أوجبه العقد عليهما وتنفيذهما الالتزامات فور انعقاده، ما لم يكن الالتزام معلقًا على شرط وفقًا للمادة (١٩٧) من هذا النظام، أو مضافًا إلى أجل وفقًا للمادة (٢٠٤) من هذا النظام.
المادة الخامسة والتسعون
أوجبت الفقرة (١) تنفيذ العقد في جميع ما اشتمل عليه بحسن نية، سواء فيما يتعلق بتعيين مضمونه أو كيفية تنفيذه، ولا يختص ذلك بعقد دون عقد؛ بل هو شامل لكل العقود.
وحسن النية في التنفيذ أمر زائد على مجرد التنفيذ؛ فثم متطلبات في العقد لا تمكن الإحاطة بها في مبانيه وألفاظه، وإنما يقتضيها حسن النية في التنفيذ؛ فمن حسن النية: في البيع أن يبادر المشتري إلى إعلام البائع بدعوى استحقاق المبيع وفقًا للمادة (٣٣١) من هذا النظام، وفي الإيجار ألا يمنع المستأجر المؤجر من القيام بالإصلاحات الضرورية لحفظ المأجور وفقًا للمادة (٤٣٤) من هذا النظام، وفي الوكالة أن يتابع الوكيل القيام بالأعمال التي بدأها حتى يبلغ مرحلة لا يخشى معها ضرر على الموكل وفقًا للمادة (٥٠٥) من هذا النظام.
وبهذا فإن تنفيذ العقد بحسن نية واجب بقوة النظام وإن لم يشترطه المتعاقد في العقد؛ فكما أن النظام منع التغرير عند إبرام العقد وجعل للمغرر به حق الإبطال وفقًا للمادة (٦٢) من هذا النظام، فقد منع كذلك الغش عند التنفيذ وجعل المتعاقد مسؤولاً عن عدم التنفيذ بحسن نية.
وبينت الفقرة (٢) المعيار في تحديد النطاق الذي أوجبت الفقرة (١) تنفيذه بحسن نية، وتحديد نطاق العقد يختلف عن تفسير العقد الوارد في المادة (١٠٤) من هذا النظام؛ لأن تفسير العقد يهدف إلى الكشف عن إرادة المتعاقدين، أما تحديد نطاق العقد فيهدف إلى تحديد ما ورد في العقد، وما هو من مستلزمات العقد.
فبينت الفقرة أن تنفيذ العقد لا يقتصر على الإلزام فقط بما اتجهت إليه الإرادة المشتركة للمتعاقدين، بل يضاف إلى ذلك ما هو من مستلزمات العقد، وقد أوردت الفقرة -لا على سبيل الحصر- عددًا من العوامل التي تسترشد بها المحكمة في تحديد نطاق العقد؛ وهذه العوامل هي:
أولاً: النظام؛ فالقواعد النظامية المكملة تعين المحكمة على تحديد ما سكت عنه المتعاقدان، فتحمل إرادتهما حال السكوت على ما افترضه النظام من أحكام؛ مثل تحديد مكان تسليم المبيع ووقته ومكان أداء الثمن ووقته، وضمان الاستحقاق والعيب، كل هذه الأحكام إذا سكت عنها المتعاقدان تحددت وفقًا للقواعد النظامية المكملة؛ على اعتبار أن هذه القواعد مكملة لإرادتهما وليست من النظام العام فيجوز لهما الاتفاق على مخالفتها.
ثانيًا: العرف؛ فما جرى عليه العرف يعدُّ من العوامل التي تعين المحكمة على تحديد نطاق العقد؛ فالمعروف عرفًا كالمشروط شرطاً، وفقًا للقاعدة الكلية الواردة في المادة (٧٢٠) من هذا النظام، فتضاف إلى العقد الشروط التي جرى العرف على إضافتها إليه وإن لم ينص عليها، ولكن إذا اتفق المتعاقدان على خلاف الشرط المتعارف عليه فالشرط المتفق عليه هو الذي يعمل به.
ثالثًا: طبيعة العقد؛ فطبيعة العقد توجب على المحكمة أن تستكمل نطاق العقد بحسب تلك الطبيعة وما تقتضيه؛ مثل البيع فهو يقتضي تسليم ملحقات المبيع وما اتصل به اتصال قرار وكل ما هو من توابعه ولو لم يذكر في العقد وفقًا للمادة (٣٢٢) من هذا النظام، فبيع السيارة يشمل كل الأدوات اللازمة لتسييرها.
وتجدر الإشارة إلى أن مما هو مشمول ضمن نطاق العقد ما عدَّه النظام جزءًا من العقد؛ كالاتفاق الإطاري وفقًا للمادة (٤٥) من هذا النظام، والإحالة في العقد إلى وثيقة أخرى وفقًا للمادة (٤٦) من هذا النظام.
المادة السادسة والتسعون
تناولت المادة أحكام تعديل عقد الإذعان إذا تضمن شروطاً تعسفيةً، وعقد الإذعان يقتصر القبول فيه على مجرد التسليم بتلك الشروط المقررة التي يضعها الموجب ولا يقبل مناقشة فيها وفقًا للمادة (٤٠) من هذا النظام.
والأصل أن العقد الذي أبرمه المتعاقدان بإرادتهما ملزم لهما وليس للمحكمة أن تعدل عليه بداعي تحقيق العدالة؛ إلا أن المادة جاءت استثناءً من هذا الأصل، فجعلت للمحكمة تعديل عقد الإذعان وفقًا لما تقتضيه العدالة.
وينحصر نطاق التعديل في الشروط التي يثبت تعسفها، وذلك متى أدى الشرط إلى تفاوت جسيم بين حقوق طرفي العقد والتزاماتهما المتقابلة، على نحو يضر بالطرف المُذْعِن، من غير أن يكون لهذا التفاوت مبرر مقبول. ومن صور ذلك أن يتضمن الشرط فرض التزامات على الطرف المُذعِن لا صلة لها بموضوع العقد ولا تحقق أي مصلحة مشروعة فيه، مع ترتيب إعفاء المتعاقد الآخر من التزاماته التعاقدية على الإخلال بأي منها. ويراعى في تقدير التعسف الظروف التي أبرم فيها العقد، ومجموع الحقوق والالتزامات الناشئة عنه؛ فلا يقدر التعسف في الشرط بمعزل عن سائر أحكام العقد.
ومتى ثبت للمحكمة التعسف في الشرط، وجب عليها أن تتدرج في إزالة أثره، مع المحافظة قدر الإمكان على بقاء العقد وفقًا لما اتجهت إليه إرادة الطرفين، إعمالاً لمقتضى المادة (٩٤) من هذا النظام. فإذا تعلق الشرط بمقدار الالتزام أو مدته أو نطاقه، وأمكن رفع التعسف بتعديله دون إعفاء الطرف المُذْعِن منه، تعين تعديله بالقدر الذي يرد التفاوت بين حقوق الطرفين والتزاماتهما إلى حد مقبول. وتستعين المحكمة بخبير في تحديد هذا القدر عند الاقتضاء.
أما إذا تعذر رفع التعسف في الشرط بطريق التعديل، بأن لم يكن من الممكن إزالة أثره التعسفي بمجرد تخفيض الالتزام أو تضييق نطاقه فإنه يجوز للمحكمة إعفاء الطرف المُذْعِن من الشرط كليًّا أو جزئيًّا، بالقدر الذي يرد التفاوت بين حقوق الطرفين والتزاماتهما إلى حد مقبول.
وتحقيقًا للضمانات اللازمة للمتقاضين، واستحضارًا لكون تعديل ما توافقت عليه إرادة المتعاقدين طبقًا لهذه المادة يعد ضمن الحالات المستثناة من مبدأ القوة الملزمة للعقود وفقًا للمادة (٩٤) من هذا النظام؛ يتعين على المحكمة أن تبين في حكمها الأسس التي استندت إليها في اعتبار العقد عقد إذعان، والوقائع التي استخلصت منها التعسف في الشرط محل الفحص. وتوضح المحكمة في الحالة التي تعدل فيها الشرط وجه التعديل ومقداره، والجزء الذي استبعدته أو خفضته، والأساس الذي اعتمدت عليه في الوصول إلى القدر العادل. وإذا انتهت إلى إعفاء الطرف المُذْعِن من الشرط كليًّا أو جزئيًّا، بينت أسباب تعذر رفع التعسف بطريق التعديل، ومسوغات الإعفاء ونطاقه. وعليها في جميع الأحوال أن تبين الوسائل التي اعتمدتها في تحديد الحد المقبول.
ثم بينت المادة أن الحكم الوارد فيها يعدُّ من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على خلافه؛ فليس للمتعاقدين أن يتفقا على أنه ليس للمحكمة تعديل الشروط التعسفية أو الإعفاء منها، وأي اتفاق على ذلك يقع باطلاً بطلانًا مطلقًا، وأثر هذا أنه يجوز لكل ذي مصلحة التمسك ببطلان هذا الاتفاق، وللمحكمة أن تقضي ببطلانه من تلقاء نفسها، وفقًا للمادة (٨١) من هذا النظام.
وتجدر الإشارة إلى أن الطرف المُذْعِن يتمتَّع بحمايةٍ نظاميةٍ أُخرى؛ فالأصل في تفسير العقود أن الشك يُفسر لمصلحة من يتحمل عبء الالتزام أو الشرط إلا في عقود الإذعان فإنه يُفسر لمصلحة الطرف المُذْعِن، وفقًا للمادة (١٠٤) من هذا النظام.
المادة السابعة والتسعون
تناولت المادة نظرية «الظروف الاستثنائية العامة» أو «الظروف الطارئة» ببيان شروطها وأثرها وحكم الاتفاق على خلافها، وهي من الحالات التي جعل فيها النظام للمحكمة تعديل العقد برد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إذا لم يُتوصل إلى اتِّفاقٍ بين الطرفين خلال مدَّةٍ معقولةٍ.
وبينت الفقرة (١) عددًا من شروط تطبيق هذه النظرية، وهي خمسة شروط:
الشرط الأول: أن يكون تنفيذ العقد متراخيًا؛ لأن طروء ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد يستلزم وجود فاصل زمني بين إبرام العقد وتنفيذه، فيشمل ذلك العقود الزمنية، وهي العقود التي يكون الزمن عنصرًا جوهريًّا فيها إما لطبيعتها؛ كعقود المدة مثل عقد الإيجار وعقد العمل، وإما لاتفاق المتعاقدين؛ كعقود التنفيذ الدوري مثل عقد التوريد، كما يشمل العقود الفورية بطبيعتها إذا كان التنفيذ متراخيًا بالاتفاق إلى أجل أو آجال معينة؛ مثل البيع إذا كان الثمن مؤجلاً أو مقسَّطاً، وكذلك إذا كان العقد فوريًّا ولم يكن التنفيذ متراخيًا، وطرأ الظرف فور إبرام العقد، وهي حالة تكاد تكون نادرة.
الشرط الثاني: ألا يكون تراخي التنفيذ راجعًا إلى خطأ المدين؛ إذ إن ترتب الإرهاق في هذه الحالة لم يكن بسبب طروء الظرف وحده، بل أسهم تأخير المدين في ذلك، فيتحمل تبعة خطئه.
الشرط الثالث: أن تطرأ بعد إبرام العقد ظروف استثنائية عامة؛ فهذا الشرط يتضمن أمرين:
الأمر الأول: أن تكون الظروف استثنائية، أي خارجة عن المألوف أو نادرة الوقوع؛ مثل الحروب والزلازل وانتشار الأوبئة وارتفاع الأسعار أو هبوطها بصورة فاحشة. ويراعى في تقدير الاستثنائية زمانُ الظرف ومكانه؛ فما يعدُّ استثنائيًّا في زمان أو مكان قد لا يعدُّ كذلك في غيرهما.
الأمر الثاني: أن تكون الظروف عامة، أي شاملة لطائفة من الناس، لا أن تكون قاصرة على المدين؛ كإفلاسه أو حريق متجره.
الشرط الرابع: ألا يكون في الوسع توقع هذه الظروف وقت التعاقد؛ ومعيار ذلك ألا يكون في مقدور الشخص المعتاد توقعها لو وجد في ظروف ذلك المدين وقت التعاقد دون اعتبار لما استقر في ذهن المدين حينها، وأما ما هو متوقع أو يمكن توقعه؛ مثل اختلاف سعر صرف العملة، فلا ينطبق عليه حكم المادة.
ويجب كذلك ألا يكون في الوسع دفع هذه الظروف، وأما ما يمكن دفعه؛ مثل الفيضان الذي في المقدور تفاديه ببذل الجهد المعقول، فلا ينطبق عليه حكم المادة.
الشرط الخامس: أن تجعل هذه الظروف تنفيذ الالتزام مرهقًا للمدين لا مستحيلاً، وأما إذا كان مستحيلاً فتطبق أحكام القوة القاهرة. والإرهاق الذي يعتدُّ به هو الإرهاق الشديد الذي يهدد المدين بخسارة فادحة تخرج عن المألوف في التعامل، ويقدر الإرهاق بالنظر إلى الصفقة التي أبرم العقد بشأنها فتنسب إليها وحدها الخسارة التي تصيب المدين دون النظر إلى وضعه المالي عمومًا؛ فالإرهاق معياره موضوعي لا شخصي.
ويقع عبء إثبات توفر شروط تطبيق هذه النظرية على المدين، ويجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات باعتبارها وقائع مادية.
وبينت الفقرة الأثر المترتب على الظروف الاستثنائية العامة، وهو أن يكون للمدين -قبل أن يطلب من المحكمة رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول- دعوة الطرف الآخر للتفاوض، وذلك دون تأخر غير مبرر، فالتأخر عن التفاوض بغير مبرر مؤشر على عدم وجود ظرف استثنائي يستدعي التدخل من المحكمة، علاوة على أن الاستعجال في التفاوض يتيح للأطراف سرعة الوصول إلى المعالجة قبل تفاقم الخسارة.
والتفاوض بين الطرفين يكون خلال مدة معقولة تحددها طبيعة العقد، وجسامة الظرف، وسرعة تفاقم آثاره، على أنه لا يلزم من الشروع في التفاوض أن يتوصل الطرفان إلى نتيجة.
ويتقرر من ذلك أن دعوة الطرف الآخر للتفاوض مرحلة لازمة قبل الذهاب إلى المحكمة؛ فتقديم الطلب إلى المحكمة ابتداءً من غير دعوة سابقة للتفاوض يعدُّ سابقًا لأوانه.
وبينت الفقرة (٢) أن دعوة الطرف الآخر للتفاوض لا تسوغ للمدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه بناء على طلب التفاوض، سواء أجابه الطرف الآخر للتفاوض أو لم يجبه.
وبينت الفقرة (٣) الأثر المترتب على عدم توصل الطرفين في التفاوض إلى اتفاق خلال مدة معقولة، وفي حكمه إذا رفض الطرف الآخر التفاوض أو مضت مدة معقولة من غير رد منه، وهو أن يكون للمحكمة رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول؛ وقد يكون ذلك بأي مما يأتي:
أولاً: وقف تنفيذ الالتزام إلى حين زوال الظرف، وذلك إذا كان الظرف وقتيًّا والدائن لا يلحقه ضرر جسيم نتيجة هذا الوقف؛ مثل أن يتعاقد مقاول على إقامة مبنى، ثم ترتفع أسعار بعض المواد ارتفاعًا فاحشًا لظرف استثنائي ولكنه يوشك أن يزول لقرب إمكان الاستيراد، فللمحكمة أن توقف التزام المقاول بالتسليم في الموعد المتفق عليه حتى يتمكن من تنفيذ التزامه دون إرهاق.
ثانيًا: زيادة الالتزام المقابل للالتزام المرهق، بحيث يتحمل المدين الزيادة المألوفة، وتُقسَّم الزيادة غير المألوفة بين الطرفين؛ مثل أن يتعهد شخص بتوريد كمية من القمح بسعر ثلاثة ريالات للكيلوجرام، ثم يرتفع السعر إلى تسعة ريالات لظرف استثنائي، وكانت الزيادة المألوفة في سعر القمح ريالاً واحدًا؛ فهذه الزيادة يتحملها المدين، وما زاد على ذلك وقدره خمسة ريالات يعد زيادة غير مألوفة وهذه تُقسَّم بين الطرفين، فيكون للمحكمة أن ترفع السعر إلى خمسة ريالات ونصف. ويراعى في ذلك أن الدائن يبقى مخيرًا بين قبول هذه الزيادة أو فسخ العقد.
ثالثًا: إنقاص الالتزام المرهق، بحيث يتحمل المدين زيادة العبء المألوفة، وتُقسَّم الزيادة غير المألوفة في العبء بين الطرفين؛ مثل أن يتعاقد شخص على توريد كمية من المواد، ثم ترتفع أسعارها ارتفاعًا فاحشًا لظرف استثنائي، فللمحكمة أن تنقص الكمية التي التزم بها المدين وذلك حتى ترد الالتزام إلى الحد المعقول.
وقد تجمع المحكمة بين إنقاص الالتزام المرهق وزيادة الالتزام المقابل له، وفي هاتين الحالتين ترد المحكمة الالتزام إلى الحد المعقول بالنسبة إلى الوقت الذي وجد أثناءه أثر الظرف الاستثنائي دون النظر إلى المستقبل غير المعلوم، فقد يزول أثر هذا الظرف ومن ثَمَّ تعود القوة الملزمة بكاملها إلى العقد. ويستثنى من أثر التعديل الالتزامات التي تم الوفاء بها قبل نشوء الظرف الاستثنائي.
ونصت الفقرة على معيار مهم عند قيام المحكمة بذلك وهو الموازنة بين مصلحة الطرفين، بالإضافة إلى مراعاة ظروف العقد، وطبيعة الظرف الاستثنائي وأثره، مع بيان أسباب ذلك في حكمها.
وكقاعدة عامة لم تجعل المادة للمحكمة فسخ العقد بناء على طلب المدين في حال الظروف الاستثنائية العامة، ويستثنى من هذه القاعدة ما ورد فيه نص نظامي خاص، ومن ذلك عقد المقاولة وفقًا للمادة (٤٧١) من هذا النظام؛ فقد يكون من مصلحة المتعاقدين إنهاء العلاقة بينهما. كما لم تجعل المادة للمحكمة إعفاء المدين من التزامه بالكلية.
ويراعى أن تطبيق أحكام المادة لا يكون إلا بناء على طلب من المدين؛ فلا يسوغ للمحكمة تطبيقها من تلقاء نفسها، كما تتقيد عند التعديل بحدود طلب المدين فلا تجاوز مقدار التعديل المطلوب، ولها اختيار الوسيلة المناسبة ضمن نطاقه.
وبينت الفقرة (٤) أن جميع ما قررته المادة من أحكام يعد من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق مقدمًا على خلافه، وأي اتفاق على خلاف ذلك يقع باطلاً بطلانًا مطلقًا، وأثر هذا أنه يجوز لكل ذي مصلحة التمسك ببطلان هذا الاتفاق، وللمحكمة أن تقضي ببطلانه من تلقاء نفسها، وفقًا للمادة (٨١) من هذا النظام.
التفريق بين الظرف الاستثنائي العام والقوة القاهرة:
تظهر أهم الفروق بين الظرف الاستثنائي العام والقوة القاهرة التي تم تناولها وتقرير أحكامها في المادة (١١٠) من هذا النظام فيما يأتي:
الفرق الأول: أن الظرف الاستثنائي يجب أن يكون عامًّا شاملاً، بينما قد تكون القوة القاهرة أمرًا عامًّا وقد تكون خاصة بالمدين في العقد القائم على الاعتبار الشخصي.
الفرق الثاني: أن الظرف الاستثنائي العام يترتب على حدوثه أن يصير تنفيذ الالتزام التعاقدي مرهقًا للمدين، أما القوة القاهرة فهي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً لا مجرد كونه مرهقًا.
الفرق الثالث: أن الأثر المترتب على الظرف الاستثنائي العام هو أن يكون للمدين الحق في دعوة الطرف الآخر للتفاوض وإذا لم يُتوصل إلى اتِّفاقٍ فللمحكمة أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويعدُّ ذلك من النظام العام، أما الأثر المترتب على القوة القاهرة فهو انقضاء الالتزام والالتزام المقابل له، وانفساخ العقد من تلقاء نفسه إذا كانت الاستحالة كلية، وإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى الالتزام في ذلك الجزء وما يقابله فقط، وفقًا للمادة (١١٠) من هذا النظام، ويجوز الاتفاق على أن يتحمل المدين تبعة القوة القاهرة وفقًا للمادة (١٧٤) من هذا النظام.
التفريق بين الظرف الاستثنائي العام والعذر الطارئ:
تظهر أهم الفروق بين الظرف الاستثنائي العام والعذر الطارئ الذي تتأثر به عدد من العقود فيما يأتي:
الفرق الأول: أن الظرف الاستثنائي يجب أن يكون عامًّا شاملاً، أما العذر الطارئ فهو حدث متعلق بالمتعاقد وبتنفيذه للعقد؛ مثل حريق متجره واضطراب أعماله.
الفرق الثاني: أن الأثر المترتب على الظرف الاستثنائي العام هو أن يكون للمدين الحق في دعوة الطرف الآخر للتفاوض وإذا لم يُتوصل إلى اتِّفاقٍ فللمحكمة أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، بينما لا يترتب على العذر الطارئ أثر على العقد باستثناء ما ورد فيه نص نظامي؛ مثل نص المادة (٤٤٢) والمادة (٤٧٦) والمادة (٥٧٧) من هذا النظام على تأثر ثلاثة عقود به، وهي الإيجار والمقاولة والمشاركة الزراعية بالنسبة للعامل، فرتبت على العذر الطارئ في هذه العقود حق المتعاقد في أن يطلب من المحكمة فسخ العقد، على أن يتحمل الضرر الذي يصيب المتعاقد الآخر بسبب الفسخ، وليس للمحكمة في العذر الطارئ سلطة تعديل العقد.
الفرق الثالث: أن ما قررته المادة من أحكام فيما يتعلق بالظرف الاستثنائي العام يعدُّ من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على خلافه، أما العذر الطارئ فإنه يجوز الاتفاق على خلاف ما قررته المواد من أحكام بشأنه؛ فالعذر الطارئ يختص بالمتعاقد وليس من النظام العام.
المادة الثامنة والتسعون
بينت الفقرة (١) أن آثار العقد لا تقتصر على المتعاقدين بأشخاصهم بل تتعداهم إلى الخلف العام، فيسري في حقه ما يسري على السلف في شأن العقد، ويقصد بالخلف العام من تؤول إليه كل حقوق السلف والتزاماته أو نسبة معينة منها؛ مثل الوارث والموصى له بحصة شائعة من التركة.
وتجب مراعاة الأحكام الخاصة بالإرث؛ ومن ذلك أن قسمة ما يبقى من التركة على الورثة تكون بعد قضاء الديون على الميت وفقًا للمادة (١٩٨) من نظام الأحوال الشخصية، ومقتضى ذلك أن الالتزام يبقى على التركة ولا ينتقل إلى ذمة الوارث.
وأوضحت الفقرة أن هذا الأصل يرد عليه عدد من الحالات المستثناة، وهي:
الحالة الأولى: أن يتبين من العقد أن أثره لا ينصرف إلى الخلف العام؛ مثل أن يمنح البائع المشتري أجلاً لأداء الثمن على ألا ينتقل هذا الحق للورثة فيحل الثمن بموت المشتري، أو يشترط أحد المتعاقدين انفساخ عقد الإيجار في حال الموت.
الحالة الثانية: أن يتبين من طبيعة المعاملة أن أثر العقد لا ينصرف إلى الخلف العام؛ كأن يكون العقد قائمًا على الاعتبار الشخصي؛ مثل التعاقد مع محامٍ أو طبيبٍ للقيام بأعمال تتعلق بمهنته، ومن ذلك انفساخ عقد المقاولة بموت المقاول إذا كان العقد قد أبرم بناءً على اعتبارات تتعلق بشخصه وفقًا للمادة (٤٧٨) من هذا النظام.
الحالة الثالثة: أن يتبين من النصوص النظامية أن أثر العقد لا ينصرف إلى الخلف العام؛ مثل انتهاء عقود الوكالة والشركة والمضاربة بموت المتعاقد؛ وفقًا للمادة (٥٠٢) والمادة (٥٤٧) والمادة (٥٦٥) من هذا النظام.
ويعدُّ الوارث من الغير فيما يتعلق بتصرفات المورث المضافة لما بعد الموت إذا لم تتقيد بالحدود التي فرضها النظام؛ وعلى هذا لا ينصرف إليه أثر هذه التصرفات؛ فلا ينفذ في حق الورثة تصرف المريض مرض الموت تبرعًا أو معاوضة بمحاباة لوارث وذلك في قدر المحاباة أو فيما زاد على ثلث التركة من التبرع أو قدر المحاباة ولو لغير وارث، وكذا الوصية بذلك، وفقًا للمادة (٦٤٧) من هذا النظام، والمادة (١٧٩) والمادة (١٩٠) من نظام الأحوال الشخصية.
وبينت الفقرة (٢) أثر العقد فيما يتعلق بالخلف الخاص، ويقصد بالخلف الخاص: من يكسب من سلفه حقًّا عينيًّا على شيء معين؛ مثل المشتري والموهوب له والمرتهن والمنتفع في حق الانتفاع، وقد يكون ذلك الشيء الذي كسبه هو ذاته حقًّا شخصيًّا؛ كما هو الشأن في الحوالة، فيكون المحال له خلفًا للمحيل، أما من يترتب له حق شخصي في ذمة شخص آخر فلا يكون خلفًا خاصًّا له بل دائناً له؛ كالمقرض مع المقترض.
وعلى هذا فإذا أبرم السلف عقدًا رتب التزامات وحقوقًا شخصية تتعلق بالشيء الذي انتقل إلى الخلف الخاص، فتنتقل تلك الالتزامات والحقوق إلى الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه ذلك الشيء، بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون العقد الذي أبرمه السلف سابقًا على انتقال ذلك الشيء إلى الخلف، أما إذا كان العقد لاحقًا لانتقال ذلك الشيء إلى الخلف فلا ينصرف أثره إليه؛ كالبائع الذي يؤجر العقار المبيع بعد انتقال ملكيته إلى المشتري، فلا ينصرف أثر عقد الإيجار إلى المشتري.
الشرط الثاني: أن تكون تلك الالتزامات والحقوق من مستلزمات ذلك الشيء، ويتحقق ذلك:
أولاً: في الالتزامات؛ بأن تكون محددة لذلك الشيء، أي مقيدة للانتفاع به؛ مثل الارتفاقات العينية على الشيء، والالتزامات التي تقيد من الانتفاع بالمال؛ كبيع أرض مع شرط عدم البناء عليها.
وأما إذا لم تكن الالتزامات محددة للشيء فإنها لا تنتقل معه؛ فلا تنتقل:
أ-الالتزامات التي لا تقيد الشيء؛ مثل أن يبيع شخص أرضًا كان قد تعاقد مع مقاول للبناء عليها، فلا ينتقل الالتزام على البائع تجاه المقاول إلى المشتري.
ب-الالتزامات التي روعيت فيها شخصية السلف؛ مثل أن يهب شخص لآخر عيناً بشرط أن ينفق عليه أو يخدمه، فلا ينتقل هذا الالتزام مع العين عند بيعها.
ثانيًا: في الحقوق؛ بأن تكون مكملة لذلك الشيء؛ كالحقوق الشخصية التي تقوي الشيء أو تدرأ الخطر عنه مثل عقود التأمين.
وأما إذا لم تكن الحقوق مكملة للشيء فإنها لا تنتقل معه؛ فلا تنتقل:
أ-الحقوق التي لا تقوي الشيء أو تدرأ الخطر عنه؛ مثل أن يتعاقد السلف مع مقاول للبناء على الأرض التي انتقلت إلى الخلف، فلا ينتقل هذا الحق مع الأرض.
ب-الحقوق التي روعيت فيها شخصية السلف.
الشرط الثالث: علم الخلف الخاص بالالتزامات والحقوق السالفة وقت انتقال الشيء إليه، ويجب تحقق العلم الفعلي فلا يكفي العلم المفترض، ويغني عن العلم التسجيل أو القيد في الحقوق العينية ذات السجل المنتظم.
ومن تطبيقات انتقال الالتزامات والحقوق إلى الخلف الخاص ما تضمنته المادة (٤٢٨) من هذا النظام في صحة بيع المأجور محملاً بعقد الإيجار، ولا يؤثر ذلك في حقوق المستأجر.
المادة التاسعة والتسعون
بينت المادة أن القوة الملزمة للعقد تقوم على مبدأ نسبية أثر العقد بالنسبة إلى الأشخاص؛ فلا ينصرف أثره من حيث قوته الملزمة لغير المتعاقدين وخلفهما العام أو الخاص، وعلى هذا؛ فالعقد الذي يبرمه أحد الشركاء على الشيوع مع الغير، والصلح الذي يجريه أحد المدينين المتضامنين مع الدائن إذا تضمن التزامًا جديدًا على الباقين، كل ذلك لا ينفذ في حق البقية.
غير أنه يجوز الخروج عن هذا المبدأ بإرادة طرفيه في شقه الإيجابي وهو إنشاء الحق دون شقه السلبي وهو تقرير الالتزام؛ فليس للمتعاقدين أن يرتبا باتفاقهما التزامًا في ذمة الغير، وإن كان لهما أن يشترطا حقًّا لمصلحة الغير وفق المادة (١٠١) من هذا النظام.
وتجدر الإشارة إلى أن الخلف قد يكون أيضًا من الغير، ففي هذه الحالة لا ينصرف أثر العقد إليه شأنه شأن الغير الأجنبي عن العقد أصلاً؛ كالخلف العام إذا كان تصرف المورث المضاف لما بعد الموت خارج الحدود التي فرضها النظام، وكالخلف الخاص إذا لم تتوفر في الالتزام أو الحق الناشئ عن العقد الشروط الواجبة لانتقاله إليه، وفق ما هو مبين في المادة (٩٨) من هذا النظام.
المادة المائة
تناولت المادة أحكام التعهد عن الغير، وهو أن يتعهد شخص بأن يجعل الغير يلتزم بأمرٍ؛ كأن يبيع شريك على الشيوع المال الشائع ويتعهد للمشتري بموافقة شريكه على البيع.
ويجب لقيام التعهد عن الغير أن تتوفر فيه ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يلتزم المتعهِّد باسمه لا باسم الغير، أي دون أن يدعي نيابته عن الغير.
الشرط الثاني: أن يكون موضوع الالتزام هو قبول الغير بالعقد الذي يرغبه المتعهد له، وهو التزام بتحقيق غاية لا ببذل عناية.
الشرط الثالث: أن يقصد المتعهد أن يلزم نفسه بتعهده لا أن يلزم الغير، فإن قصد إلزام الغير كان العقد باطلاً؛ لاستحالة الالتزام الناشئ عنه.
وبينت الفقرة (١) أن التعهد عن الغير لا يُلزم به ذلك الغير المتعهد عنه؛ فهو أجنبي عن العقد، وله في ذلك حالتان:
الحالة الأولى: قبول التعهد، وهو ما بينته الفقرة (٢)، والقبول كما يكون صريحًا، قد يكون ضمنيًّا؛ كأن يقوم المتعهد عنه بتنفيذ التعهد، فإذا قبل المتعهد عنه إبرام العقد محل التعهد اعتبر عقد التعهد -بين المتعهد والمتعهد له- إيجابًا، وقبول المتعهد عنه لهذا الإيجاب قبولاً، ونشأ عقد جديد طرفاه المتعهد له من طرف والمتعهد عنه من الطرف الآخر.
وقبول المتعهد عنه لا يكون له أثر رجعي، فيعد العقد قد تم في تاريخ صدور القبول لا في تاريخ التعهد، ما لم يتبين أنه قصد صراحة أو ضمناً أن يستند أثر قبوله إلى الوقت الذي صدر فيه التعهد، ومتى قبل المتعهد عنه التعهد فإنه يكون مديناً مباشرة للمتعهد له لا على أساس التعهد الذي قطعه المتعهد، بل بناء على العقد الجديد الذي نشأ بقبول المتعهد عنه التعهد.
الحالة الثانية: رفض التعهد، وهو ما بينته الفقرة (٣)، فإذا رفض المتعهد عنه ذلك التعهد فلا يترتب في ذمته أي التزام، ولكن تقوم مسؤولية المتعهد بتعويض المتعهد له إن وجد مقتض لذلك، وللمتعهد التخلص من التعويض بأن يقوم بتنفيذ الالتزام الذي تعهد به إن كان ذلك ممكناً، وليس للمتعهد له إلزامه بتنفيذ الالتزام إلا إذا رغب هو في ذلك ولم تكن شخصية المتعهد عنه محل اعتبار.
المادة الأولى بعد المائة
نظمت المادة أحكام الاشتراط لمصلحة الغير، وفيه يتعاقد طرفان أحدهما المشترط -وهو يتعاقد باسمه- والآخر المتعهد، في تنفيذ المتعهد التزامات لمصلحة الغير وهو المنتفع، دون أن يكون المنتفع طرفًا في العقد المبرم بين المشترط والمتعهد.
ومن تطبيقات الاشتراط لمصلحة الغير: عقد التأمين التعاوني الصحي الذي يبرمه صاحب العمل لمصلحة عماله، وعقد تأمين الحماية التعاوني الذي يبرمه الشخص لمصلحة أقارب معينين له في حال وفاته أو عجزه كليًّا، وعقد المقاولة -ولا سيما مع الدولة- إذا شرط فيه صاحب العمل على المقاول شروطاً لمصلحة عماله كوضع حد أدنى للأجور أو التعويضات، وبيع المتجر إذا شرط البائع على المشتري أن يبقي العمال وألا ينقص أجورهم.
وبينت الفقرة (١) أن الاشتراط لمصلحة الغير يجب أن تتوفر فيه ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يتعاقد المشترط باسمه لا باسم المنتفع، فلا يكون المنتفع طرفًا في العقد، وبذا يتميز الاشتراط لمصلحة الغير عن النيابة.
الشرط الثاني: أن يشترط المشترط حقًَّا مباشرًا للمنتفع تجاه المتعهد، أما إذا كسب المنتفع الحق بطريق غير مباشر فلا يعد هذا اشتراطاً لمصلحة الغير؛ مثل عقد التأمين على المسؤولية عن الضرر الذي يحدثه الشخص على الغير، أو الحق الذي يكسبه المنتفع بطريق الحوالة، أو ينتقل إليه بالاستخلاف.
الشرط الثالث: أن يكون للمشترط مصلحة شخصية، وبذا يتميز الاشتراط لمصلحة الغير عن الفضالة، وهذه المصلحة الشخصية قد تكون:
أولاً: مصلحة مادية؛ مثل اشتراط البائع على المشتري أن يدفع الثمن لدائن البائع.
ثانيًا: مصلحة أدبية؛ مثل عقد تأمين الحماية لمصلحة الأولاد.
وبينت الفقرة (٢) الأثر المترتب على الاشتراط لمصلحة الغير، ففضلاً عن أن العلاقة التي تربط المشترط بالمتعهد، والعلاقة التي تربط المشترط بالمنتفع تحكمهما القواعد العامة شأنهما شأن أي عقد آخر؛ إلا أن ما يميز الاشتراط لمصلحة الغير هو أنه يُكسِبَ المنتفع -مع أنه ليس طرفًا في العقد- حقًّا مباشرًا تجاه المتعهد، ومن ثم يستطيع المنتفع أن يطالب المتعهد بوفائه بدعوى مباشرة، ويكون المنتفع دائناً للمتعهد شأنه في ذلك شأن بقية الدائنين، وفي المقابل لا يدخل هذا الحق في الضمان العام لدائني المشترط وليس لهم التنفيذ عليه.
والحق الذي يكسبه المنتفع مصدره عقد الاشتراط ويثبت له من ذلك الوقت لا من وقت قبوله لما اشتُرط له، ويترتب على ذلك عدد من الأحكام، منها:
أولاً: أن للمتعاقدين -المشترط والمتعهد- أن يكيِّفا هذا الحق وفقًا لما يتفقان عليه؛ كأن يجعل المشترط له وحده حق مطالبة المتعهد بتنفيذ التزامه تجاه المنتفع، أو يتفقا على جعل حق المنتفع قابلاً للنقض أو غير قابل للنقض.
ثانيًا: أن للمتعهد أن يتمسك تجاه المنتفع بالدفوع التي تنشأ عن العقد؛ كالإبطال والبطلان والفسخ.
ثالثًا: أنه لا يؤثر في صحة الاشتراط فقد المتعهد أهليته بعد عقد الاشتراط وقبل إعلان المنتفع قبوله لما اشتُرط له.
وبينت الفقرة (٣) أنه يجوز للمشترط أن يطالب المتعهد بتنفيذ ما اشترط لمصلحة المنتفع، وأن يرفع دعوى مباشرة باسمه، ولو لم يكن ذلك منصوصًا عليه في العقد؛ فالمصلحة الشخصية التي تكون للمشترط في تنفيذ هذا الاشتراط تخوله رفع الدعوى والمطالبة بنفسه، بل يجوز أن يشترط أن يكون له وحده حق مطالبة المتعهد بتنفيذ ما اشترط لمصلحة المنتفع؛ كأن تشترط جهة الإدارة في عقد احتكار شروطاً لمصلحة الجمهور وتحتفظ لنفسها وحدها بالحق في المطالبة بتنفيذ هذه الشروط.
المادة الثانية بعد المائة
بينت الفقرة (١) أن حق المنتفع الذي يكسبه بموجب عقد الاشتراط لمصلحة الغير قابل للنقض من قبل المشترط وحده، فله أن ينقض الاشتراط، أو أن يحل منتفعًا آخر محل الأول، أو أن يحول المنفعة لنفسه.
وحق النقض حق شخصي ليس للدائنين استعماله باسم المدين، ولا ينتقل إلى الورثة؛ فلو مات المشترط دون أن ينقض الحق فليس للورثة نقضه ولو لم يصدر القبول من المنتفع.
ويسقط حق النقض في حالتين:
الحالة الأولى: أن يُعلم المنتفعُ المتعهدَ أو المشترطَ قبوله لما اشتُرط له، فيكفي لثبوت الحق له أن يعلم أيًّا منهما ولا يلزم أن يعلمهما جميعًا، وهذا القبول ليس قبولاً لإيجاب معروض عليه، ولا ينشأ به عقد، بل هو تثبيت لحقه بموجب عقد الاشتراط.
ويعد القبول تصرفًا نظاميًّا بإرادة منفردة، فلا يتوقف على موافقة الطرف الآخر، ويشترط له أهلية المنتفع للتعاقد عند القبول، ويصح أن يكون صريحًا أو ضمنيًّا، ولا يشترط له شكل أو وضع معين؛ فلو كانت العلاقة بين المشترط والمنتفع تبرعًا فيصح القبول من دون استيفاء الشكل المعين لانعقاد الهبة وفقًا للمادة (٣٦٨) من هذا النظام؛ لأنها هبة غير مباشرة فلا يشترط لها استيفاء الشكل كما هو الشأن في عقد الهبة.
وإذا رفض المنتفع الاشتراط صراحةً أو ضمناً، فإن المنفعة تتحول للمشترط أو ورثته، وللمشترط أن يحل منتفعًا آخر محل الأول.
الحالة الثانية: أن يكون النقض مضرًّا بمصلحة المتعهد.
وحيث إن مصدر الحق الذي كسبه المنتفع هو عقد الاشتراط، فللمشترط والمتعهد أن يكيِّفا هذا الحق وفق ما يتفقان عليه ولو كان على خلاف ما قررته الفقرة التي تعد من القواعد المكملة وليست من النظام العام؛ فيجوز لهما الاتفاق عند العقد على:
١.نزول المشترط بالكلية عن حقه في نقض اشتراطه؛ ومن ثم فلا يكون له الحق لا في نقضه ولا أن يحل نفسه أو منتفعًا آخر محل الأول.
٢.أن يكون حق النقض للمتعهد وحده، على أن يحل محل المنتفع المشترط أو منتفعًا آخر؛ لئلا يتحلل المتعهد من التزامه متى ما أراد.
٣.أن يكون النقض بموافقة الطرفين؛ المشترط والمتعهد.
٤.أن يحتفظ المشترط بحقه في النقض أو إحلال منتفع آخر حتى بعد قبول المنتفع لما اشترط له أو تعارض ذلك مع مصلحة المتعهد؛
فقبول المنتفع لا يمنع من النقض إذا كان مشروطاً ولو كان العقد بين المشترط والمنتفع تبرعًا، وقبول المتعهد أن يكون للمشترط وحده حق النقض ولو تعارض مع مصلحة المتعهد لا يمنع أيضًا من صحة هذا الشرط؛ لأن ذلك يعد نزولاً من المتعهد عن حقه.
وبينت الفقرة (٢) أن نقض الاشتراط لا يترتب عليه براءة ذمة المتعهد تجاه المشترط، ما لم يبرئ المشترطُ المتعهد من اشتراطه صراحة أو ضمناً، سواء كان هذا الإبراء عند نقض الاشتراط، أو باتفاقهما عند العقد على أنه متى نقض الاشتراط برأت ذمة المتعهد.
وعلى هذا إذا نقض المشترط حق المنتفع ولم يُحل منتفعًا آخر ولم يبرئ المتعهد أو يتفقا عند العقد على أن النقض يبرئه فإن الحق ينصرف إلى المشترط نفسه، ويعدُّ الحق ثابتًا له من حين العقد لا من حين النقض، ويكون العقد كأي عقد عادي لا ينصرف أثره إلا إلى طرفيه؛ ولا يعدُّ الحق قد انتقل إليه من المنتفع الذي حلَّ محله بل هو متقرر له بعقد الاشتراط، ويجوز للمشترط كذلك بعد أن ينقض الاشتراط ويصرفه إلى نفسه أن يحل محله منتفعًا آخر، وكل ذلك ما لم يوجد اتفاق بين المشترط والمتعهد على خلافه.
المادة الثالثة بعد المائة
بينت المادة أنه يجوز في الاشتراط لمصلحة الغير ما يأتي:
أولاً: أن يكون المنتفع شخصًا مستقبلاً، فلا يشترط أن يكون موجودًا وقت العقد، سواء كان شخصًا ذا صفة اعتبارية أو طبيعية؛ مثل أن يبرم شخص مع شركة تأمين تعاوني عقد تأمين حماية لأولاده من كان منهم موجودًا أو يولد لاحقًا، بحيث يدفع اشتراكات التأمين وفي حال وفاته أو عجزه كليًّا وتحقُّقِ شروط التعويض تدفع الشركة مبلغ التأمين للموجود منهم في حينه، ومثل أن يبرم طرفان عقدًا ويشترط أحدهما على الآخر أن يوفر لمن سيعملون لدى الآخر -أي المتعهد- تأميناً صحيًّا أو تأمين إصابة عمل.
ثانيًا: أن يكون المنتفع شخصًا غير معين وقت العقد إذا كان من الممكن تعيينه عند الوفاء بالالتزام المشترط، سواء كان شخصًا ذا صفة اعتبارية أو طبيعية؛ كأن يكون الاشتراط لمصلحة أوائل الخريجين في كلية من الكليات، فهؤلاء غير معينين وقت الاشتراط قابلون للتعيين فيما بعد بنتيجة الاختبار.
المادة الرابعة بعد المائة
تضمنت المادة ثلاث قواعد نظامية، وحالات تطبيق كل قاعدة منها على النحو الآتي:
الحالة الأولى: أن تكون عبارة العقد واضحة:
بينت الفقرة (١) القاعدة النظامية لهذه الحالة؛ فإذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الخروج عن مدلولها بحجة تفسيرها بحثًا عن إرادة المتعاقدين، ولا تكون المحكمة بحاجة في هذه الحالة إلى تسبيب حكمها بأكثر من أن تبين أن هذا هو المعنى الواضح الذي يعبر عن مقصود المتعاقدين.
والمقصود بوضوح العبارة، أي وضوح دلالتها على إرادتهما وليس المراد وضوح لفظها؛ فلو تبين للمحكمة أن النية المشتركة لهما تخالف مدلول العبارة التي استعملاها، بأن لم يتخير المتعاقدان اللفظ المعبر عن قصدهما، أو أحاطت بعبارتهما الواضحة ملابسات ترجح حملها على معنى مغاير؛ فإن المحكمة تحملها على المعنى المشترك لهما، ويجب في هذه الحالة أن تذكر الأسباب التي دعتها إلى ترك معنى العبارة الظاهر.
الحالة الثانية: أن تكون عبارة العقد غير واضحة ومن الممكن تفسيرها:
بينت الفقرة (٢) القاعدة النظامية لهذه الحالة؛ فإذا كان في عبارة العقد غموضٌ وكان هناك محل لتفسيرها، فيجب تفسيرها بالبحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين دون الاكتفاء بالمعنى الحرفي للألفاظ.
وقد بينت الفقرة عددًا من الوسائل -لا على سبيل الحصر- تستعين بها المحكمة في تفسير العقد للوصول إلى النية المشتركة للمتعاقدين، وهذه الوسائل تنقسم قسمين:
القسم الأول: وسائل داخلية؛ أي من العقد ذاته، وذكرت الفقرة منها:
أولاً: ظروف العقد، مما يكون قد سبقه أو عاصره من مفاهمات واتفاقات تتصل بموضوع العقد، وما ينبغي أن يسود من أمانة وثقة بين المتعاقدين؛ فالأمانة واجبة على المتعاقد، والثقة حق له، فإذا كان هناك إيهام في التعبير أو لبس واستطاع أن يتبينه أو كان بمقدوره ذلك فالأمانة تقتضي ألا يستغل هذا الإيهام أو اللبس، والثقة تقتضي أن الشخص يطمئن إلى العبارة الموجهة إليه بحسب ظاهرها وأن المعنى الظاهر منها هو ما قصده الموجب؛ وعلى هذا تحمل عبارات العقد على أنها قائمة على أساس الأمانة والثقة فيما بينهما.
ثانيًا: طبيعة المعاملة، من حيث كونها بيعًا أو إيجارًا أو قرضًا أو مضاربة أو غير ذلك، فتستعين بها المحكمة في تحديد مراد المتعاقدين من العبارات المحتملة؛ باعتبار أن المتعاقدين حين لم يصرحا بإرادتهما فقد قصدا أن يتركا العقد محكومًا بما تقتضيه طبيعته.
وتستعين المحكمة كذلك بالقواعد الكلية في التفسير؛ فإذا احتملت عبارة العقد أكثر من معنى وكان أحد هذه المعاني هو الذي ينتج أثرًا نظاميًّا حملت العبارة على هذا المعنى؛ تطبيقًا لقاعدة: «إعمال الكلام أولى من إهماله»، وإذا تعذر إعمال الكلام بأي وجه من الوجوه فإنه يهمل ويعدُّ لغوًا؛ إعمالاً للقاعدة: «إذا تعذر إعمال الكلام يُهمل»، ويحمل اللفظ على المعنى الذي وضع له أصلاً، فلا يصار إلى المعنى المجازي البعيد إلا إذا وجد ما يخرج اللفظ عن حقيقته؛ تطبيقًا لقاعدة:
«الأصل في الكلام الحقيقة».
القسم الثاني: وسائل خارجية؛ أي خارج العقد، وذكرت الفقرة منها:
أولاً: العرف، أي إن العقد يطبق وفقًا لما يقتضيه العرف المستقر في التعامل؛ فالمفترض أن المتعاقدين عالمان به، فتحمل إرادتهما عليه إذا لم يصرحا بخلافه، فإذا كانت عبارة العقد مبهمة فيستعان بالعرف في تفسيرها. ويراعى في الرجوع إلى العرف ألا يكون مخالفًا للنظام.
ثانيًا: ما جرت به عادة التعامل بين المتعاقدين وحالهما، فتكون العادة مفسرة لإرادة المتعاقدين المبهمة؛ باعتبار أن جريان عادة التعامل بينهما على نحو معين قرينة قوية على أنهما قصداه فيما سكتا عن التصريح بخلافه؛ مثل أن يتفقا على الأجرة دون تحديد مكان أدائها، وتقضي القواعد العامة في هذه الحالة -وفقًا للمادة (٢٧٧) من هذا النظام- بأن تؤدى الأجرة في مكان نشوء الالتزام، ولكن المستأجر اعتاد أن يؤديها في محل المؤجر، فيحمل ذلك على أنهما قصدا الأداء في هذا المحل.
والفرق بين العرف والعادة أن العرف هو الأمر المتكرر الذي اعتاده الناس واستقر عليه التعامل فيما بينهم، وقد يكون عامًّا بين الناس أو خاصًّا بفئة أو منطقة معينة. أما العادة فالمراد بها العادة الجارية بين طرفي التعامل، وتسمى كذلك «العادة الاتفاقية»؛ فهي أخص من العرف في كونها محصورةً بين المتعاقدين. ويقدم العرف الخاص على العرف العام، كما تقدم العادة الجارية بين طرفين على العرف.
ثم أوضحت الفقرة أنه يراعى في تفسير العقد أن تُفسِّر شروط العقد بعضها بعضًا، وذلك بأن يعطى كل شرط المعنى الذي لا يتعارض به مع غيره من الشروط؛ فشروط العقد يكمل بعضها بعضًا؛ وعليه يجب أن يراعى في تفسير كل شرط ما تضمنه العقد من شروط أخرى مبينة أو مقيدة لهذا الشرط.
الحالة الثالثة: الشك في عبارة العقد:
بينت الفقرة (٣) القاعدة النظامية لحالة الشك في التعرف على النية المشتركة للمتعاقدين؛ بأن تحتمل العبارة معاني متعددة لا مرجح لأحدها على الآخر، ففي هذه الحالة يفسر الشك لمصلحة من يتحمل عبء الالتزام أو الشرط؛ وعلى هذا:
١.يفسر الشك في التزام على المدين لمصلحة هذا المدين؛ مثل أن يلتزم المدين بإنشاء طرق معينة دون الاتفاق على كيفية إنشائها وصيانتها، فيكون للمدين أن يتبع في تنفيذ التزامه ما هو أصلح له وأقل كلفة عليه.
٢.يفسر الشك في شرط من الشروط لمصلحة من يتحمل عبء ذلك الشرط، سواء كان في مركز الدائن أو المدين في الالتزام؛ ومن ذلك الشك في الشروط المعدلة للمسؤولية العقدية.
واستثنت الفقرة في تطبيق هذه القاعدة ما إذا كان العقد عقد إذعان، فيفسر الشك عند وقوعه لمصلحة الطرف المُذعِن؛ باعتبار أن الطرف الآخر هو من صاغ العقد ووضع شروطه فيتحمل تبعة غموض بعض عباراته وقيام الشك حولها، بينما المُذعن -وهو الطرف الأضعف- سواء كان دائناً أو مديناً فإنه يقتصر قبوله على مجرد التسليم بالشروط التي وضعها الطرف الآخر وفقًا للمادة (٤٠) من هذا النظام.
وتجدر الإشارة إلى التمييز بين حالة غموض العقد أو الشك فيه مع إمكان تفسيره وبين الحالة التي يستحيل فيها على المحكمة تفسير العقد مهما كان جانب الشك فيه، بحيث يتبين لها عدم وجود نية مشتركة للمتعاقدين التقيا عندها، بل أراد كل منهما غير ما أراده الآخر، فهنا يتبين عدم انعقاد العقد.
المادة الخامسة بعد المائة
تناولت المادة أول سبب من أسباب فسخ العقد، وهو الإقالة، وهي اتفاق الطرفين بعد إبرام العقد وقبل انقضائه على إلغائه؛ مثل أن يتفق البائع والمشتري بعد إبرام العقد وقبل التنفيذ على إلغاء العقد.
فبينت المادة جواز اتفاق المتعاقدين على الإقالة، وأنه تسري عليها الشروط والأحكام العامة للعقد؛ فيشترط لها رضى المتعاقدين، وأهلية التعاقد، وإذا شابها عيب في الرضى فتكون قابلة للإبطال، وتنعقد بإيجاب وقبول صراحة أو ضمناً، ويشترط تطابق الإيجاب والقبول واتصالهما عرفًا، ولمن عرض الإقالة على الطرف الآخر أن يعدل عنها ما لم يصدر منه القبول.
وحيث إن الإقالة تستند إلى تراضي المتعاقدين؛ فيصح اتفاقهما على الإقالة بمثل العوض الأول أو أقل منه أو أكثر، وبمثل شروط العقد الأول أو بتعديل فيها، وفي جميع ما وقع عليه العقد أو في بعضه.
ويترتب على الإقالة من حيث الأصل الأثر الرجعي للفسخ، فيعود المتعاقدان إلى حالهما قبل التعاقد، ما لم يتفقا أو يتبين من ظروف المعاملة توافق إرادتيهما على ألا يكون لها أثر رجعي.
وسواء كان للإقالة أثر رجعي أو لم يكن فإنها لا تؤثر في حقوق الغير، فليس للمتعاقد أن يحتج بالإقالة تجاه الخلف الخاص للمتعاقد الآخر إذا كسب حقًّا عينيًّا بحسن نية.
المادة السادسة بعد المائة
تناولت المادة سببًا ثانيًا من أسباب فسخ العقد، وهو خيار الشرط؛ فبينت الفقرة (١) جواز اتفاق المتعاقدين عند العقد على أن يكون لأحدهما أو لهما جميعًا أو لغيرهما حق الخيار في العدول عن العقد خلال مدة معينة، ولكن يشترط لصحة العدول إعلام المتعاقد الآخر في المدة المحددة للخيار، وبناءً عليه؛ فلا يترتب أي أثر على العدول ما لم يع لم به المتعاقد الآخر.
وقررت الفقرة أن هذا العدول يعد فسخًا للعقد؛ والمراد أنه تترتب عليه آثار الفسخ من حيث زوال العقد بأثر رجعي وعود المتعاقدين إلى ما كانا عليه قبل التعاقد، وليس المراد اشتراط الإعذار أو اشتراط وقوع الإخلال للعدول.
ثم بينت الفقرة أن المتعاقدين إذا اتفقا على الخيار ولم يحددا مدته؛ فلا يترتب على ذلك بطلان العقد، بل العقد صحيح، وتتحدد المدة بحسب العرف وظروف العقد، فإذا اختلفا في تحديدها وفقًا لذلك تولت المحكمة تحديدها.
ويتضح من الفقرة أن مدة خيار الشرط لا تتقيد بحد معين، فيجوز الاتفاق على أي مدة ولو طالت.
وحددت الفقرة (٢) حالتين يسقط فيهما خيار الشرط:
الحالة الأولى: أن يصدر ممن له الخيار ما يدل على إسقاط حقه في الخيار، سواء كان ذلك بتعبير صريح، أو بتعبير ضمني.
الحالة الثانية: أن تمضي مدة الخيار دون أن يختار من له الخيار العدول؛ فيسقط حقه في العدول عن العقد، ويكون العقد باتًّا.
ثم بينت الفقرة أنه إذا كان الخيار للمتعاقدين فلا يترتب على سقوط خيار أحدهما سقوط خيار الآخر، ما لم يقتض العقد أو العرف خلاف ذلك، فالأصل استقلال حق كل واحد من المتعاقدين عن الآخر.
ومن أحكام خيار الشرط أنه:
١.لا يتقيد بالعقود الفورية؛ كالبيع، بل يصح كذلك في العقود الزمنية؛
كالإيجار، ولا يكون للعدول فيها أثر رجعي، ولا يتقيد كذلك بالعقود الرضائية، بل يصح حتى في العقود الشكلية والعينية، فإثبات حق العدول لا يمنع من الانعقاد.
٢.يعد خيار الشرط التزامًا معلقًا على شرط فاسخ لا واقف، أي إن العقد يكون نافذًا من حين إبرامه، ومتى اختار من له الخيار العدول زال العقد بأثر رجعي، ولزم الدائن رد ما أخذه، أي إن أثر الفسخ يستند إلى الوقت الذي نشأ فيه العقد إلا إذا تبين من إرادة المتعاقدين أو من طبيعة العقد أن أثر الفسخ إنما يكون في الوقت الذي تحقق فيه العدول.
وحكم المادة ليس من النظام العام، فلو تبين من ظروف التعاقد توجه إرادة المتعاقدين إلى أن نفاذ العقد معلق على قبول من له الخيار؛ فيصح، ويكون العقد معلقًا على شرط واقف، وهو قبول من له الخيار.
وتجدر الإشارة إلى أن ما تضمنته المادة من أحكام لا ينطبق على الأحكام النظامية المقررة في نصوص خاصة تمنح حق إلغاء العقد أو الانسحاب منه خلال مدد معينة؛ فحق الإلغاء أو الانسحاب هناك مصدره تلك الأحكام النظامية بخلاف خيار الشرط فإن مصدره اتفاق المتعاقدين.
التفريق بين خيار الشرط والعربون:
يختلف خيار الشرط عن العربون؛ ففي العربون لا يزول العقد عند العدول بأثر رجعي ولا يعود المتعاقدان إلى حالهما عند العقد؛ إذ ليس لدافع العربون إذا عدل أن يسترد مبلغ العربون وفقًا للمادة (٤٤) من هذا النظام، بخلاف العدول في خيار الشرط.
ومما يختلف به أيضًا خيار الشرط عن العربون أن سكوت من له الخيار إلى مضي مدة الخيار يعدُّ مسقطاً لخياره في العدول ويكون العقد في حقه باتًّا، بينما سكوت دافع العربون حتى مضي مدة العدول يعدُّ عدولاً منه عن العقد وفقًا للمادة (٤٤) من هذا النظام.
التفريق بين خيار الشرط والشرط الفاسخ للإخلال بالالتزام:
يختلف خيار الشرط عن الشرط الفاسخ في حال الإخلال بالالتزام الوارد في المادة (١٠٨) من هذا النظام؛ فالغرض من هذا الأخير أن يكون للدائن حق الفسخ في حال إخلال المدين بالتزاماته دون حاجة إلى حكم قضائي، بينما الغرض من خيار الشرط تروي المتعاقد والتأني قبل أن يكون العقد باتًّا ولازمًا في حقه، ولا علاقة لهذا الخيار بالإخلال، فلمن له الخيار أن يعدل عن العقد بمحض إرادته ولو لم يقع إخلال من الطرف الآخر.
المادة السابعة بعد المائة
تناولت المادة الفسخ القضائي للإخلال بالالتزام؛ فللمحكمة أن توقع الفسخ ولو لم يتضمن العقد شرطاً فاسخًا متى توفرت شروط الفسخ القضائي.
ويشترط لإيقاع الفسخ القضائي الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون العقد من العقود الملزمة للجانبين؛ أما العقود الملزمة لجانب واحد كالهبة غير المشروطة فلا يرد عليها الفسخ؛ لأن طرفًا واحدًا هو الملتزم، فإذا لم يقم بتنفيذ التزامه فليس للطرف الآخر أي مصلحة في طلب الفسخ؛ إذ ليس في ذمته أي التزام يتحلل منه بالفسخ، بل مصلحته في أن يطلب تنفيذ العقد.
الشرط الثاني: إخلال أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه الناشئ عن العقد، سواء كان الإخلال كليًّا أو جزئيًّا، ومن ذلك أن يكون التنفيذ معيبًا؛ وعلى هذا لا محل للفسخ إذا لم يكن ناشئًا عن إخلال، ومن ذلك الآتي:
أ-إذا كان عدم التنفيذ راجعًا إلى حق مشروع للمتعاقد؛ كحقه في الدفع بعدم التنفيذ وفقًا للمادة (١١٤) من هذا النظام.
ب-إذا كان عدم التنفيذ لاستحالته بسبب لا يد للمدين فيه، بل ينفسخ العقد من تلقاء نفسه وفقًا للمادة (١١٠) من هذا النظام، وإذا أصبح التنفيذ مستحيلاً بسبب خطأ المدين فلا ينفسخ العقد من تلقاء نفسه، بل يظل قائمًا وللدائن أن يطلب إما التنفيذ بطريق التعويض على أساس المسؤولية العقدية أو فسخ العقد جزاء إخلال المدين بالتزامه مع المطالبة بالتعويض.
الشرط الثالث: عدم تقصير طالب الفسخ بتنفيذ التزامه، بأن يكون قد نفذه فعلاً أو أنه مستعد لتنفيذه.
الشرط الرابع: قدرة طالب الفسخ على إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل التعاقد إذا حكم بالفسخ؛ فإذا كان قد تسلم شيئًا من المتعاقد المخل ولا يستطيع رده فإنه لا يجوز له طلب الفسخ.
الشرط الخامس: إعذار المتعاقد المخل وفق ما بينته المادة (١٧٧) من هذا النظام، والمقصود بالإعذار وضع المتعاقد المخل نظامًا في موضع المقصر في تنفيذ التزامه، ويكفي فيه دعوته إلى الوفاء بالالتزام، ولا يلزم أن يتضمن تهديده بطلب الفسخ في حال عدم الوفاء؛ لأن الفسخ جزاء يرتبه النظام إذا تحقق شرطه وليس بلازم أن ينبه إليه المتعاقد المخل.
ولا يشترط الإعذار إذا اتفق الطرفان على الإعفاء منه، أو توفرت إحدى الحالات المبينة في المادة (١٧٦) من هذا النظام.
الشرط السادس: أن يكون الجزء الذي حصل فيه الإخلال جوهريًّا بالنسبة إلى مجموع الالتزام، فإذا لم يوجد في العقد شرط فاسخ فيما حصل فيه الإخلال فلا يجوز إيقاع الفسخ إذا كان هذا الإخلال قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام، وتقصر المحكمة حق المتعاقد الآخر على التعويض إن كان له مقتض.
الشرط السابع: أن يطلب المتعاقد الآخر إيقاع الفسخ، ولا يكون ذلك إلا برفع دعوى يطلب فيها الفسخ، ويثبت هذا الحق له أو لمن يحل محله من الخلف العام أو الخاص أو المحال له أو الموفي مع حق الحلول كما يثبت للدائن بالدعوى غير المباشرة.
ويترتب على ذلك أن للمتعاقد المخل أن يتوقى الفسخ بالوفاء بالتزامه قبل صدور الحكم النهائي، سواء أعذر به أو لم يعذر، وذلك ما لم يتبين للمحكمة أن هذا الوفاء المتأخر مما يضار به المتعاقد الآخر.
وللمتعاقد الآخر بعد رفع دعوى الفسخ أن يعدل قبل الحكم إلى طلب التنفيذ العيني، كما أن له إذا رفع دعوى بالتنفيذ العيني أن يعدل إلى طلب الفسخ ما لم يكن قد نزل عن الحق في الفسخ صراحة أو ضمناً؛ كأن يجري المشتري إصلاحات في العقار الذي اشتراه فينزل بذلك ضمناً عن حقه في طلب فسخ البيع، ولا يعدُّ مجرد رفعه دعوى بالتنفيذ العيني عدل فيها إلى طلب الفسخ نزولاً عن طلب الفسخ.
وللمحكمة الحكم بالفسخ، ولها قبل ذلك أن تُنظر المدين في حالات استثنائية إلى أجل معقولٍ يُنفذ فيه التزامه إذا استدعت حالته ذلك ولم يلحق الدائن من هذا التأجيل ضررٌ جسيمٌ، وفق ما قررته المادة (٢٧٥) من هذا النظام.
وتتقادم دعوى الفسخ وفقًا للمادة (٢٩٥) من هذا النظام بانقضاء عشر سنوات من قيام الحق بطلب الفسخ، أي من وقت عدم التنفيذ أو من وقت الإعذار إذا كان واجبًا. كما أن لدعوى الفسخ تقادم قصير وفقًا للمادة (٣٢٣) والمادة (٣٤٤) من هذا النظام.
وإذا توفرت هذه الشروط فللمحكمة أن تصدر حكمها بالفسخ، وهذا ما يميز الفسخ القضائي عن الفسخ الاتفاقي، ففي الفسخ القضائي لا يقع الفسخ إلا بحكم المحكمة، وهو يكون منشئًا للفسخ وليس مقررًا له.
وللمحكمة الحكم بالتنفيذ؛ إما لطلب المتعاقد الآخر التنفيذ، أو لرفض دعوى الفسخ، كما أن لها مع الحكم بالفسخ أو بالتنفيذ إلزام المتعاقد المخل بالتعويض إن كان له مقتضٍ؛ ففي حال الحكم بالفسخ وكان مرده خطأ أحد المتعاقدين، فإن هذا المتعاقد لا يلزم برد ما حصل عليه فقط بل يلزم فوق ذلك بتعويض المتعاقد الآخر عما لحقه من ضرر نتيجة هذا الخطأ، وفي حال الحكم بالتنفيذ فلها أن تلزم المتعاقد المخل بتعويض المتعاقد الآخر عما لحقه من ضرر بسبب هذا الإخلال.
وتجدر الإشارة إلى أنه بناء على ما قررته المادة -وهي الأصل في الفسخ القضائي- فمتى جعل نص نظامي للمتعاقد الحق في طلب الفسخ؛ فعلى المحكمة التحقق من كون ما لم يوف به المتعاقد المخل جوهريًّا؛ كأن يتضح لها تعمده الإخلال، وإلا فإنها ترفض طلب الفسخ، كما أن النص على حق المتعاقد في طلب الفسخ لا ينفي حقه في طلب التنفيذ، وذلك كله ما لم ينص النظام في حال معينة على خلافه.
المادة الثامنة بعد المائة
تناولت المادة الفسخ الاتفاقي، أي الفسخ بمقتضى الشرط الفاسخ، وهو أن يتفق المتعاقدان على أن يكون للدائن حق فسخ العقد عند إخلال المدين بالتزاماته دون حاجة إلى حكم قضائي، وفي هذه الحالة يقع الفسخ باختيار الدائن له، ولا يلزم أن ترفع به دعوى؛ إذ هو ينتج أثره بمجرد تحقق الشرط، وإذا اقتضى الأمر لجوء الدائن إلى القضاء لاستصدار حكم بالفسخ فإن حكم المحكمة يكون مقررًا للفسخ لا منشئًا له.
ويشترط للفسخ الاتفاقي الشروط المشتركة مع الفسخ القضائي المذكورة في شرح المادة (١٠٧) من هذا النظام، وهي:
الشرط الأول: أن يكون العقد من العقود الملزمة للجانبين.
الشرط الثاني: إخلال المدين بتنفيذ التزامه الناشئ عن العقد.
الشرط الثالث: عدم تقصير الدائن بتنفيذ التزامه الناشئ عن العقد.
الشرط الرابع: إعذار المدين وفق ما بينته المادة (١٧٧) من هذا النظام.
ويتبين من المادة أن الفسخ الاتفاقي لا يقع بقوة النظام كما هو الشأن في الانفساخ لاستحالة التنفيذ وفقًا للمادة (١١٠) من هذا النظام، بل لا بد أن يتمسك به الدائن، ولا يقبل من المدين التمسك بالفسخ إذا لم يتمسك به الدائن، ولا يحول وجود الشرط الفاسخ دون حق الدائن في طلب تنفيذ العقد بدلاً من فسخه، ولا يجوز إعمال الشرط الفاسخ إذا تبين نزول الدائن عنه صراحةً أو ضمناً.
ويجب في الفسخ الاتفاقي أن تكون عبارة العقد دالة على أن للدائن الحق في فسخ العقد عند إخلال المدين بالتزامه دون أن يتوقف وقوع الفسخ على طلب يرفعه إلى المحكمة لتصدر حكمًا بذلك؛ مثل النص على أن (للمتعاقد فسخ العقد) أو (الحق في فسخ العقد) ونحو ذلك من العبارات الدالة على أن الفسخ لا يتوقف على حكم المحكمة.
ولا يلزم استعمال ألفاظ معينة لهذا الاتفاق، فكل ما يدل على هذا المعنى يحصل به المقصود، وأما إذا كانت عبارات العقد لا يستخلص منها سوى الشرط الفاسخ الضمني المفترض في كل العقود، أو كانت تدل على أن للدائن عند إخلال المدين طلب الفسخ من المحكمة؛ فلا بد من رفع دعوى بالفسخ، ويكون حكم المحكمة منشئًا للفسخ لا مقررًا له، وللمدين توقيه قبل صدوره إذا لم يتبين للمحكمة أن هذا الوفاء المتأخر مما يضار به الدائن.
ومع مراعاة ما تقرره النصوص النظامية فإن وجود الشرط الفاسخ لا يعفي من إعذار المدين عند وقوع الإخلال ما لم يتفق المتعاقدان على الإعفاء منه، أو توفرت إحدى الحالات المبينة في المادة (١٧٦) من هذا النظام، ويشترط في هذا الاتفاق -أي اتفاق الإعفاء من الإعذار- أن يكون صريحًا؛ فلا يكفي أن يكون ضمنيًّا، ويعدُّ هذا استثناء مما تضمنته الفقرة (أ) من المادة المشار إليها.
ولا تعارض بين إعذار الدائن المدين وتكليفه بالتنفيذ ولو اشترط صراحة الإعفاء من الإعذار وبين الفسخ بعد ذلك بمقتضى الشرط الفاسخ؛ فلا يعدُّ ذلك نزولاً من الدائن عن حقه في الفسخ.
وقصر الفسخ الاتفاقي على بعض الالتزامات لا يجعله يمتد إلى غيرها، ولا يحرم الدائن من الحق في التمسك بالفسخ القضائي بالنسبة إلى غيرها.
التفريق بين الفسخ الاتفاقي والفسخ القضائي:
يختلف الفسخ الاتفاقي عن الفسخ القضائي في أن الفسخ القضائي يفترض وجود شرط فاسخ ضمناً في العقد على أساس الارتباط بين الالتزامات المتقابلة في العقد دون أن يذكر المتعاقدان الشرط الفاسخ، ولذا لا يستوجب هذا الشرط الفسخ حتمًا؛ بل يكون الحكم به وفقًا للمادة (١٠٧) من هذا النظام، أما الفسخ الاتفاقي بالشرط الفاسخ فهو يوجب الفسخ حتمًا متى ما تمسك به الدائن، وليس للمحكمة سلطة تقديرية في ذلك، وتتحقق المحكمة إذا اقتضى الأمر رفع دعوى بالفسخ من توفر شروط الفسخ الاتفاقي وحصول الإخلال الموجب لإعمال ذلك الشرط، كما أن للمدين المنازعة في إعماله.
المادة التاسعة بعد المائة
تناولت المادة تقرير قاعدة عامة في ضمان العيب، والمقصود بالعيب: كل ما ينقص من قيمة الشيء أو من نفعه بحسب الغاية المقصودة منه المستفادة مما هو مبين في العقد أو مما هو ظاهر من طبيعة الشيء، أو بحسب الغرض الذي أعد له.
فبينت المادة أن عقود المعاوضات؛ كالبيع والإيجار والشركة، منعقدة على أساس التزام ضمني، وهو أن المتعاقد يضمن سلامة محل العقد الذي يلتزم بتنفيذه من العيوب، وإن لم يكن ذلك مشروطاً في العقد، أما عقود التبرع؛ كالهبة والقرض والإعارة، فلا يضمن المتعاقد العيب فيها، ومع ذلك يضمن الضرر الذي يصيب المتعاقد الآخر بسبب العيب إذا تعمد إخفاءه أو ضمن سلامة الشيء المعقود عليه منه.
والعيب -وفقًا لما قررته المادة- نوعان:
النوع الأول: عيب غير مؤثر؛ وهو ما جرى العرف على التسامح فيه ولو كان ينقص من قيمة الشيء أو من نفعه؛ فهذا النوع لا يضمنه المتعاقد.
النوع الثاني: عيب مؤثر؛ وهو ما عدا النوع الأول؛ فهذا العيب يضمنه المتعاقد؛ وهو على درجتين:
أ-إذا كان ما أحدثه العيب من نقص يسيرًا ليس بذي أهمية بالنظر إلى مجموع الالتزام ولا يخل برضى المتعاقد بالعقد؛ فللمحكمة -إذا لم يكن هناك شرط فاسخ- أن ترفض طلب الفسخ وتقصر حق المتعاقد على التعويض؛ تطبيقًا لقاعدة الفسخ القضائي للإخلال بالالتزام، وأما إذا وُجد شرط فاسخ فيقتصر دور المحكمة على التحقق من توفر مقتضى الشرط الموجب للفسخ.
ب-إذا كان ما أحدثه العيب من نقص ذا أهمية بحيث يخل برضى المتعاقد بالعقد؛ فيعد ذلك إخلالاً من المدين بالتزامه، وتطبق عليه أحكام الإخلال المبينة في المادة (١٠٧) والمادة (١٠٨) من هذا النظام، ويكون للمتعاقد الخيار بين طلب الفسخ أو طلب التنفيذ، مع طلب التعويض في الحالتين إن كان له مقتض.
وتجدر الإشارة إلى أن ضمان العيب فضلاً عن الأحكام المقررة له بموجب المادة تسري عليه الأحكام التفصيلية الواردة في هذا النظام والأنظمة الأخرى، ومنها ما تضمنه هذا النظام من أحكام تفصيلية لضمان العيب في عقدي البيع والإيجار.
المادة العاشرة بعد المائة
تناولت المادة حكم انفساخ العقد بقوة النظام وذلك في العقود الملزمة للجانبين، وأن له حالتين:
الحالة الأولى: الاستحالة الكلية للتنفيذ بسبب لا يد للمدين فيه؛ فبينت الفقرة (١) أنه في هذه الحالة ينقضي الالتزام والالتزام المقابل له، وينفسخ العقد من تلقاء نفسه بقوة النظام دون حاجة إلى فسخ قضائي أو اتفاقي، وإذا كان الالتزام المقابل قد أدي كله أو جزء منه فيرد إلى صاحبه؛ ومن تطبيقات ذلك: أن يقع البيع على شيء معين بالذات فيهلك قبل التسليم لقوة قاهرة وفق ما بينته المادة (٣٢٩) من هذا النظام، أو يهلك المأجور المعين بالذات أثناء مدة الإيجار هلاكًا كليًّا وفقًا لحكم المادة (٤٢٠) من هذا النظام، أو تكون حصة الشريك في الشركة حق ملكية فتهلك قبل التسليم كما هو مبين في المادة (٥٣٣) من هذا النظام.
ويسري هذا الحكم ولو كان العقد معلقًا على شرط واقف وأصبح تنفيذ الالتزام قبل تحقق الشرط مستحيلاً لسبب لا يد للمدين فيه، فلا يكون للشرط أثر رجعي في هذه الحالة وفقًا للمادة (٢٠٣) من هذا النظام.
الحالة الثانية: الاستحالة الجزئية للتنفيذ بسبب لا يد للمدين فيه؛ فبينت الفقرة (٢) أنه في هذه الحالة ينقضي الالتزام في الجزء المستحيل وما يقابله فقط، سواء كانت الاستحالة في العقود الفورية، أو كانت الاستحالة وقتية في العقود الزمنية.
ثم بينت الفقرة أنه في حال الاستحالة الجزئية سواء في العقود الفورية أو العقود الزمنية يجوز للدائن طلب فسخ العقد، أي في الجزء غير المستحيل. والنص على أن الفسخ لا يكون بإرادة الدائن المنفردة وإنما بطلب الفسخ قضاء يخول المحكمة رفض طلب الفسخ إذا كان الجزء الذي استحال تنفيذه قليل الأهمية بالنسبة إلى مجموع الالتزام، بحيث لا يؤثر في رضى المتعاقد بالعقد؛ وهذا الحكم يتوافق مع ما قررته المادة (١٠٧) من هذا النظام في الفسخ القضائي، ويسري هذا الحكم باعتباره قاعدة عامة على تطبيقات الاستحالة الجزئية الواردة في العقود المسماة في هذا النظام؛ ومن ذلك الهلاك الجزئي للمبيع قبل التسليم أو للمأجور أثناء مدة الإيجار وفقًا لما تضمنته المادة (٣٢٩) والمادة (٤٢١) من هذا النظام.
وأهمية الجزء المستحيل بالنسبة إلى مجموع ما وقع عليه العقد قد تتبين مما ذكر في العقد أو من طبيعة محل العقد أو الغرض الذي أعد له؛ مثل أن يكون الغرض من المبيع أو المأجور لا يتحقق إلا بذلك الجزء الذي استحال.
وليس للدائن في حال الاستحالة الجزئية المطالبة بالتعويض سواء تمسك بالعقد فيما بقي منه أو طلب الفسخ؛ لأن الفرض في هذه المسألة هو أن الاستحالة بسبب لا يد للمدين فيه؛ فلا يلزمه التعويض.
ويترتب على الانفساخ ما يترتب على الفسخ من عود المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، وفقًا للمادة (١١١) من هذا النظام.
والمدين هو من يتحمل تبعة الاستحالة أو الانفساخ بقوة النظام، فهو لا يد له في تلك الاستحالة ويعفى من الالتزام الذي عليه، ومع ذلك لا يستطيع مطالبة الدائن بتنفيذ الالتزام المقابل، فالخسارة في نهاية الأمر تكون على المدين، وهو من يتحمل تبعتها، وهذا هو مبدأ تحمل التبعة في العقود الملزمة للجانبين؛ تأسيسًا على الارتباط بين الالتزامات المتقابلة.
وأما إذا كان العقد ملزمًا لجانب واحد؛ كالإيداع بلا أجر، واستحال التنفيذ بسبب لا يد للمدين فيه؛ كأن تهلك الوديعة عند المودع لديه بقوة قاهرة؛ فقد نصت المادة (٢٩٤) من هذا النظام على أنه: «ينقضي التزام المدين إذا أثبت استحالة التنفيذ عليه بسبب لا يد له فيه، وينقضي كذلك الالتزام المقابل له إن وجد»؛ وعلى هذا فإن الذي يتحمل التبعة هو الدائن، أي المودع، لا المدين وهو المودع لديه؛ لأن الدائن ليس في ذمته التزام يتحلل منه في مقابل تحلل المدين من التزامه.
التفريق بين انفساخ العقد وفسخه:
الفرق بين الانفساخ بقوة النظام والفسخ القضائي أو الاتفاقي أن الانفساخ يكون في حال استحالة التنفيذ بسبب لا يد للمدين فيه، فلا محل هنا للإعذار، بينما الفسخ يكون عند تخلف تنفيذ الالتزام بسبب تقصير المدين وبعد إعذاره، سواء ظل التنفيذ العيني ممكناً ولكن امتنع عنه المدين، أو أصبح مستحيلاً بسبب تقصيره.
المادة الحادية عشرة بعد المائة
تناولت المادة الأثر المترتب على الفسخ أيًّا كان سببه، وكذلك الأثر المترتب على الانفساخ بقوة النظام لاستحالة التنفيذ.
فقررت الفقرة (١) الأصل في الأثر المترتب على الفسخ أو الانفساخ، وهو زوال العقد وانحلال الرابطة العقدية بأثر رجعي إلى وقت إبرامه، فتنعدم جميع الآثار التي تولدت عن العقد، سواء في حق المتعاقدين أو في حق غيرهما باستثناء ما ورد في المادة (١١٢) والمادة (١١٣) من هذا النظام، ويعود المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، فيلتزم كل منهما برد ما كان قد استوفاه تنفيذًا للعقد وأن يرد ثماره من حين المطالبة القضائية طبقًا للقواعد العامة وفقًا للمادة (٦٧٥) والمادة (٦٧٦) من هذا النظام.
وللدائن الذي أجيب إلى الفسخ سواء أمكن الرد والاسترداد أو لم يمكن أن يرجع بالتعويض على المدين إذا كان عدم تنفيذ التزامه راجعًا إلى خطئه على أساس المسؤولية التقصيرية وفقًا للقاعدة العامة المقررة في المادة (١٠٧) من هذا النظام، أي إن الفسخ إذا كان مرده خطأ أحد المتعاقدين فإن هذا الطرف لا يلزم برد ما حصل عليه فقط، بل يلزم فوق ذلك بتعويض الطرف الآخر عما لحقه من ضرر نتيجة ذلك الخطأ، وأما المتعاقد الذي لم ينفذ التزامه فليس له المطالبة بالتعويض، وإذا كان ما يطالب به الدائن هو تنفيذ العقد لا فسخه فله المطالبة بالتعويض على أساس المسؤولية العقدية؛ لأن العقد لا يزال قائمًا وآثاره نافذة في حق المتعاقدين.
ثم بينت الفقرة أنه إذا استحال عود المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد في حالتي الفسخ أو الانفساخ فللمحكمة أن تقضي بالتعويض؛ فلو هلك المبيع بيد المشتري بخطأ منه فيلزمه التعويض، وإذا كان بسبب أجنبي فلا يكون مسؤولاً عن هلاك المبيع إلا بقدر ما عاد عليه من منفعة، ويلزم البائع رد الثمن.
وبينت الفقرة (٢) استثناءً من الأصل في الأثر الرجعي للفسخ أو الانفساخ يتعلق بالعقود الزمنية؛ وبيان ذلك أن العقود نوعان:
النوع الأول: العقود الزمنية، وهي العقود دورية التنفيذ، وتسمى كذلك عقود المدة أو الممتدة، ويقصد بها العقود التي يكون الزمن عنصرًا جوهريًّا فيها بحيث يكون هو المقياس الذي يقدر به محل العقد، إما لطبيعته؛ كعقد الإيجار وعقد العمل، أو لاتفاق المتعاقدين؛ كعقد التوريد الدوري.
النوع الثاني: العقود الفورية، وهي العقود التي لا يكون الزمن فيها عنصرًا جوهريًّا بحيث يتحدد المحل مستقلاً عن الزمن؛ كالبيع، ولا يخرج العقد عن كونه فوريًّا وجود الزمن فيه وجودًا عرضيًّا، إما لطبيعة المحل؛ كالمقاولة، أو لاتفاق المتعاقدين؛ كالبيع الآجل.
فقررت الفقرة أن العقود الزمنية لا يكون للفسخ أو الانفساخ فيها أثر رجعي؛ فهذه العقود لا تقبل بطبيعتها هذا الأثر؛ لأن ما انقضى منها لا يمكن الرجوع فيه، ويترتب على ذلك أن ما انقضى من العقد قبل وقوع الفسخ أو الانفساخ يبقى محتفظاً بآثاره، ويسري أثر الفسخ أو الانفساخ من حين وقوعهما؛ ففي عقد الإيجار تبقى الأجرة المستحقة عن المدة السابقة للفسخ أو الانفساخ لها صفة الأجرة لا التعويض.
ثم نصت الفقرة على أن للمحكمة بناء على طلب الدائن الذي أجيب إلى فسخ العقد الزمني أن تحكم له بالتعويض عما لحقه من ضرر إذا كان الفسخ بسبب إخلال المدين بالتزامه، وهذا النص يؤكد القاعدة العامة التي قررتها المادة (١٠٧) من هذا النظام في أن للمتعاقد عند طلب الفسخ المطالبة بالتعويض، أي إن العقود الزمنية لا تختلف في هذا الخصوص عن العقود الفورية، ففي كليهما للدائن مع طلبه الفسخ أو التنفيذ المطالبة بالتعويض، ولا يحول دون ذلك كون الفسخ في العقد الزمني ليس له أثر رجعي.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا مجال للتعويض إذا كان انفسا خ العقد بسبب لا يد للمدين فيه.
المادة الثانية عشرة بعد المائة
تناولت المادة استثناءً من الأصل في أثر الفسخ؛ فالأصل أن الفسخ لا يقتصر أثره على المتعاقدين فقط، بل يمتد إلى الغير، فإذا فسخ العقد زال أثره بالنسبة إلى المتعاقدين وإلى الغير بأثر رجعي إذا كان من العقود الفورية، ومن حين وقوع الفسخ إذا كان من العقود الزمنية؛ فلو كان العقد بيعًا ورتب المشتري حقًّا عينيًّا في العين المبيعة، فإن البائع يسترد العين عند الفسخ خالية من الحقوق العينية التي رتبها المشتري؛ إلا أن المادة بينت أن هذا الأثر لا يمتد إلى الخلف الخاص لأي منهما، فليس لأي من المتعاقدين أن يحتج بالفسخ تجاه خلف أي منهما فيما ثبت له من حق عيني في الشيء محل العقد، سواء بانتقال ملكيته إليه أو ثبوت حق انتفاع أو رهن أو غير ذلك من الحقوق العينية.
واشترطت المادة لحماية الخلف عند فسخ العقد ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون خلفًا خاصًّا للمتعاقد؛ كالمشتري أو المرتهن من أحد المتعاقدين، والمنتفع في حق الانتفاع والموصى له بشيء معين، وأما الخلف العام فإن أثر العقد من حقوق والتزامات ينصرف إليه كالمتعاقد نفسه ما لم يتبين خلاف ذلك من العقد أو من طبيعة المعاملة أو من النصوص النظامية وفقًا للمادة (٩٨) من هذا النظام.
الشرط الثاني: أن يكسب الخلف الخاص حقًّا عينيًّا يتصل بالشيء محل العقد الذي فسخ قبل فسخه، سواء كان الحق العيني أصليًّا؛ كانتقال ملكية الشيء إليه، أو تبعيًّا؛ كرهنه له.
الشرط الثالث: أن يكسب الحق بحسن نية، ويعد الخلفُ حسنَ النية وفقًا لما قررته المادة (٨٦) من هذا النظام في الإبطال -حيث إن الفسخ كالإبطال في هذا المعنى- إذا كان الخلف عند التعاقد لا يعلم السبب الذي أفضى إلى فسخ عقد سلفه ولم يكن بمقدوره أن يعلم لو أنه بذل من الحرص ما تقتضيه ظروف الحال من الشخص المعتاد.
وإذا كان محل الحق العيني عقارًا فللمتعاقد أن يحتج على الخلف إذا كان تلقيه الحق بعد التأشير بدعوى الفسخ في السجل العقاري؛ إذ يعد ذلك تقصيرًا منه في التحقق من سلامة العقار من حقوق الغير، وهذا ما قررته المادة (١٧) من نظام التسجيل العيني للعقار، ونصها: (يترتب على التأشير بالدعاوى -المشار إليها في المادة (السادسة عشرة) من النظام- أن يكون أي حق تقرر بحكم نهائي في هذه الدعاوى حجة على من ترتبت لهم حقوق أو أثبت لمصلحتهم بيانات في السجل العقاري بعد إجراء التأشير المذكور، وذلك متى ما سُجِّل الحكم خلال (تسعين) يومًا من التاريخ الذي أصبح فيه الحكم نهائيًا).
التفريق في حماية الخلف الخاص بين الإبطال والفسخ:
تختلف دائرة حماية الخلف الخاص للمتعاقد بين إبطال العقد وفسخه؛ ففي الإبطال الذي يعدُّ مصاحبًا للعقد من تكوينه يقتصر عدم الاحتجاج تجاه الخلف الخاص للمتعاقد على كسبه حقًّا عينيًّا معاوضة بحسن نية وفقًا للمادة (٨٦) من هذا النظام؛ أما في الفسخ الطارئ على العقد فتمتد دائرة حماية الخلف الخاص للمتعاقد الذي فسخ عقده لتشمل كل من كسب من سلفه حقًّا على شيء معين سواء بمعاوضة أو بتبرع؛ مثل المشتري والموهوب له والمرتهن والمنتفع في حق الانتفاع والموصى له بشيء معين.
المادة الثالثة عشرة بعد المائة
تناولت المادة استثناءً من الأصل في أثر الفسخ؛ فالأصل أن الفسخ يزيل العقد، ويلغي جميع الالتزامات التي تضمنها على الطرفين، إلا أن المادة استثنت نوعين من الالتزامات لا يزولان بفسخ العقد، وهما:
النوع الأول: شرط الالتزام بتسوية المنازعة، وهو اتفاق بين طرفي العقد يتضمن عادة ما يلتزمان به لتسوية المنازعة في حال نشوئها، وقد يكون هذا الاتفاق شرطاً من شروط العقد الأساسي وقد يكون اتفاقًا مستقلاًّ.
فهذا الالتزام يبقى قائمًا بين المتعاقدين وإن فسخ العقد؛ فالفسخ هو من النزاع الذي من المفترض أن المتعاقدين ارتضيا أن يكون البت في صحته من عدمه بحسب ما تضمنه شرط التسوية بينهما. وقد تضمنت المادة (٢١) من نظام التحكيم مثل ذلك فيما يتعلق بشرط التحكيم، ونصها: «يعد شرط التحكيم الوارد في أحد العقود اتفاقًا مستقلاً عن شروط العقد الأخرى. ولا يترتب على بطلان العقد -الذي يتضمن شرط التحكيم- أو فسخه أو إنهائه بطلان شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحًا في ذاته».
النوع الثاني: شرط الالتزام بالسرية؛ وهو اتفاق بين مالك الأسرار التجارية والمطلع عليها على الالتزام بالسرية، وقد يكون هذا الاتفاق في مرحلة ما قبل التعاقد كما في عقد التفاوض، أو يكون عند إبرام العقد بإيراده كأحد شروط العقد المبرم بين الطرفين.
والالتزام بالسرية هو التزام بالامتناع عن عمل، ويتكون هذا الالتزام من شقين أساسيين:
الأول: الامتناع عن إفشاء الأسرار وضمان سريتها.
الثاني: الامتناع عن استغلال الأسرار التي اطلع عليها لحسابه دون إذن مالكها.
فالعقد إذا تضمن شرط الالتزام بالسرية فيما يحصل عليه كل طرف من معلومات سرية، فإن طبيعة هذا الشرط تحتم بقاءه قائمًا بين الطرفين وإن فسخ العقد؛ فالسرية لا يتعلق مداها بالعقد، بل هي تمتد إلى خارج حدود العقد.
وقد بينت المادة أنه في حال وجود نصوص نظامية تتضمن أحكامًا بخلاف ما ذكر فإن نص المادة لا يخل بها.
كما أن الأحكام الواردة في المادة تطبق ما لم يُتفق على خلافها، فهي من القواعد المكملة التي تخضع لإرادة المتعاقدين، فإذا وجد اتفاقٌ على شيء في هذا الخصوص فالمُطبَّق هو ما تم الاتفاق عليه.
المادة الرابعة عشرة بعد المائة
تناولت المادة قاعدة «الدفع بعدم التنفيذ»، وبموجبها يكون للمتعاقد في العقود الملزمة للجانبين الحق في الامتناع عن تنفيذ التزام مستحق الوفاء إذا كان الالتزام المقابل له مستحق الوفاء كذلك، وامتنع المتعاقد الآخر عن تنفيذ التزامه.
والدفع بعدم التنفيذ لا يعدُّ سببًا لانحلال العقد؛ بل تبقى الرابطة العقدية، ولا يعدُّ المتعاقد بوقفه التنفيذ مخلاً بالتزامه؛ وأساس هذه القاعدة أن ارتباط تنفيذ الالتزامات المتقابلة في العقود الملزمة للجانبين على وجه التبادل، فإذا استحق الوفاء بهذه الالتزامات فلا يجوز أن يجبر أحد المتعاقدين على تنفيذ ما التزم به قبل قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ الالتزام المقابل، وعلى هذا الأساس يتعين أن يكون تنفيذ الالتزامات المتقابلة في وقت واحد.
ويشترط للدفع بعدم التنفيذ أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون العقد من العقود الملزمة للجانبين؛ وأما العقود الملزمة لجانب واحد -كالكفالة- فلا يرد فيها الدفع بعدم التنفيذ؛ إذ ليس ثم التزام مقابل لالتزام المدين.
الشرط الثاني: أن يكون الالتزام الذي يدفع بعدم تنفيذه مستحق الأداء، وامتنع المتعاقد الآخر عن تنفيذه؛ وأما إذا كان مؤجلاً لم يحل أجل الوفاء به فلا يصح الدفع بعدم التنفيذ.
الشرط الثالث: ألا يوجب العقد على أحد المتعاقدين أن يفي بالتزامه قبل المتعاقد الآخر، فإن أوجب العقد على أحدهما ذلك فلا يحق له أن يتمسك بهذا الدفع، بل يجب عليه أن يفي بالتزامه دون أن ينتظر وفاء الآخر؛ كأن يكون موعد الوفاء بأحد أقساط الثمن قد حلَّ قبل حلول موعد التزام البائع بتسليم المبيع، فليس للمشتري أن يدفع بعدم تنفيذ التزامه بحجة أن البائع لم يسلمه المبيع.
الشرط الرابع: عدم التعسف في استعمال هذا الدفع؛ فلا يجوز التمسك بهذا الدفع إذا كان من يتمسك به هو من تسبب في عدم تنفيذ الالتزام المقابل، أو إذا كان ما بقي من الالتزام المقابل يسيرًا بالنسبة إلى كامل الالتزام، وله في هذه الحالة التمسك به في حدود ما يقابل الجزء غير المنفذ متى كان قابلاً للتجزئة.
فإذا توفرت هذه الشروط جاز التمسك بهذا الدفع، ولا يلزم للتمسك به الإعذار؛ خلافًا لفسخ العقد؛ إذ التمسك بالدفع مؤداه امتناع المتمسك عن تنفيذ التزامه، وفي هذا إعذار كافٍ للمتعاقد الآخر بوجوب تنفيذ الالتزام الذي في ذمته.
والأصل أن التمسك بهذا الدفع يترك لتقدير المتعاقد الذي يتمسك به، وللمتعاقد الآخر حال امتناع من تمسك بهذا الدفع عن تنفيذ التزامه أن يرفع الأمر إلى القضاء، ويخضع هذا الدفع حينها لرقابته، أما إذا تمسك كل من المتعاقدين بالدفع بعدم التنفيذ فامتنع كل منهما عن تنفيذ التزامه حتى يقوم الآخر بالتنفيذ، فلأي منهما رفع دعوى على الآخر للمطالبة بالتنفيذ.
وأثر الدفع بعدم التنفيذ في حق المتعاقدين أنه يقف تنفيذ الالتزام، ولا يُجبر المتعاقد المتمسك به على تنفيذ التزامه ما دام المتعاقد الآخر ممتنعًا عن تنفيذ ما التزم به، ويقتصر هذا الأثر على وقف الالتزام دون زواله؛ وهذا هو الفارق الجوهري بين الفسخ والدفع بعدم التنفيذ.
وأما أثره بالنسبة للغير، فإن كان قد كسب حقه بعد ثبوت الحق في التمسك بالدفع، فيسري في حقه الدفع؛ كأن يتأخر المشتري عن أداء الثمن، فيتمسك البائع بالدفع ويحبس العين المبيعة؛ فكل من كسب حقًّا من المشتري على العين المبيعة بعد التمسك بالدفع يسري في حقه الدفع. وأما إذا كان الغير قد كسب حقه قبل ثبوت الحق في التمسك بالدفع، فلا يسري في حقه الدفع.
المادة الخامسة عشرة بعد المائة
قررت المادة جواز إنشاء الالتزام بإرادة منفردة، وأن له شرطين:
الشرط الأول: أن يلتزم الشخص بإرادته المنفردة، دون توقف على قبول صادر من شخص آخر؛ فلو صدر الالتزام بتوافق إرادتين، فهو عقد وليس التزامًا ناشئًا بإرادة منفردة.
الشرط الثاني: أن يكون ذلك الالتزام في الأحوال التي تقررها النصوص النظامية؛ وعلى هذا فإن أي تصرف بإرادة من فردة في حال لم ينص عليها النظام لا ينشئ التزامًا.
ومن الأحوال التي تضمنها هذا النظام: الإيجاب معين المدة وفقًا للمادة (٣٥)، والوعد بالجائزة كما في المادة (١١٧).
ومن الأحوال التي تضمنتها الأنظمة الخاصة تأسيس الشركة بالإرادة المنفردة لشخص واحد وفقًا للمادة (٢) من نظام الشركات.
المادة السادسة عشرة بعد المائة
بينت المادة أنه متى وردت حالة من الأحوال التي تقررها النصوص النظامية للتصرف بالإرادة المنفردة، فإنه تسري عليها أحكام العقد؛ ومما يشمله ذلك: الأحكام ذات الصلة بالتعبير عن الإرادة، والأهلية، وعيوب الرضى، والأحكام الواردة في المحل والسبب، وغيرها من أحكام العقد؛ وتطبيقًا لذلك: ينشأ الالتزام بالإرادة المنفردة بأي تعبير يدل على إرادة إنشاء الالتزام، وإذا صدر وعد بجائزة من صغير غير مميز كان تصرفه باطلاً، ولو صدر وعد بجائزة على عمل ممنوع نظامًا كجلب مواد ممنوعة كان التصرف باطلاً، وتسري على هذا التصرف آثار بطلان العقد.
ويستثنى من هذا الحكم العام ما يأتي:
أولاً: أحكام العقد المتعلقة بضرورة وجود إرادتين متطابقتين لإنشاء الالتزام، فلا تسري هذه الأحكام على التصرف بالإرادة المنفردة؛ فليس ثم إلا إرادة واحدة.
ثانيًا: النصوص النظامية التي تقضي بخلاف هذا الحكم العام؛ فيجب في هذه الحالة إعمال تلك النصوص النظامية، ومن ذلك الأحوال التي تقررها النصوص النظامية للتصرف بالإرادة المنفردة؛ كأن يقيد النظام تأسيس الشركة بالإرادة المنفردة لشخص واحد بنوع خاص من الشركات.
المادة السابعة عشرة بعد المائة
تناولت المادة تطبيقًا من أهم تطبيقات الالتزام بالإرادة المنفردة، وهو الوعد بالجائزة، فبينت الفقرة (١) أن الالتزام بالوعد بالجائزة يجب لنشوئه توفر عنصرين:
العنصر الأول: أن تصدر من الواعد إرادة الوعد، وهذه هي الإرادة المنفردة، وتسري عليها أحكام الإرادة في العقد وفقًا للمادة (١١٦) من هذا النظام؛ فيجب أن تكون الإرادة باتة كما في الإيجاب البات، وأن تتجه إرادة الواعد لإنشاء الوعد وليس للإيجاب الذي يقصد به الارتباط بقبول الطرف الآخر.
ويجب فيمن تصدر منه هذه الإرادة الأهلية، وأن تخلو إرادته من عيوب الرضى، وأن تقوم الإرادة على محل مستوف أركانه وشروطه، وتتجه لسبب مشروع؛ ولذا اشترطت الفقرة لقيام هذا الالتزام تعيين المحل؛ وذلك بتعيين أمرين، هما:
أ-الجائزة؛ وهي قد تكون نقودًا أو أي شيء آخر له قيمة مالية أو أدبية.
ب-العمل الموجه له الوعد لاستحقاق الجائزة؛ كالعثور على شيء مفقود أو وضع أفضل تصميم هندسي أو الكشف عن اختراع أو غير ذلك.
ولا يشترط لقيام الالتزام -وفقًا لما تضمنته المادة- تعيين مدة للوعد؛ فيصح ولو بلا مدة.
العنصر الثاني: أن توجه الإرادة إلى الجمهور، أي إلى أشخاص غير معينين بالذات، فإذا وجهت إلى شخص معين أو أشخاص معينين، خرجت عن أن تكون وعدًا بجائزة وتسري عليها عندئذ أحكام العقد لا الإرادة المنفردة.
وتوجيه الإرادة إلى الجمهور يستلزم أن يكون ذلك بطريق علني؛ كالإعلان في الصحف أو المواقع الإلكترونية. وضابط هذه العلانية أن تكون كافية حتى يتيسر لعدد كبير من الناس العلم بهذه الإرادة.
وبينت الفقرة أن الالتزام ينشأ وفقًا للشروط المعلنة ولو قام الشخص بالعمل دون نظر إلى الوعد بالجائزة أو دون علم بها؛ كما لو عثر شخص على شيء مفقود بعد الإعلان عن الجائزة وقبل علمه بها، بل ولو كان قد أتم العمل قبل أن يعلن الواعد عن الجائزة، وهذا هو الذي يجعل الالتزام بالوعد التزامًا بإرادة منفردة، فهو ينشئ الالتزام لمن قام بالعمل ولو جهل وجود الجائزة.
أما أثر نشوء هذا الالتزام بالوعد بالجائزة؛ فمتى استوفى عنصريه السابقين نشأ التزام الواعد وترتب عليه حكمه، فينشأ الالتزام دون توقف على قبول الطرف الآخر، فإذا أتم من وجه له الوعد العمل في وقت كان الوعد فيه قائمًا فإنه يكون دائناً للواعد بالجائزة.
وأوضحت الفقرة (٢) ما يتصل بمدة الوعد بالجائزة وحق الرجوع فيه، فالوعد بالجائزة من جهة كونه معين المدة من عدمه، له فرضان:
الفرض الأول: أن يكون الوعد بالجائزة معين المدة، فلا يجوز للواعد الرجوع عن الوعد بالجائزة، فإذا أتم من وجه له الوعد العمل المطلوب في المدة المعينة، أصبح دائناً للواعد بالجائزة الموعودة، أما إذا انقضت المدة دون أن يتم أحد العمل المطلوب، فينقضي التزام الواعد بانقضاء المدة، ولو قام بعد ذلك شخص بهذا العمل فلا يكون الواعد في هذه الحالة مسؤولاً تجاه هذا الشخص بمقتضى الوعد، ولكن قد يكون مسؤولاً تجاهه بمقتضى الإثراء بلا سبب.
الفرض الثاني: أن يكون الوعد بالجائزة غير معين المدة، فيكون التزام الواعد بالجائزة باقيًا خلال المدة المعقولة للقيام بالعمل؛ ذلك أن الوعد بالجائزة معلق على شرط واقف وقد يكون أداء العمل بعد مدة طويلة غير مجد، ويكون تقدير المدة المعقولة عند التنازع بحسب طبيعة العمل.
ويجوز رجوع الواعد في الوعد إذا لم تعين له مدة بشرط إعلانه بالطريق الذي وجه به الوعد أو بإعلانه للكافة؛ فلو أعلن عن الجائزة في صحيفة فله الرجوع عنها بإعلانه في ذات الصحيفة ولا يقبل الرجوع عنها بورقة معلقة في طريق، ويتحقق الشرط بإعلان الرجوع للكافة؛ كالإعلان عنه في الصحف.
وإذا رجع الواعد في وعده فلا يخلو الحال ما بين توجيه الوعد وإعلان الرجوع فيه من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا كان هناك من أتم العمل المطلوب قبل إعلان الرجوع، ولو دون نظر إلى الوعد بالجائزة أو دون علم بها، فبناء على ما قررته الفقرة لا يؤثر رجوع الواعد في استحقاقه الجائزة.
الحالة الثانية: إذا لم يكن هناك من بدأ في العمل قبل إعلان الرجوع، فيتحلل الواعد من الوعد نهائيًّا.
الحالة الثالثة: إذا كان هناك من بدأ في العمل ولم يتمه قبل إعلان الرجوع، فيكون له مطالبة الواعد بتعويض عادل، هو قيمة ما أصابه من الضرر على ألا يتجاوز مقدار الجائزة.
ثم حددت الفقرة المدة المقررة لسقوط دعوى المطالبة بالجائزة حال الرجوع في الوعد؛ حيث لا يخلو التزام الواعد بالجائزة بمقتضى إرادته المنفردة من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا عين للوعد مدة وأتم الفائز العمل خلالها.
الحالة الثانية: إذا لم يعين مدة ولم يرجع في وعده وأتم الفائز العمل.
الحالة الثالثة: إذا لم يعين مدة ورجع في وعده ولكن الفائز أتم العمل المطلوب قبل إعلان الرجوع.
ففي الحالتين الأوليين تسري القواعد العامة في التقادم وفقًا للمادة (٢٩٥) من هذا النظام؛ فتتقادم دعوى المطالبة بالجائزة بانقضاء عشر سنوات من تاريخ استحقاقها.
وفي الحالة الثالثة تسقط دعوى المطالبة بالجائزة بانقضاء تسعين يومًا من تاريخ إعلان الرجوع بناء على ما قررته الفقرة، وهذه المدة هي مدة سقوط لا مدة تقادم.
المادة الثامنة عشرة بعد المائة
تناولت المادة بيان نطاق سريان أحكام هذا الفصل، فقررت سريان أحكامه على أي مسؤولية ناشئة عن فعل ضار، وأن ذلك يشمل المسؤولية عن الفعل الضار من الشخص ذي الصفة الطبيعية أو الشخص ذي الصفة الاعتبارية.
ومراعاة لطبيعة الشخص ذي الصفة الاعتبارية؛ فإن المعول عليه أفعاله التي نشأ عنها الخطأ وفق ما تقتضيه الأنظمة الخاصة فيما ينسب صدوره للشخص ذي الصفة الاعتبارية، سواء كان ذلك بطريق مباشر، أو غير مباشر؛ من خلال أفعال تابعيه.
وبينت المادة وجوب مراعاة النصوص النظامية الخاصة فيما يتعلق بأحكام المسؤولية عن أشياء أو مجالات معينة.
وعلى هذا فإن الأصل سريان أحكام هذا الفصل على أي مسؤولية تقصيرية سواء وردت في هذا النظام أو في أنظمة خاصة، على أن تراعى الأحكام الواردة في تلك الأنظمة الخاصة.
المادة التاسعة عشرة بعد المائة
تناولت المادة العلاقة بين المسؤولية المدنية والمسؤولية الجزائية، فبينت أن المسؤولية المدنية لا تخل بالمسؤولية الجزائية؛ فالعمل الواحد قد تترتب عليه المسؤوليتان -المدنية والجزائية- معًا وقد تترتب عليه مسؤولية دون الأخرى، فقيام إحدى المسؤوليتين لا يتعارض مع قيام المسؤولية الأخرى؛ كالسرقة والضرب، فإن من ارتكب أيًّا منهما يكون مسؤولاً مسؤولية جزائية جزاؤها العقوبة، ومسؤولاً مسؤولية مدنية جزاؤها التعويض، فإذا اجتمعت هاتان المسؤوليتان لم تؤثر إحداهما في الأخرى من حيث الأصل؛ فلو صدر الحكم بالتعويض الناشئ عن فعل جرمي فإن هذا لا أثر له بالنسبة للمسؤولية الجزائية سواء ما تعلق منها بتقدير العقوبة أو آثارها.
كما قررت المادة أنه لا أثر للعقوبة بناء على المسؤولية الجزائية في تحديد نطاق المسؤولية المدنية وتقدير التعويض، فالمعول عليه في تقدير التعويض هو القواعد المبينة نظامًا.
ويستثنى من عدم تأثير إحدى المسؤوليتين في الأخرى الآتي:
أولاً: مدد سماع الدعوى وفق أحكام المادة (١٤٣) من هذا النظام، فإذا ترتب على العمل الواحد دعوى مدنية ودعوى جزائية، فإن الدعوى المدنية لا يمتنع سماعها ما دامت الدعوى الجزائية لم يمتنع سماعها.
ثانيًا: النواحي الإجرائية القضائية؛ مثل الاختصاص وإجراءات نظر الدعويين حال إقامتهما في آن واحد، فللمتضرر -استثناءً- التقدم بدعواه المدنية أمام المحكمة المنظورة أمامها الدعوى الجزائية لتنظرا معًا وفقًا للمادة (١٤٧) والمادة (١٥٣) من نظام الإجراءات الجزائية، فيكون الاختصاص بهذا قد تأثر بالمسؤولية الجزائية.
ثالثًا: قوة الأمر المقضي به فيما يتصل بما أثبته الحكم الجزائي من وقائع وفق القواعد المقررة في هذا الشأن؛ مثل إثبات عدم وقوع فعل ما، أما التكييف، فلا تتقيد به المحكمة التي تنظر المسؤولية المدنية.
التفريق بين المسؤولية المدنية والمسؤولية الجزائية:
أساس التفريق بين المسؤولية المدنية والمسؤولية الجزائية هو أن المسؤولية المدنية تنشأ عن ارتكاب ضرر في حق الفرد، أما المسؤولية الجزائية فتنشأ عن ارتكاب ضرر في حق المجتمع، وتترتب على ذلك عدة نتائج، أهمها:
أولاً: أن جزاء المسؤولية المدنية هو تعويض المتضرر عن الضرر، أما جزاء المسؤولية الجزائية فهو العقوبة.
ثانيًا: أن الذي يطالب في المسؤولية المدنية هو المتضرر، أما المسؤولية الجزائية فتطالب فيها النيابة العامة باعتبارها ممثلة للمجتمع.
ثالثًا: أن المتضرر في المسؤولية المدنية يجوز له التنازل عن حقه في التعويض، أما المسؤولية الجزائية فالأصل عدم جواز التنازل عن الحق فيها.
رابعًا: أن المسؤولية المدنية تترتب على أي خطأ سبب ضررًا دون حاجة لنصوص تبين الأفعال الضارة، أما المسؤولية الجزائية فتتطلب نصوصًا نظامية تحدد الأفعال التي ترتب هذه المسؤولية؛ إعمالاً لمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
المادة العشرون بعد المائة
تضمنت المادة تقرير القاعدة العامة لمسؤولية الشخص عن فعل نفسه، وهي أن كل خطأ تسبب في وقوع ضررٍ على الغير فإن مرتكبه يكون مسؤولاً ويلزمه التعويض.
وأركان هذه المسؤولية ثلاثة:
الركن الأول: الخطأ، وهو إخلال الشخص بالتزام نظامي، مع إدراكه لهذا الإخلال. فالالتزام الذي يعدُّ الإخلال به خطأً هو الالتزام النظامي، بخلاف الالتزام الأخلاقي والأدبي.
والخطأ له عنصران:
العنصر الأول: مادي، ويتمثل هذا العنصر في التعدي، ويشمل ذلك تعمد الشخص الإضرار بالغير، وكذلك التقصير والإهمال دون تعمد الإضرار بالغير.
وقد فرض النظام على كل شخص التزامًا عامًّا بعدم الإضرار بالغير، وهذا الالتزام يقتضي بذل العناية لتفادي الإضرار بالغير، والانحراف عن ذلك هو الخطأ الموجب للمسؤولية التقصيرية.
ويقاس الانحراف بسلوك الشخص المعتاد، فينظر إلى المألوف من سلوك هذا الشخص المعتاد، ويقاس عليه سلوك الشخص الذي نسب إليه التعدي.
وتطبيقًا لهذا المعيار؛ فلو قاد شخص سيارته واصطدم بشخص آخر فأصابه، فينظر إلى السلوك المعتاد، فإن كان قائد السيارة قد تجاوز في قيادته بحسب مقياس الشخص المعتاد؛ كأن يكون مسرعًا سرعة مخالفة، فيعد هذا خطأ، وإن كان قد بذل عناية الشخص المعتاد في قيادته، ومع ذلك وقع الحادث، فلا يعد هذا خطأ.
وهذا المعيار يخص الظروف الداخلية التي تتصل بالشخص الذي نسب إليه التعدي، أما الظروف الخارجية العامة التي تحيط بالتعدي فيجب الاعتداد بها وعدم التجرد منها، ومن ذلك ظروف الزمان والمكان اللذين وقع فيهما التعدي؛ كقيادة السيارة ليلاً في المدينة، فإنه يعتد بظرف الزمان وهو القيادة ليلاً، وظرف المكان وهو القيادة في المدينة.
ولما كان الأصل في المسؤولية التقصيرية أنها تترتب على الخطأ الذي صدر من المدين، فإن عبء الإثبات فيها يقع على عاتق المتضرر وهو الدائن، فعلى الدائن أن يثبت أن المدين قد انحرف عن السلوك المألوف للشخص المعتاد، فتترتب المسؤولية في ذمته، وللمدين أن يزيل عن التعدي صفة عدم المشروعية إذا أثبت أنه ارتكب هذا العمل في إحدى حالات ثلاث:
الحالة الأولى: الدفاع المشروع، وفقًا للمادة (١٢٣) من هذا النظام.
الحالة الثانية: الضرورة، وفقًا للمادة (١٢٤) من هذا النظام.
الحالة الثالثة: تنفيذ الموظف العام لنص نظامي أو لأمر صدر إليه من رئيسه، وفقًا للمادة (١٢٦) من هذا النظام.
العنصر الثاني: معنوي، ويقصد به الإدراك؛ بأن يكون مرتكب الضرر مدركًا، ففاقد التمييز لصغر سنه أو لجنونه لا يكون مسؤولاً عن الفعل الضار، وفقًا للمادة (١٢٢) من هذا النظام.
فمتى تحقق العنصران المادي والمعنوي تحقق ركن الخطأ.
الركن الثاني: الضرر، وهو ما يصيب الشخص في حقٍّ من حقوقه أو في مصلحةٍ مشروعةٍ له، والضرر قد يكون ماديًّا وهو الغالب، وقد يكون معنويًّا وفقًا للمادة (١٣٨) من هذا النظام، ووقوع الضرر واقعة مادية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات.
الركن الثالث: علاقة السببية، ويقصد بها أن توجد علاقة مباشرة ما بين الخطأ الذي ارتكبه المسؤول والضرر الذي أصاب المتضرر، وهي ركن مستقل عن الخطأ فقد توجد ولا يوجد الخطأ؛ كما في حالات المسؤولية على أساس تحمل التبعة، وقد يوجد الخطأ ولا توجد علاقة السببية؛ كما إذا وجد خطأ آخر مباشر تسبب في الضرر، أما أثر تخلف هذا الركن فيظهر في صورتين:
الصورة الأولى: انعدام السببية لقيام السبب الأجنبي.
الصورة الثانية: انعدامها لأن السبب غير منتج أو غير مباشر.
وقد تضمنت المادة (١٢٥) من هذا النظام حالات انتفاء المسؤولية فيما يتصل بعلاقة السببية.
ولا تتحقق المسؤولية التقصيرية إلا إذا توفرت هذه الأركان الثلاثة، فينشأ التزام على من ثبتت عليه المسؤولية بالتعويض.
التفريق بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية:
أساس التفريق بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية هو أن المسؤولية التقصيرية جزاء للإخلال بالتزام نظامي، أما المسؤولية العقدية فجزاء للإخلال بالتزام عقدي، وتترتب على ذلك عدة فروق، أهمها:
أولاً: أن التعويض بمقتضى المسؤولية العقدية لا يستحق إلا بعد إعذار المدين بالالتزام إلا في الحالات المستثناة، بخلاف المسؤولية التقصيرية فلا يشترط لاستحقاق التعويض فيها الإعذار.
ثانيًا: أن المسؤولية العقدية في الأصل ليست من النظام العام فيجوز الاتفاق على الإعفاء منها، أما المسؤولية التقصيرية فهي من النظام العام فلا يجوز الاتفاق على الإعفاء منها.
ثالثًا: يلزم المدعي في المسؤولية التقصيرية إثبات وجود الفعل الضار حتى يستحق التعويض، أما في المسؤولية العقدية فيكفي المدعي إثبات وجود العقد المنشئ للالتزام، وعلى المدعى عليه إثبات تنفيذ الالتزام وإلا قامت مسؤوليته.
رابعًا: لا يكون التعويض في المسؤولية العقدية إلا عن الضرر المباشر المتوقع، أما في المسؤولية التقصيرية فيكون التعويض عن كل ضرر مباشر، متوقعًا كان هذا الضرر أو غير متوقع.
خامسًا: مناط الالتزام العقدي هو توفر الأهلية في شخص الملتزم، في حين أن مناط الالتزام في نطاق المسؤولية التقصيرية هو مجرد توفر التمييز من جانب الملتزم، بل إنه يكون مسؤولاً في بعض الحالات ولو كان غير مميز.
سادسًا: لا يثبت التضامن في المسؤولية العقدية إلا بالاتفاق، أما في المسؤولية التقصيرية فالتضامن ثابت بحكم النظام.
سابعًا: مدة تقادم المسؤولية التقصيرية تختلف عن مدة تقادم المسؤولية العقدية.
المادة الحادية والعشرون بعد المائة
تناولت المادة تقرير قرينة نظامية تتعلق بركن علاقة السببية؛ إذ الأصل أنه يقع على مدعي الضرر عبء إثبات توفر أركان المسؤولية، إلا أن المادة بينت أنه إذا كان الفعل الضار من مباشر له، فإن ذلك قرينة على ارتباط الخطأ الذي صدر من الفاعل بالضرر الذي وقع على المتضرر.
ومتى كان نشوء الضرر متصلاً بخطأ الفاعل، فعلاقة السببية مفترضة، على أن هذه القرينة قرينة نظامية بسيطة، يجوز إثبات عكسها بنفي هذه العلاقة وفقًا للمادة (١٢٥) من هذا النظام وما ورد في المادة يعبر عن الحالة الأصلية للضرر متى ظهر نشوؤه من فعل ما، فلا يتطلب ذلك إثبات علاقة السببية، ولا يحول ذلك دون حق من ارتكب ذلك الفعل في إثبات انتفاء هذه العلاقة وفق أحكام النظام.
المادة الثانية والعشرون بعد المائة
تناولت المادة الأحكام المتصلة بأحد عنصري ركن الخطأ وهو عنصر الإدراك، فقررت الفقرة (١) القاعدة العامة في هذا الشأن، وهي أن مناط المسؤولية عن الفعل الضار هو التمييز؛ فغير المميز لصغر في السن أو لجنون وفقًا للمادة (١٣) من هذا النظام، لا يكون مسؤولاً مسؤولية تقصيرية، أما من أتم السابعة من عمره فيفترض فيه التمييز ويكون مسؤولاً، حتى يقوم الدليل على زوال التمييز.
وبينت الفقرة (٢) الحكم حال وقوع الضرر من غير المميز؛ فالأصل عدم مسؤوليته، إلا أن الفقرة قررت مسؤولية استثنائية، وهذه المسؤولية ليست مسؤولية ناشئة عن الخطأ، بل هي قائمة على أساس تحمل التبعة، فهي مسؤولية مشروطة ومخففة.
أما كونها مشروطة، فهي مشروطة بألا يكون هناك من هو مسؤول عن الضرر أو تعذر الحصول على تعويضٍ من المسؤول، ويتحقق ذلك في الصور الآتية:
الصورة الأولى: ألا يوجد مسؤول عن غير المميز مثل مَنْ وجبت عليه نظامًا أو اتفاقًا أو قضاءً رقابته وفقًا للمادة (١٢٩) من هذا النظام.
الصورة الثانية: أن يوجد مسؤول عنه، ولكن يستطيع المسؤول نفي الخطأ عن نفسه وفق ما بينته المادة (١٢٩) من هذا النظام.
الصورة الثالثة: أن يوجد مسؤول عنه، ولكن لا يستطيع المتضرر تحصيل التعويض من المسؤول؛ كما لو كان معسرًا.
وأما كونها مخففة؛ فلأنها مسؤولية لا تقوم على الخطأ، ويراعى في هذا التخفيف أن يحكم بتعويض مناسب تقدره المحكمة، مع بيان أسباب ذلك في حكمها.
ومن أهم ما تراعيه المحكمة في تقدير هذا التعويض الآتي:
١.مركز الطرفين من حيث الملاءة المادية.
٢.مقدار ما بذله المتضرر من العناية لتوقي الضرر الذي أصابه من غير المميز.
٣.جميع الظروف التي تسهم في تقدير التعويض المناسب.
وما تقدم يتصل بمسؤولية الشخص ذي الصفة الطبيعية؛ أما الشخص ذو الصفة الاعتبارية فتجوز مساءلته عن الفعل الضار الذي ينسب صدوره إليه وفقًا للمادة (١١٨) من هذا النظام، إلا أنه لما كان يختلف عن الشخص ذي الصفة الطبيعية في أنه لا يمكن أن ينسب إليه التمييز، فإن الأخطاء التي تنسب إليه لا تخلو من إحدى حالتين:
الحالة الأولى: أن تنسب إليه بطريق غير مباشر؛ كما لو كان مردها خطأ أحد تابعيه، فتطبق بشأنها أحكام مسؤولية المتبوع عن تابعه وفقًا للمادة (١٢٩) من هذا النظام.
الحالة الثانية: أن تنسب إليه مباشرةً؛ كما لو كان مردها قرارًا صادرًا من مجلس إدارته، ففي هذه الحالة تكون مسؤولية الشخص ذي الصفة الاعتبارية مسؤولية عن فعل شخصي، لا مسؤولية المتبوع عن تابعه، ولا بد حينئذ من الاقتصار على عنصر التعدي في الخطأ دون عنصر الإدراك.
المادة الثالثة والعشرون بعد المائة
تناولت المادة الحالة الأولى من حالات تخفيف المسؤولية أو انتفائها عمن أحدث ضررًا، وذلك فيما يتعلق بركن الخطأ، وهي حالة الدفاع المشروع؛ فقررت المادة الحكم العام في هذا الشأن وهو انتفاء المسؤولية إذا كان مُحدِث الضرر في حالة دفاع مشروع عن نفس أو عرض أو مال.
ويشترط لانتفاء المسؤولية في هذه الحالة الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون هناك خطر حال على نفس الدافع أو عرضه أو ماله، أو على نفس الغير أو عرضه أو ماله، ولا يشترط وقوع الاعتداء بالفعل، بل يكفي أن يكون قد وقع فعل يخشى منه وقوع هذا الاعتداء، ولا يمكن دفعه بالالتجاء إلى السلطات المختصة قبل وقوعه.
الشرط الثاني: أن يكون إيقاع هذا الخطر عملاً غير مشروع، فليس لمن ألقي القبض عليه بطريق نظامي أن يقاوم رجال الضبط بحجة الدفاع المشروع.
الشرط الثالث: أن يقتصر محدث الضرر في دفاعه على القدر الضروري لدفع الاعتداء، فإذا جاوز هذا القدر اعتبر ما وقع منه من قبيل الخطأ، وترتب على ذلك مسؤوليته عن القدر الزائد ولكنها مسؤولية مخففة، فالخطأ من جانبه يقابله خطأ من جانب المعتدي؛ كما لو تسلل شخص ليلاً إلى حديقة منزل لسرقة شيء من الفاكهة والمالك يعلم قصده، فليس له قتله ولا جرحه؛ لأن الدفاع عن المال في هذه الحالة لا يقتضي ذلك.
ومتى جاوز محدث الضرر القدر الضروري فإنه يكون ملزمًا بالتعويض بالقدر الذي تراه المحكمة مناسبًا وفق مقتضيات العدالة وقواعد المسؤولية عن الخطأ المشترك، مع بيان أسباب ذلك في حكمها.
المادة الرابعة والعشرون بعد المائة
تناولت المادة الحالة الثانية من حالات تخفيف المسؤولية أو انتفائها عمن أحدث ضررًا، وذلك فيما يتعلق بركن الخطأ، وهي حالة الضرورة، حيث قررت المادة أن الضرر إذا أُحدِث تفاديًا لضرر أكبر محدق بمحدث الضرر أو غيره، فإن محدث الضرر لا يكون ملزمًا إلا بقدر التعويض الذي تراه المحكمة مناسبًا بحسب ظروف كل حالة، مع بيان أسباب ذلك في حكمها، أي إن المسؤولية في هذه الحالة تكون مخففة فلا يجب أن يكون مقدار التعويض وفق ما قررته القواعد العامة في التعويض.
ويشترط لتطبيق أحكام المادة الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون الشخص محدث الضرر مهدَّدًا هو أو غيره بخطر حال، سواء كان هذا الخطر يهدد النفس أو المال أو العرض.
الشرط الثاني: أن يكون إحداث الضرر تفاديًا لذلك الخطر.
الشرط الثالث: أن يكون الخطر المراد تفاديه أكبر من الضرر الذي وقع.
الشرط الرابع: أن يكون مصدر هذا الخطر أجنبيًّا، لا يد لمحدث الضرر فيه ولا لمن وقع عليه الضرر. ويخرج بهذا الشرط صورتان:
الصورة الأولى: إذا كان الخطر مصدره محدث الضرر، فإلحاق الضرر بالغير في هذه الصورة يعدُّ تعديًا يوجب مسؤوليته كاملة.
الصورة الثانية: إذا كان الخطر مصدره من وقع عليه الضرر، فدفع الخطر ولو بإلحاق ضرر بمن كان مصدرًا لهذا الخطر يعدُّ دفاعًا مشروعًا يعفي من المسؤولية.
وبناء على ما سبق فإن إحداث الضرر لتفادي الخطر له ثلاثة فروض:
الفرض الأول: إذا كان الخطر المراد تفاديه أكبر بكثير من الضرر الذي أحدثه، بحيث يبلغ درجة الضرورة الملحة؛ كما لو اضطر إلى دواء للغير لمرض مفاجئ أصابه أو أصاب غيره، فتنتفي المسؤولية التقصيرية، ولصاحب الدواء الرجوع على المثري بدعوى الإثراء بلا سبب.
الفرض الثاني: إذا كان الخطر المراد تفاديه أكبر من الضرر الذي أحدثه، دون أن يبلغ درجة الضرورة الملحة؛ كما لو أتلف مالاً لشخص ليطفئ حريقًا اشتعل في منزله أو منزل غيره، فلا يكون ملزمًا بالتعويض وفقًا لقواعد التعويض، بل بالقدر الذي تراه المحكمة مناسبًا وفق ما قررته المادة، مراعية في ذلك حالة الضرورة، أي إن مسؤوليته مخففة، وللمتضرر الرجوع بدعوى الإثراء بلا سبب.
الفرض الثالث: أن يكون الخطر المراد تفاديه مساويًا أو أقل من الضرر الذي أحدثه، فتكون مسؤوليته التقصيرية كاملة.
وتجدر الإشارة إلى أن تطبيق أحكام المادة إنما هو في نطاق قواعد المسؤولية التقصيرية، ولا يخل ذلك بتطبيق قواعد الإثراء بلا سبب في الرجوع على الغير إذا كان الضرر وقع وقاية لخطر محدق به.
المادة الخامسة والعشرون بعد المائة
تناولت المادة حالات انتفاء المسؤولية فيما يتصل بعلاقة السببية، فقررت أنه متى انعدمت رابطة السببية انتفت المسؤولية، ويتحقق ذلك بأن يثبت محدث الضرر أن الضرر نشأ عن سبب لا يد له فيه، بحيث يترتب عليه انعدام رابطة السببية أو جزء منها بحسب الأحوال، وحددت المادة أهم الحالات وهي: القوة القاهرة، وخطأ الغير، وخطأ المتضرر.
وبينت المادة أن عبء إثبات قيام حالة من الحالات المذكورة يقع على من يدعيه، فمتى أثبت قيام حالة من هذه الحالات انعدمت رابطة السببية.
أولاً: القوة القاهرة:
القوة القاهرة هي الحادث الذي يستحيل دفعه، ولا يمكن توقعه، ولا يكون للشخص يد فيه، ومن صورها: الحرب أو الزلزال أو الحريق أو الغرق.
فإذا ثبت أن نشوء الضرر كان بسبب قوة قاهرة، وكانت هي السبب الوحيد في وقوع الضرر انعدمت علاقة السببية ولم تتحقق المسؤولية، أما إذا لم يقم محدث الضرر باتخاذ الإجراءات اللازمة لدرء الضرر أو تخفيفه، فتقوم هنا مسؤولية تقصيرية تجاهه بنسبة تقصيره.
ثانيًا: خطأ الغير:
تتحقق هذه الحالة إذا وقع خطأ من شخص ومن الغير، واستغرق خطأ الغير خطأ ذلك الشخص، فيكون الغير هو المسؤول مسؤولية كاملة، ويستغرق أحد الخطأين الآخر في حالتين:
الحالة الأولى: إذا كان أحد الخطأين يفوق كثيرًا في جسامته الخطأ الآخر؛ كأن يكون أحد الخطأين عمدًا، مثل أن يحفر شخص حفرة في الطريق خطأً، ثم يقع شخص فيها، ويثبت أن غريمه هو الذي أوقعه فيها.
الحالة الثانية: إذا كان أحد الخطأين نتيجة الخطأ الآخر؛ مثل أن يسير شخص بسيارته مسرعًا سرعة مخالفة أدت إلى خطر، فيتحرك الراكب بجانبه بحركة خاطئة توقيًا للخطر فيترتب على ذلك إصابة شخص آخر، فالخطأ الثاني ناتج عن الأول فيستغرقه.
وإذا لم يستغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر، كانت المسؤولية مشتركة؛ كما في المادة (١٢٧) من هذا النظام.
ثالثًا: خطأ المتضرر:
تتحقق هذه الحالة إذا وقع خطأ من شخص ووقع في الوقت ذاته خطأ من المتضرر، فإذا استغرق خطأ المتضرر خطأ الشخص، فإن مسؤولية ذلك الشخص تنتفي؛ لانعدام رابطة السببية.
وترد هنا ذات الحالتين المتقدمتين في استغراق أحد الخطأين الخطأ الآخر:
الحالة الأولى: إذا كان أحد الخطأين يفوق كثيرًا في جسامته الخطأ الآخر؛ كأن يكون أحد الخطأين عمدًا، مثل أن يتعمد شخصٌ إلقاء نفسه أمام سيارة تسير بسرعة مخالفة.
الحالة الثانية: إذا كان أحد الخطأين نتيجة الخطأ الآخر؛ كما لو أخاف شخص سائق السيارة بفعل خاطئ أدى إلى قيام السائق بحركة خاطئة أحدثت ضررًا بذلك الشخص.
وإذا لم يستغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر، كانت المسؤولية مشتركة؛ كما في المادة (١٢٨) من هذا النظام.
ثم قررت المادة أن الأحكام الواردة فيها تطبق ما لم يُتفق على خلافها، فهي من القواعد المكملة لإرادة الأفراد، وإذا وجد اتفاقٌ على شيء في هذا الخصوص فالمُطبَّق هو ما تم الاتفاق عليه؛ كأن يتفق الطرفان على تعديل أثر القوة القاهرة، مثل اتفاق المشتركين في سباق للسيارات على تعديل أحكام المسؤولية التي قد تنشأ عن حوادث تقع في هذا السباق، مع مراعاة ما قررته المادة (١٧٣) من هذا النظام من عدم جواز الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية المترتبة على الفعل الضار.
المادة السادسة والعشرون بعد المائة
تناولت المادة الحالة الثالثة من حالات تخفيف المسؤولية أو انتفائها عمن أحدث ضررًا، وذلك فيما يتعلق بركن الخطأ، وهي حالة قيام الموظف العام بعمل تنفيذًا لنص نظامي أو لأمر صدر إليه من رئيسه ترتب عليه ضرر على الغير.
واشترطت المادة لانتفاء المسؤولية عن الموظف ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون من صدر منه العمل موظفًا عامًّا، والموظف العام هو: من يعمل لدى الدولة، أو لدى أحد الأجهزة ذات الشخصية المعنوية العامة -بأي صفة كانت- سواء كان يعمل بصورة دائمة أو مؤقتة.
الشرط الثاني: أن يكون الموظف العام قد قام بهذا العمل تنفيذًا لنص نظامي أو لأمر صدر إليه من رئيسه، وكانت إطاعة هذا النص أو الأمر واجبة عليه، أو كان يعتقد لمبررات مقبولة أنها واجبة؛ فلا يكفي أن يعتقد الموظف أن إطاعة الرئيس واجبة، بل يجب مع ذلك أن يعتقد أن إطاعة الأمر ذاته الذي صدر إليه من رئيسه واجبة.
الشرط الثالث: أن يثبت الموظف أمرين:
الأمر الأول: أنه كانت لديه أسباب معقولة جعلته يعتقد مشروعية العمل الذي قام به.
الأمر الثاني: أنه راعى في هذا العمل جانب الحيطة والحذر، فلم يقم به إلا بعد التثبت والتحري، والمعيار في ذلك هو سلوك الموظف المعتاد.
فمتى تحققت الشروط الثلاثة انتفت المسؤولية عن الموظف؛ فالعمل الذي صدر منه لا يعد انحرافًا في سلوك الشخص المعتاد؛ فإن الشخص المعتاد إذا وجد في مثل هذه الظروف لا يجد بدًّا من تنفيذ العمل إطاعة للنص النظامي أو لأمر رئيسه.
وانتفاء المسؤولية عن الموظف لا يعفي رئيسه الآمر من المسؤولية فيما نتج عن أمره من ضرر متى توفرت أركان المسؤولية.
المادة السابعة والعشرون بعد المائة
تناولت المادة حكم تعدد المسؤولين عن الفعل الضار، وهي الحالة التي يسهم فيها أكثر من شخص في إحداث الضرر دون أن يستغرق خطأ كل منهم الآخر.
فقررت المادة أنه إذا تعدد المسؤولون عن إحداث الفعل الضار دون أن يستغرق خطأ كل منهم الخطأ الآخر فيعدُّ كل خطأ سببًا في إحداث الضرر.
وبينت المادة الحكم العام في هذا الشأن وهو مسؤولية كل منهم أمام المتضرر بالتضامن فيما بينهم، فيجوز للمتضرر أن يرجع على أي منهم بالتعويض كاملاً، ثم يتقاسم المسؤولون الغرم فيما بينهم.
والأصل وفق المادة أن تعين المحكمة نصيب كل منهم في التعويض وفقًا للقواعد الواردة في هذا الفصل، وإذا تعذر تعيين نصيب كل منهم فتكون المسؤولية بينهم بالتساوي على عددهم.
ويتحصل مما تقدم أنه يشترط لقيام التضامن بين المسؤولين عن الفعل الضار الآتي:
الشرط الأول: أن يكون كل منهم قد ارتكب خطأ.
الشرط الثاني: أن يكون الخطأ الذي ارتكبه كل منهم أسهم في إحداث الضرر؛ فلو لعب عدة أشخاص الكرة في الطريق وقذفها أحدهم على شخص فأضر به فيكون من قذف تلك الكرة وحده هو المسؤول.
الشرط الثالث: أن يكون الضرر الذي وقع منهم ضررًا واحدًا، أما لو اختلف الضرر فلا تضامن، ويكون كل منهم مسؤولاً عن الضرر الذي أحدثه.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأحكام مفترضة في الأحوال التي تتعدد فيها المسؤولية وتتوفر في كل مسؤولية أركانها؛ فيتحقق التضامن دون اشتراط أن يكون هناك تواطؤ بين المسؤولين، ولا أن ترتكب الأخطاء في وقت واحد، أو تكون عملاً واحدًا.
كما يشار إلى أن المادة تتصل بتعدد الأسباب؛ أما إذا كان السبب واحدًا وتعاقبت الأضرار؛ مثل ما لو تسبب في إصابة شاة بوباء ثم تعاقب هذا الوباء على باقي الشياه وباقي المراعي، فالأصل الوقوف عند الضرر المباشر دون الضرر غير المباشر، ومعيار الضرر المباشر هو ما كان نتيجةً طبيعيةً للفعل الضار وفقًا للمادة (١٣٧) من هذا النظام.
المادة الثامنة والعشرون بعد المائة
تناولت المادة حكم اشتراك المتضرر بخطئه في الضرر؛ فقد يتسبب خطأ المتضرر في إحداث الضرر أو الزيادة فيه، فمثال الأول: إذا وقع تصادم بين سيارتين ثبت أن سائقيهما قد ارتكب كل منهما خطأ، ومثال الثاني: إذا جُرح شخص في حادث وأهمل علاج نفسه فزاد الضرر.
والأصل أن كلاً من الخطأين يعتبر سببًا في إحداث الضرر؛ إذ لولاه لما وقع هذا الضرر وهذا ما يسمى بالخطأ المشترك، وفي هذه الحالة تنشأ مسؤولية على كلٍّ من المدعى عليه وعلى المتضرر بقدر إحداثه الضرر أو الزيادة فيه؛ حيث رتبت المادة على ذلك أحد أمرين هما:
الأمر الأول: سقوط حق المتضرر في التعويض كاملاً، ويكون ذلك في حال ما إذا استغرق خطأ المتضرر خطأ المدعى عليه.
الأمر الثاني: سقوط بعض حق المتضرر في التعويض، ويكون ذلك في حال ما إذا لم يستغرق خطأ المتضرر خطأ المدعى عليه، فيسقط من التعويض بقدر نسبة اشتراك المتضرر في إحداث الضرر أو الزيادة فيه.
وقد يسهم في إحداث الضرر المتضرر وآخران معه وكلهم مسؤولون بالتساوي، ففي هذه الحالة يتحمل المتضرر ثلث الضرر، ويتحمل الآخران متضامنين الثلثين الباقيين، فللمتضرر أن يرجع على كل منهما بنسبته، وله أن يرجع بثلثي التعويض على أي منهما، ويرجع من دفع الثلثين حال التضامن على المسؤول الآخر بالثلث وفقًا للمادة (١٢٧) من هذا النظام.
ويشار إلى أن المادة تتصل بتعدد الأسباب كالمادة (١٢٧) من هذا النظام؛ أما إذا كان السبب واحدًا وتعاقبت الأضرار، فالأصل الوقوف عند الضرر المباشر دون الضرر غير المباشر.
المادة التاسعة والعشرون بعد المائة
نظمت المادة أحكام المسؤولية عن فعل الغير، وحددت حالتين تقوم فيهما المسؤولية عن فعل الغير، هما: مسؤولية متولي الرقابة ومسؤولية المتبوع، وذلك على النحو الآتي:
الحالة الأولى: مسؤولية من تجب عليه الرقابة عن فعل الخاضع لرقابته، فقررت الفقرة (١) الأصل في ذلك، وهو أن كل من تجب عليه نظامًا أو بمقتضى حكم قضائي أو بمقتضى الاتفاق رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة، يكون مسؤولاً في مواجهة المتضرر، عن تعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الشخص.
وقد حددت المادة نطاق هذه الرقابة وعلتها، وذلك في الحالات التي تكون فيها الرقابة بسبب صغر السن أو قصور الحالة العقلية أو الجسمية؛ ومثالها: رقابة الولي على الصغير أو الرقابة على المجنون أو رقابة الممرض على الشخص العاجز جسديًّا ونحوها.
أما مصدر الالتزام بالرقابة، فقد تكون هذه الرقابة نظامية ولا تتوقف على حكم قضائي؛ كما في رقابة الأب على ابنه غير المميز، وقد تكون بحكم قضائي؛ كما في رقابة الولي المعين من المحكمة على الصغير غير المميز، وقد تكون اتفاقية؛ كما في رقابة من يتم التعاقد معه لرعاية شخص مجنون أو عاجز جسديًّا. وقد ينتقل الالتزام بالرقابة؛ كالابن الذي في رقابة أبيه فإذا ذهب إلى المدرسة انتقلت الرقابة عليه أثناء وجوده في المدرسة إلى معلم أو مدير المدرسة.
ويشترط لتحقق هذه المسؤولية حدوث ضرر ممن هو تحت الرقابة وفق أحكام النظام، ويشمل ذلك غير المميز، ومسؤولية متولي الرقابة في حال كان الخاضع للرقابة غير مميز مسؤولية أصلية، وليست مسؤولية تبعية، أما مسؤولية غير المميز الواردة في المادة (١٢٢) من هذا النظام فهي مسؤولية تبعية عند تعذر رجوع المتضرر على متولي الرقابة.
ومسؤولية متولي الرقابة تقوم على أساس خطأ مفترض، فمن وجبت عليه الرقابة يفترض خطؤه باعتبار أنه قصر في واجب الرقابة، كما تفترض معه أيضًا علاقة سببية ما بين هذا الخطأ المفترض وبين الضرر، والافتراض هنا قابل لإثبات العكس، فيستطيع متولي الرقابة أن ينفي ذلك بأحد أمرين وفق ما قررته الفقرة:
الأمر الأول: أن يثبت انتفاء الخطأ من خلال قيامه بواجب الرقابة بما ينبغي من العناية.
الأمر الثاني: أن يثبت انتفاء علاقة السببية، بأن يكون الضرر لا بد من حدوثه ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية؛ كأن يثبت أن الضرر وقع بسبب لا يد له فيه كقوة قاهرة.
ففي أيٍّ من هذين الأمرين ترتفع المسؤولية عن متولي الرقابة، وتبقى مسؤولية من أحدث الضرر وفقًا لقواعد المسؤولية.
الحالة الثانية: مسؤولية المتبوع عن الضرر الذي يحدثه التابع، حيث قررت الفقرة (٢) الحكم العام، وهو قيام مسؤولية المتبوع في مواجهة المتضرر، وبينت شروط قيام هذه المسؤولية، وهي:
الشرط الأول: أن يقع الخطأ من التابع، فلا تقوم مسؤولية المتبوع إلا إذا تحققت مسؤولية التابع حيث إن الأولى فرع عن الثانية، ويترتب عليه أنه إذا انتفت مسؤولية التابع انتفت مسؤولية المتبوع؛ كما لو انتفت علاقة السببية بين الخطأ والضرر، وعبء إثبات هذا الخطأ من التابع يقع على المتضرر.
الشرط الثاني: أن يكون الخطأ قد وقع من التابع في إحدى حالتين:
الحالة الأولى: خطؤه أثناء تأدية عمله؛ مثل خطأ سائق سيارة النقل أثناء عملية النقل.
الحالة الثانية: خطؤه بسبب هذا العمل، أي أن تربط علاقة سببية بين الخطأ والعمل، بحيث يثبت أن التابع لم يكن ليستطيع ارتكاب الخطأ لولا العمل؛ مثل ما إذا كان شخص يعمل في شركة شحن فسرق طردًا تسلمه بحكم عمله.
الشرط الثالث: أن تكون للمتبوع سلطة فعلية في رقابة التابع وتوجيهه ولو لم يكن المتبوع حرًّا في اختيار تابعه؛ ومثال السلطة في التوجيه سلطة توجيه الأوامر، ومثال السلطة في الرقابة سلطة رقابة تنفيذ الأوامر والمحاسبة عليها.
فإذا تحققت هذه الشروط كان المتبوع مسؤولاً، ومصدر هذه المسؤولية هو النظام، ولا يستطيع المتبوع أن يدفعها عن نفسه بإثبات أنه لم يرتكب خطأ أو إثبات أن الضرر كان لا بد واقعًا ولو قام بواجبه في اختيار التابع ورقابته وتوجيهه، أما الدفوع الأخرى التي يترتب عليها نفي أساس المسؤولية كنفي علاقة السببية فهي تتعلق بأساس مسؤولية التابع، ولا تقوم مسؤولية المتبوع إلا حال قيام مسؤولية التابع.
وبينت الفقرة (٣) أن من أدى التعويض المنصوص عليه في الفقرة (١) والفقرة (٢)، وهو متولي الرقابة أو المتبوع، له حق الرجوع على محدث الضرر في الحدود التي يكون فيها محدث الضرر مسؤولاً عن تعويض الضرر، ذلك أن الأصل أنه إذا ترتبت مسؤولية الشخص عن فعل غيره وفق أحكام المادة، فإنه ينشأ عن ذلك وجود شخصين مسؤولين؛ أحدهما محدث الضرر، والآخر المسؤول عنه وهو متولي الرقابة أو المتبوع، أما محدث الضرر فيسأل بناءً على خطأ يقام الدليل عليه، وأما المسؤول عنه فيسأل بناءً على خطأ مفترض.
فللمتضرر أن يرجع على محدث الضرر وتنتهي المسألة عند هذا الحد، أما إذا أدى متولي الرقابة أو المتبوع التعويض، فله حق الرجوع على محدث الضرر، إلا إذا كان غير أهل للمساءلة؛ على اعتبار أن مسؤولية متولي الرقابة هنا مسؤولية أصلية، ومسؤولية محدث الضرر مسؤولية تبعية؛ وعلى هذا فعند الرجوع على الخاضع للرقابة تطبق قواعد المسؤولية، فإذا كان الخاضع للرقابة فاقد التمييز فلا رجوع في هذه الحالة؛ إذ إن المادة (١٢٢) من هذا النظام قيدت حق الرجوع على غير المميز بعدم إمكان الرجوع على المسؤول عنه.
المادة الثلاثون بعد المائة
تناولت المادة أحكام المسؤولية عن الحيوان، حيث قررت الحكم العام وهو مسؤولية حارس الحيوان عن تعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الحيوان.
وهذه المسؤولية لها شرطان:
الشرط الأول: تولي شخص حراسة الحيوان؛ فمناط المسؤولية هو الحراسة، وفق مفهومها المبين في المادة (١٣٤) من هذا النظام.
الشرط الثاني: إحداث الحيوان ضررًا على الغير.
وبينت المادة أن حارس الحيوان يستطيع أن ينفي عنه المسؤولية بنفي علاقة السببية ما بين فعل الحيوان والضرر الذي وقع، وذلك بأن يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب لا يد له فيه؛ كقوة قاهرة.
فإذا دهس حيوان شخصًا فجرحه أو قتله فيضمن حارس الحيوان ذلك الضرر، وله أن يدفعه بإثبات أن الضرر نشأ بسبب لا يد له فيه؛ كأن يقصف رعد بصوت شديد فيجفل الحيوان ويصيب الغير.
وتسري هذه المسؤولية ولو ضل الحيوان عن صاحبه.
وتجدر الإشارة إلى أنه يجب في تطبيق أحكام المادة مراعاة النصوص النظامية ذات الصلة؛ كأنظمة الطرق وتنظيم السير.
المادة الحادية والثلاثون بعد المائة
نظمت المادة أحكام المسؤولية عما يحدثه تهدم البناء كله أو بعضه من ضرر، فقررت الحكم العام وهو مسؤولية حارس البناء عن هذا الضرر.
والبناء هو كل ما شيده الإنسان متصلاً بالأرض اتصال قرار، فالأرض المجردة لا تعد بناءً؛ فلو تطاير منها حجارة تضرر منها شخص آخر، فلا يعد هذا من الضرر الذي يحدثه تهدم البناء.
والمسؤولية التي قررتها المادة لها شرطان:
الشرط الأول: تولي شخص حراسة البناء؛ فمناط المسؤولية هو الحراسة، وفق مفهومها الوارد في المادة (١٣٤) من هذا النظام، وتكون بالسلطة الفعلية على البناء، وهذه السلطة تبقى عادة عند المالك، ما لم تثبت الحراسة لموجب آخر؛ كحالة الغصب والسرقة، أما المستأجر، فلا يعدُّ حارسًا إلا بانتقال السلطة الفعلية على المأجور من المالك إلى المستأجر سواء كان باتفاق أو غيره.
الشرط الثاني: إحداث تهدم البناء ضررًا على الغير؛ حيث قصرت المادة نطاق المسؤولية عن البناء على حالة التهدم الكلي أو الجزئي، فلا بد أن يكون تهدم البناء هو الذي أحدث الضرر، أما إذا لم يكن الضرر ناشئًا عن التهدم فلا تتحقق المسؤولية وفقًا لحكم المادة؛ كما إذا احترق المبنى وامتد الحريق لمبان أخرى، وذلك دون إخلال بأي مسؤولية أخرى.
فإذا تحقق هذان الشرطان، قامت مسؤولية حارس البناء، التي تستند إلى خطأ مفترض في جانبه، وقررت المادة الأحوال التي يمكن للحارس دفع المسؤولية بها، وهي إثبات أن الضرر لا يرجع سببه إلى إهمال في الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه، فإذا لم يثبت ذلك، فليس له أن يدفع المسؤولية إلا بنفي علاقة السببية ما بين الخطأ المفترض والضرر الذي وقع؛ كإثبات نشوئه عن قوة قاهرة.
وعلى هذا فمسؤولية حارس البناء قائمة على قرينتين:
القرينة الأولى: أن التهدم سببه إهمال في الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه.
القرينة الثانية: أن هذا الإهمال يعود إلى خطأ الحارس.
والقرينة الأولى قابلة لإثبات العكس بأن يثبت الحارس أن التهدم ليس سببه إهمالاً في صيانة البناء أو تجديده أو إصلاحه، وذلك إما بإثبات أن البناء لم يكن في حاجة إلى الصيانة أو التجديد أو الإصلاح؛ لكونه قد قام بما يجب عليه من الصيانة والتجديد والإصلاح، أو بإثبات أن التهدم لم يكن بسبب حاجة البناء لأي مما ذكر، وإنما بسبب أمر آخر؛ كحريق في المبنى المجاور.
وأما القرينة الثانية فهي غير قابلة لإثبات العكس، فمتى ما ثبت أن التهدم سببه إهمال في الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه، لم يكن له دفع المسؤولية عنه بإثبات عدم وقوعه في الخطأ، وإنما ينحصر ذلك في نفي علاقة السببية.
المادة الثانية والثلاثون بعد المائة
تناولت المادة أحكام المسؤولية عن الضرر الذي تحدثه أشياء تتطلب عناية خاصة لمنع وقوع الضرر منها، فقررت الحكم العام وهو مسؤولية حارس تلك الأشياء عن هذا الضرر.
ويقصد بالشيء أي شيء مادي غير حي سواء كان منقولاً أو عقارًا عدا البناء؛ مثل السيارات والآلات الميكانيكية والأشجار، وأما البناء والحيوان والأشياء غير المادية فلا تدخل في نطاق المادة.
والمسؤولية التي قررتها المادة لها شرطان:
الشرط الأول: تولي شخص حراسة تلك الأشياء؛ فالحراسة هي مناط المسؤولية، وفق مفهومها الوارد في المادة (١٣٤) من هذا النظام، حيث يُفترض في مالك الشيء أنه حارسه، ما لم يثبت خلاف ذلك، فإذا وضع مالك المعدات معداته في مكان معد لها فيكون هو الحارس، أما إذا كان لذلك المكان مشرف على رقابته تعاقد معه المالك فيكون هو الحارس.
الشرط الثاني: إحداث تلك الأشياء ضررًا على الغير؛ إذ لا بد أن يقع الضرر من ذلك الشيء.
والمفترض أن الضرر ناشئ عن الشيء حتى يثبت المسؤول عنه خلاف ذلك.
وقد قيدت المادة المسؤولية بالأشياء التي تتطلب عناية خاصة، ويمكن تحديد ذلك بأحد أمرين:
الأمر الأول: بالرجوع إلى طبيعة الشيء؛ فالآلات الميكانيكية مثلاً تتطلب بطبيعتها عناية خاصة، وقد تقتضي هذه العناية ظروف الشيء وملابساته.
الأمر الثاني: بموجب النصوص النظامية؛ فالأشياء التي تتطلب عناية خاصة وفقًا للأحكام المنصوص عليها في الأنظمة ذات الصلة بأشياء معينة، تعد مشمولةً بحكم المادة.
ثم بينت المادة الحالة التي يستطيع فيها الحارس دفع هذه المسؤولية من خلال نفي علاقة السببية، وذلك بإثبات أن الضرر قد حدث بسبب لا يد له فيه؛ كالقوة القاهرة.
المادة الثالثة والثلاثون بعد المائة
قررت المادة الحق لمن كان مهدَّدًا بأيِّ ضرر من أيِّ شيء معين في اتخاذ بعض التدابير الاحترازية وقاية من ذلك الضرر.
ونطاق تطبيق المادة هو في الحالات التي يكون فيها ضرر قريب الوقوع، والتدابير التي أتاحتها المادة لكل من كان مهدَّدًا بهذا الضرر، على النحو الآتي:
أولاً: مطالبة الحارس باتخاذ التدابير اللازمة لدرء خطر هذا الضرر.
ثانيًا: إذا لم يقم الحارس باتخاذ التدابير اللازمة في وقت مناسب، فللمهدد بالخطر الحق في الحصول على إذن من المحكمة في إجرائها على نفقة المالك، وفي هذه الحالة لا بد أن يثبت أمام المحكمة مطالبته للحارس باتخاذ تلك التدابير وعدم قيام الحارس بها في الوقت المناسب، وأن يحدد التدابير المطلوبة تحديدًا دقيقًا، وفي حال إجرائها على نفقة المالك فيجب الاقتصار على التدابير اللازمة دون أي تدابير إضافية، وأن يقتصر على النفقة المعتادة في إجرائها وأن يُعِدَّ حسابًا مفصلاً بكل ما أنفقه.
على أنه يراعى أن قواعد الفضالة تقتضي أن الأعمال التي تجب على الحارس إذا قام بها غيره فله الرجوع على الحارس والمطالبة بنفقات تلك الأعمال بدعوى الفضالة.
ثالثًا: يجوز في حال الاستعجال التي تتطلب اتخاذ تدابير فورية أن يتخذ المهدد بالخطر هذه التدابير دون إذن المحكمة، ويشترط في هذه الحال أن يثبت من قام باتخاذ التدابير أن حال الاستعجال لا تحتمل الرجوع إلى المحكمة، وتطبق في هذه الحال أيضًا الأحكام المتصلة بذلك، ومنها: الاقتصار على القدر اللازم لدرء الخطر وإعداد حساب عنه.
المادة الرابعة والثلاثون بعد المائة
بينت المادة مفهوم الحارس، فالمقصود بحارس الشيء من له السلطة الفعلية على الشيء لحساب نفسه، فلا يشترط أن تكون هذه السلطة أساسها النظام فهي تنشأ ولو قامت من حيث الأمر الواقع فحسب.
فالحراسة لها ركنان:
الركن الأول: أن تكون للشخص سلطة فعلية على الشيء وذلك في التوجيه والرقابة والتصرف، وهذا هو الركن المادي.
الركن الثاني: أن يستعمل الشخص هذه السلطة على الشيء لحساب نفسه لا لحساب غيره، وهذا هو الركن المعنوي؛ فلا يعد التابع الذي يرعى الشيء لحساب متبوعه حارسًا له.
وقررت المادة أن هذا الوصف للحارس يرتبط بهذه السلطة سواء كان يباشرها الحارس بنفسه أو بوساطة غيره، ولو كان الحارس غير مميز؛ فلو كان مالك البناء غير مميز وله ولي له سلطة فعلية عليه، فيعد غير المميز حارسًا للبناء.
وقررت المادة قرينة نظامية بسيطة قابلة لإثبات العكس، وهي افتراض أن مالك الشيء هو حارسه ما لم يثبت انتقال الحراسة إلى غيره.
وانتقال الحراسة يكون بانتقال السيطرة الفعلية على الشيء إلى الغير، فيعد ذلك الغير هو الحارس، سواء كان هذا الانتقال بإرادة المالك؛ كتصرفه النظامي بالإعارة، أو دون إرادته؛ كسرقة الشيء.
المادة الخامسة والثلاثون بعد المائة
قررت المادة حكمًا عامًّا فيما يتعلق باستعمال الحق في المنافع العامة، وهو قيام التزام على من استعمل حقه في منفعة عامة بعدم تهديد سلامة الآخرين بأي ضرر، ويقصد بالمنفعة العامة أي منفعة مشتركة بين العموم؛ كالطرق العامة.
ورتبت المادة المسؤولية عن الضرر على من أخل بهذا الالتزام بأن استعمل حقه في المنفعة العامة على وجه أضر بغيره بشرط أن يكون هذا الضرر مما يمكن المسؤول التحرز منه، فإن لم يمكنه التحرز منه فلا تترتب المسؤولية.
المادة السادسة والثلاثون بعد المائة
تناولت المادة الأصل في التعويض عن الضرر، ومعيار ذلك.
أما الأصل في التعويض؛ فهو جبر الضرر كاملاً، فالأصل وجوب التعويض عن الضرر المباشر كله، ذلك أن المدين مسؤول عن كامل الضرر الذي أحدثه مباشرة بخطئه.
وأما المعيار الذي يتحقق به جبر الضرر؛ فبينت المادة أنه يكون بأحد أمرين:
الأمر الأول: إعادة المتضرر إلى الوضع الذي كان فيه قبل وقوع الضرر؛ مثل إصلاح خلل تسبب فيه محدث الضرر ليعود الشيء كما كان.
الأمر الثاني: إعادة المتضرر إلى الوضع الذي كان من الممكن أن يكون فيه لولا وقوع الضرر؛ مثل التعويض عن الكسب المحقق الناشئ عن مدة حبس الشيء، فهذا الوضع لم يكن المتضرر فيه قبل الضرر فعليًّا، وإنما كان من الممكن أن يكون فيه لولا وقوع الضرر.
وهذا المعيار يضمن شمول الالتزام الناشئ عن المسؤولية التقصيرية للضرر؛
ويترتب عليه حكمان:
الحكم الأول: ألا ينقص التعويض عن جبر الضرر الذي أصاب المتضرر؛ فهذا الالتزام ينشئ للمتضرر حقًّا في جبر ضرره كاملاً، على أنه في بعض الحالات يكون من أحدث الضرر ملزمًا بالتعويض بالقدر الذي تراه المحكمة مناسبًا؛ كما في المادة (١٢٢) والمادة (١٢٣) والمادة (١٢٤) من هذا النظام.
الحكم الثاني: ألا يزيد التعويض عن المستحق؛ بحيث يؤدي إلى حصول المتضرر على ما يزيد عما يجبر الضرر، فلو كان هناك تلف جزئي في الشيء فإما أن يحصل على تعويض مقابل هذا التلف أو أن يترك الشيء ويأخذ قيمته، أما إعطاؤه شيئًا جديدًا مكانه، فإنه يترتب على ذلك أن يحصل على فرق قيمة الجديد عن القديم بلا مقابل.
وأما إذا لم يترتب على الخطأ ضرر فلا تنشأ المسؤولية، ومن ثم فلا تعويض.
المادة السابعة والثلاثون بعد المائة
بينت المادة تحديد الضرر الذي يلتزم المسؤول بالتعويض عنه، بأنه مجموع عنصرين:
العنصر الأول: ما لحق المتضرر من خسارة.
العنصر الثاني: ما فات المتضرر من كسب.
والقاعدة العامة أن المتضرر هو من يقع عليه عبء إثبات هذين العنصرين.
فلو أن شخصًا أتلف سيارة مملوكة لآخر قيمتها مائة ألف ريال وكان في سبيل بيعها بربح قدره ألفا ريال، فقيمة السيارة هي الخسارة والألفان هما الكسب الذي فاته، وكلاهما يعدُّ ضررًا مباشرًا.
وقد وضعت المادة معيارًا لتحقق هذين العنصرين، وهو أن يكون ذلك الضرر نتيجةً طبيعيةً للفعل الضار، كما وضعت المادة مقياسًا لذلك، وهو ألا يكون في مقدور المتضرر تفادي ذلك الضرر ببذل الجهد المعقول الذي تقتضيه ظروف الحال من الشخص المعتاد، فإذا تحقق ذلك كان الضرر مشمولاً بالتعويض، ويشمل ذلك الضرر المادي، والضرر المعنوي وفقًا للمادة (١٣٨) من هذا النظام.
وبناء على ما قررته المادة يجب أن يتحقق في الضرر الذي يعوض عنه الآتي:
أولاً: أن يكون الضرر محقَّقًا؛ سواء كان حالاًّ أو محقق الوقوع في المستقبل، أما الضرر المحتمل، فلا يعوض عنه؛ إذ لا يمثل خسارة أو كسبًا فائتًا. مثال ذلك: أن يحدث شخص بخطئه خللاً في منزل جاره، فالضرر الحال هنا هو ما وقع من هذا الخلل، ويلتزم المسؤول بإصلاحه، ولكنه لا يلتزم بإعادة بناء المنزل إذا لم يكن من المحقق أن الخلل سيؤدي إلى تهدمه، وإذا تهدم المنزل فعلاً بسبب الخلل رجع صاحب المنزل على المسؤول بالتعويض عن ذلك.
ثانيًا: أن يكون الضرر مباشرًا؛ أما الأضرار غير المباشرة وهي التي لا تكون نتيجة طبيعية للفعل الضار، أو كان بمقدور المتضرر تفاديها ببذل جهد معقول؛ فلا يكون المدعى عليه مسؤولاً عنها.
ومن صور الضرر الذي يمكن للمتضرر أن يتفاداه ببذل الجهد المعقول الذي تقتضيه ظروف الحال من الشخص المعتاد: إذا أتلفت سيارة نقل مملوكة لتاجر، كان بإمكانه أن يبادر إلى إثبات حالتها وإصلاحها أو أن يشتري أو يستأجر غيرها حتى لا تتأخر تجارته، فإن لم يفعل ذلك فليس له أن يطالب بالتعويض عما أصاب تجارته.
والمعيار في ذلك موضوعي وليس شخصيًا؛ وهو معيار الشخص المعتاد، وأساس هذا المعيار هو أن المتضرر إذا لم يبذل جهدًا معقولاً في تفادي الضرر يكون قد أخطأ أيضًا، ومن ثم يكون قد اشترك في الخطأ، وعليه أن يتحمل تبعة خطئه.
ومن المعتاد عند تقدير التعويض أن تكون هناك بعض العوارض والظروف الملابسة التي قد تؤثر وقد لا تؤثر في التقدير، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: لا يؤثر في تقدير التعويض كون الضرر متوقعًا أو غير متوقع، فالتعويض يشمل كل ضرر مباشر، متوقعًا كان هذا الضرر أو غير متوقع؛ كما لو ضرب شخص آخر مريضًا بالقلب فمات من الضربة مع أنها لم تكن لتؤدي إلى ذلك لولا إصابته بهذا المرض.
ثانيًا: لا يؤثر في تقدير التعويض جسامة الخطأ الصادر من المسؤول، فتقدير التعويض إنما يراعى فيه مقدار الضرر، ومهما كانت جسامة الخطأ فيجب ألا يزيد التعويض على مقدار الضرر.
ثالثًا: تراعى عند تقدير التعويض الظروف الشخصية التي تحيط بالمتضرر، أما الظروف الشخصية التي تحيط بالمسؤول فلا تؤثر في التقدير؛ فإذا كان المسؤول عن الضرر غنيًا أو فقيرًا، فلا أثر لذلك في تقدير التعويض، ويستثنى من ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز وفق ما بينته المادة (١٢٢) من هذا النظام.
رابعًا: يراعى عند تقدير التعويض تغير الضرر، فالضرر المتغير له صورتان:
الصورة الأولى: التغير في الضرر ذاته من زيادة يعود أصلها إلى خطأ المسؤول أو نقص أيًّا كان سببه، فالعبرة دائمًا في تقدير التعويض بوقت الحكم زاد الضرر أو نقص، فيراعى عند تقدير التعويض أي تطور طرأ على الضرر، مع مراعاة قواعد المسؤولية بأن يكون هذا التطور عائدًا لذات الخطأ، وفي الوقت ذاته يراعى تطور الضرر تخفيفًا؛ فيقدر الضرر بالحالة التي وصل إليها، وسند ذلك معيار جبر الضرر وفقًا للمادة (١٣٦) من هذا النظام بإعادة المتضرر إلى الوضع الذي كان فيه أو كان من الممكن أن يكون فيه لولا وقوع الضرر.
الصورة الثانية: التغير في قيمة الضرر بزيادة الأسعار التي يقدر بها التعويض عن الضرر أو نقصها، فالمعتبر أيضًا هو وقت الحكم؛ إذ التعويض لا يكون كافيًا لجبر الضرر إذا لم يراع في تقديره قيمة الضرر عند الحكم، والمقصود هنا تحديد معيار العوض الذي يجبر به الضرر، أما ما يتعلق بما فات من كسب حتى وقت الحكم أو تحقق من زيادة؛ فتحكمه القواعد العامة سواء ما تعلق منها بالكسب الفائت أو بالإثراء بلا سبب.
خامسًا: تراعى عند تقدير التعويض النفقات التي تحملها المتضرر لرفع الضرر أو تجنب تفاقمه، وسند هذا الاستحقاق أنها ناشئة عن الضرر.
المادة الثامنة والثلاثون بعد المائة
تناولت المادة الضرر الذي يجب التعويض عنه باعتبار طبيعته؛ فالضرر إما أن يكون ماديًّا، وهو الأصل والأغلب، وقد يكون معنويًّا.
فتضمنت الفقرة (١) الحكم العام، وهو شمول التعويض عن الضرر للضرر المعنوي، وذلك بعد توفر ركني المسؤولية الآخرَين من خطأ وعلاقة سببية.
والضرر المعنوي في مفهومه العام يتناول أي ضرر غير مادي، فهو يتناول أي ضرر يمس الجانب النفسي أو جانب العواطف.
وبينت الفقرة (٢) أهم صور الضرر المعنوي الذي يصيب الشخص ذا الصفة الطبيعية، وقد جاء تعداد هذه الصور لا على سبيل الحصر، وقد عرضت هذه الفقرة لصور الضرر المعنوي في نطاقين:
النطاق الأول: مظهر الضرر المعنوي، وهو الأذى الحسي أو النفسي، والمقصود هو تحقق قدر غير معتاد من هذا الأذى؛ فالمشاعر العادية التي تحصل نتيجة الأفعال المعتادة لا تعدُّ بحد ذاتها ضررًا معنويًّا، ما لم تظهر أمارات خارجة عن المعتاد.
النطاق الثاني: السبب المنتج لهذا الأذى، وهو المساس بجسم الشخص أو حريته أو عرضه أو سمعته أو مركزه الاجتماعي.
فمن صور الأذى النفسي الناشئ عن المساس بالعرض؛ السب والشتم الذي يمس عرض المتضرر، فإذا نشأ عن هذا الفعل أذى نفسي غير معتاد للمتضرر، ترتبت عليه المسؤولية.
وتجدر الإشارة إلى أنه وفقًا لنص الفقرة لا يشمل الضررُ المعنوي الشخصَ ذا الصفة الاعتبارية، فليس لهذا الشخص الحق في التعويض عن الضرر المعنوي، أما إذا ترتب على ذلك ضرر مادي فيشمله التعويض، وذلك بعد توفر ركني المسؤولية الآخرَين الخطأ وعلاقة السببية.
وأوضحت الفقرة (٣) أن الحق في التعويض عن الضرر المعنوي لا ينتقل إلى الغير إلا إذا تحددت قيمته بمقتضى نظامٍ، أو اتفاقٍ، أو بمقتضى حكمٍ قضائيٍّ بأن طالب به المتضرر وصدر به حكم، على اعتبار أنه في هذه الحالة ظهرت إرادته القاطعة في المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي، ومن ثم أصبح حق التعويض حقًّا ماليًّا كسائر الحقوق المالية.
وبينت الفقرة (٤) أن المحكمة هي التي تقدر الضرر المعنوي الذي أصاب المتضرر، وفضلاً عن مراعاة قواعد المسؤولية وقواعد تقدير الضرر المقررة، فإن طبيعة الضرر المعنوي تقتضي أن تراعي المحكمة عند تقديره عددًا من الأمور، وهي:
الأمر الأول: نوع الضرر المعنوي وطبيعته؛ فالضرر الذي يمس العرض قد يكون أشد من الضرر الذي يمس المركز الاجتماعي، وكذلك طبيعة المظهر الذي يظهر فيه أثر الضرر المعنوي وهو الأذى الحسي أو النفسي.
الأمر الثاني: شخص المتضرر؛ فالضرر الذي يمس المركز الاجتماعي مثلاً يتأثر بدرجة ذلك المركز وهكذا.
المادة التاسعة والثلاثون بعد المائة
بينت الفقرة (١) أن التعويض لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: التعويض بمقابل نقدي، وقررت الفقرة أن هذا هو الأصل في تقدير التعويض، فيقدر التعويض بالنقد.
الحالة الثانية: التعويض العيني، وهو قليل في المسؤولية التقصيرية؛ فالأصل ألا يجبر المسؤول عن الضرر على التعويض العيني، إلا أن هناك صورًا من الممكن أن تؤول إلى التعويض العيني، وقد أوردت الفقرة صورة التعويض بالمثل؛ مثل ما لو أتلف هاتفًا نقالاً جديدًا في وعاء بيعه، ورأت المحكمة الإلزام بتعويض المتضرر بهاتف نقال آخر؛ لمناسبة ذلك في جبر الضرر. وكذلك التعويض بإعادة الحال إلى ما كانت عليه؛ مثل ما لو كان هناك حائط يحجب عنه الهواء فيكون التعويض هنا بالإلزام بإزالة هذا الحائط.
الحالة الثالثة: التعويض بمقابل غير نقدي، وقد قررت الفقرة القاعدة العامة في ذلك وهي أن للمحكمة أن تقضي بأمر معين متصل بالفعل الضار؛ كأن تأمر بنشر الحكم على نفقة المحكوم عليه لجبر الضرر المعنوي الذي أصاب المتضرر.
وتجدر الإشارة إلى أنه في ظل تقرير أن الأصل هو التعويض النقدي؛ فإن جواز انتقال المحكمة منه إلى غيره يكون تبعًا للظروف، وبناءً على ما يطالب به المتضرر.
وأوضحت الفقرة (٢) آلية أداء التعويض؛ فالأصل أن يكون التعويض النقدي مبلغًا معيناً يعطى دفعة واحدة، إلا أن الفقرة أجازت أداء التعويض على حالتين:
الحالة الأولى: أداء التعويض على أقساط، بحيث يدفع على أقساط تحدد مددها وعددها، ويتم استيفاء التعويض بدفع آخر قسط منها.
الحالة الثانية: أداء التعويض في صورة إيراد مرتب، يكون مدى الحياة، فيدفع على أقساط تحدد مددها، ولكن لا يعرف عددها؛ لأن الإيراد يدفع ما دام صاحبه على قيد الحياة ولا ينقطع إلا بموته.
وجعل الحكم بأي من هاتين الحالتين للمحكمة؛ فمثلاً لو أدى الضرر إلى عجز عن العمل مدة معينة، فالمناسب في هذه الحالة أداء التعويض على أقساط مدة العجز، وإذا كان العجز دائمًا فالمناسب التعويض في صورة إيراد مرتب مدى الحياة؛ مع مراعاة مقتضى النصوص الخاصة في هذا الشأن.
وأجازت الفقرة للمحكمة في هاتين الحالتين أن تحكم بإلزام المدين بتقديم ضمانٍ كاف؛ يضمن أداء التعويض في مدده المستحقة.
المادة الأربعون بعد المائة
بينت المادة الحكم فيما إذا ترتب على الفعل الضار تلف جسيم تتعذر معه إعادة الشيء للاستعمال المعد له؛ فلا تختلف هذه الحالة عن غيرها في سريان الأحكام المقررة للتعويض عن الفعل الضار؛ إلا أن المادة أضافت حكمًا خاصًا يتعلق بهذه الحالة.
وبناءً على هذا فالفعل الضار الذي يلحق بالشيء لا يخلو من ثلاثة فروض:
الفرض الأول: أن يترتب عليه زوال الشيء، بهلاكه أو فقده ونحو ذلك؛ فيستحق المتضرر التعويض وفقًا للقواعد المقررة في هذا الفرع.
الفرض الثاني: أن يترتب عليه تلف يسير في الشيء، مع بقائه صالحًا للاستعمال المعد له؛ فيستحق المتضرر التعويض عن ذلك التلف، ويبقى محتفظاً بملكه للشيء.
الفرض الثالث: أن يترتب عليه تلف جسيم تتعذر معه إعادة الشيء للاستعمال المعد له؛ فبينت المادة أن للمتضرر في هذه الحالة أن يختار إما الاحتفاظ بالشيء أو تركه للمتلف، وسواء اختار هذا أو ذاك فيستحق المتضرر التعويض وفقًا للقواعد المقررة في هذا الفرع. وإذا اختار المتضرر ترك الشيء للمتلف، وأدى المتلف للمتضرر مثل الشيء أو قيمته؛ فإن المتلف يملكه وفقًا للمادة (٦٤٤) من هذا النظام.
المادة الحادية والأربعون بعد المائة
بينت المادة أن للمحكمة إذا لم تتمكن من تقدير التعويض تقديرًا نهائيًّا أن تقتصر على تقدير التعويض تقديرًا أوليًّا بالحكم للمتضرر بالتعويض عما تحقق بالفعل من عناصر الضرر، مع حفظ حق المتضرر في المطالبة بإعادة النظر في تقدير التعويض خلال مدة تعينها المحكمة، ليشمل في حينها التعويض العناصر الأخرى التي يمكن لها أن تتحقق منها خلال تلك المدة، وهذا ما يسمى بالتعويض التكميلي.
ومن صور ذلك: الجرح الذي لا تستبين حالته النهائية إلا بعد انقضاء فترة من الزمن.
وحكم المادة استثناء على خلاف الأصل؛ فالأصل أن يشمل حكم التعويض النظر في كافة العناصر، إلا إذا ثبت للمحكمة أن هناك عناصر لا تستبين حالتها عند الحكم فتطبق أحكام المادة.
وتجدر الإشارة إلى أن مقتضى حفظ حق المتضرر هو أن الدعوى الأخرى خلال تلك المدة تتحرك بطلبه.
ومما يتصل بأحكام المادة، أن يستوجب الضرر نفقة عاجلة لمنع تفاقمه، فيجوز الحكم بها على استقلال قبل الحكم في التعويض النهائي، على أن يراعى عند تقدير التعويض ما تم إنفاقه، ويشترط لذلك الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن تكون المسؤولية ثابتة.
الشرط الثاني: أن يكون تقدير التعويض تقديرًا نهائيًّا في حاجة إلى مدة طويلة.
الشرط الثالث: أن يكون المتضرر في حاجة ملحة إلى هذه النفقة.
الشرط الرابع: أن يكون مقدار هذه النفقة أقل من مقدار التعويض النهائي.
المادة الثانية والأربعون بعد المائة
تناولت المادة أحكام التعويض عن الضرر الواقع على نفس الإنسان أو ما دونها؛ فبينت أن مقدار التعويض يتحدد وفق أحكام الضمان المقررة في الشريعة الإسلامية، حيث تضمنت أحكام الشريعة الإسلامية تحديد مقادير الضرر الناشئ عن التعدي على النفس وما دونها، سواء ما كان منها محدَّدًا، أو تقديريًّا.
ونطاق حكم المادة إنما هو في مقدار التعويض عن الضرر الواقع على النفس أو ما دونها، أما أحكام المسؤولية العامة فتسري على هذا الضرر، أي إن تطبيق حكم المادة هو حال تحقق موجب التعويض عن الضرر ذاته المتعلق بالنفس أو بما دونها، دون ما عداه من أضرار أخرى تنتج عن فعل المسؤول فإن حكم المادة لا يخل بالتعويض عنها؛ مثل الضرر المتمثل في عدم القدرة على مزاولة العمل، والضرر المعنوي الذي يلحق الشخص نتيجة المساس بجسمه وفقًا للمادة (١٣٨) من هذا النظام.
وتجدر الإشارة إلى أنه يجب في تطبيق حكم المادة مراعاة النصوص النظامية ذات الصلة؛ فتطبيق نصوص هذا النظام لا يخل بالنصوص النظامية الخاصة وفقًا للمادة (١) من هذا النظام.
المادة الثالثة والأربعون بعد المائة
تضمنت المادة الأحكام المتصلة بتقادم دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار، فبينت الفقرة (١) مدة سماع هذه الدعوى، وأنها على نوعين:
النوع الأول: مدة التقادم القصير؛ فلا تسمع دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار بانقضاء ثلاث سنوات من تاريخ علم المتضرر بحدوث الضرر وبالمسؤول عنه، فلا يبدأ حساب هذه المدة إلا بتحقق أمرين، هما: العلم بالضرر والعلم بالمسؤول عنه، فقد يعلم المتضرر بوقوع الضرر، ولكنه لا يعلم الشخص المسؤول عنه؛ كما لو اصطدمت به مركبة لا يعرف سائقها، فلو علم بالضرر وحده لم يبدأ سريان هذه المدة.
النوع الثاني: مدة التقادم الطويل؛ وهي عشر سنوات من تاريخ وقوع الضرر، فلا تُسمع دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار بانقضائها في جميع الأحوال.
وأوردت الفقرة (٢) استثناء فيما يتعلق بتقادم دعوى التعويض، وهو فيما إذا كانت دعوى التعويض ناشئة عن جريمة، فإن دعوى الت عويض لا يمتنع سماعها ولو انقضت المدد المبينة في الفقرة (١)؛ ما دامت الدعوى الجزائية لم يمتنع سماعها.
المادة الرابعة والأربعون بعد المائة
تناولت المادة القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب، وهي أن كل من يُثري على حساب غيره، دون سبب مشروع، يلتزم في حدود ما أثرى به بتعويض هذا الغير عما لحقه من خسارة.
وبينت المادة سريان حكمها على كل شخص -ذي صفة طبيعية أو اعتبارية-، أما من حيث الأهلية، فقررت المادة سريان هذه القاعدة ولو كان الشخص غير مميز، فلا تشترط الأهلية فيمن يثري أو فيمن يفتقر.
وتضمنت المادة العناصر اللازمة لنشوء الالتزام بناءً على الإثراء بلا سبب، وهي:
العنصر الأول: إثراء شخص معين بحيث يصبح بسبب هذا الإثراء مديناً بالالتزام الذي ينشأ، ويتحقق ذلك بدخول قيمة ما يثري به في ذمته المالية، أما إذا لم يتحقق الإثراء فلا التزام؛ كما لو وفى شخص ديناً عن شخص آخر وتبين أن هذا الدين قد سبق الوفاء به أو أنه لا وجود له، فلا يتحقق الإثراء بالنسبة لذلك الشخص الذي تم وفاء الدين عنه، ويرجع الموفي على من وفاه وليس على ذلك الشخص، بدعوى دفع غير المستحق.
العنصر الثاني: افتقار شخص آخر، بحيث يصبح دائنًا بذلك الالتزام، فإذا تحقق الإثراء في جانب شخص ولم يقابله افتقار في جانب الشخص الآخر، فلا تطبق قاعدة الإثراء بلا سبب؛ ومثال ذلك: إذا أنشأ شخص حديقة في منزله يطل عليها منزل جاره وأصبحت سببًا في رفع قيمة منزل الجار، فالجار في هذه الحالة يكون قد أثرى ولكن صاحب الحديقة لم يفتقر؛ لأنه منتفع بالحديقة ولم يخسر شيئًا.
العنصر الثالث: توفر الارتباط بين الإثراء والافتقار، بحيث يكون هذا الافتقار هو السبب المباشر في إثراء المدين، فلو انقطعت الرابطة بينهما فلا التزام.
العنصر الرابع: انتفاء السبب النظامي الذي يبرر الإثراء أو الافتقار، وهذا هو مقتضى كونه (بلا سبب)، فمتى وجد سببٌ مشروع للإثراء أو الافتقار فلا تنطبق قاعدة الإثراء بلا سبب؛ ذلك أنه إذا وُجد السبب فلا محل للاسترداد.
والمقصود بالسبب هنا المصدر النظامي الذي يكسب المثري الإثراء ويجعل له الحق في استبقائه، فقد يكون السبب في الإثراء عقدًا؛ كالمقاول إذا تعاقد مع شخص بأجر إجمالي، فيمنعه العقد من المطالبة بأي زيادة في الأجر، وقد يكون سبب الإثراء حكمًا من أحكام النظام؛ كالفعل الضار، فلا يلتزم من أخذ تعويضًا عن ضرر أصابه برد هذا التعويض؛ لأنه قد كسبه بسبب نظامي هو الفعل الضار، فوجود السبب النظامي يبرر افتقار أحدهما وإثراء الآخر.
وقررت المادة أثر الإثراء بلا سبب، فمتى توفرت عناصره فإنه يترتب عليه نشوء الالتزام في ذمة المثري لصالح المفتقر، فيلزمه في حدود ما أثرى به تعويض هذا الشخص عما لحقه من خسارة، وذلك يتحدد بمقدار ما عاد على المثري من نفع، أو ما لحق المفتقر من خسارة، أي القيمتين أقل؛ فالتعويض لا يجوز أن يزيد على خسارة المفتقر ولو كان إثراء المثري يزيد على هذه الخسارة، كما لا يجوز أن يزيد من جهة أخرى على إثراء المثري ولو كانت خسارة المفتقر تزيد على هذا الإثراء.
فإذا كان الافتقار نقدًا فإن مدى الافتقار هو مدى الإثراء، فمقدار النقد الذي خرج من مال المفتقر هو نفس الذي دخل في ذمة المثري؛ لعدم اختلافه في النقد، وإذا كان الافتقار تحسينات استحدثها المفتقر، فيكون التعويض بأقل القيمتين: مدى الافتقار وهو ما أنفقه المفتقر في التحسينات التي استحدثها، ومدى الإثراء وهو ما زاد في مال المثري بسبب هذه التحسينات، وهكذا.
والوقت الذي يقدر فيه الإثراء هو وقت تحققه؛ لأن طبيعة الإثراء تسمح بتقديره تقديرًا نهائيًّا وقت وقوعه، فهو يدخل في مال المثري ويصبح جزءًا منه فيتحدد بذلك مقداره.
ويراعى عند تقدير الإثراء الآتي:
أولاً: أن يخصم من قيمة الإثراء ما يكون المثري قد تكلفه من مصروفات لجلب هذا الإثراء لنفسه.
ثانيًا: عدم تأثير كون المثري حسن النية أو سيئها؛ فالتزام المثري يقوم على واقعة الإثراء ذاتها.
ويقع عبء الإثبات في دعوى الإثراء بلا سبب على الدائن وهو المفتقر، فهو الذي يطلب منه إثبات قيام الالتزام في ذمة المدين وهو المثري؛ فعلى المفتقر أن يثبت أن هناك إثراء في جانب المثري ومقدار هذا الإثراء، وأن يثبت أن هناك افتقارًا في جانبه ترتب عليه إثراء المثري ومقدار هذا الافتقار.
ثم بينت المادة أنه لا يحول دون بقاء الالتزام أن يزول الإثراء بعد حصوله، فمتى تحقق الإثراء فإن التزام المثري يظل قائمًا بعد ذلك، فلا يشترط لمباشرة دعوى الإثراء أن يظل الإثراء قائمًا وقت رفعها.
ومصدر حق المفتقر في التعويض هو واقعة الإثراء الذي نشأ عن الافتقار دون أن يكون هناك سبب نظامي، ويترتب على ذلك جواز تصرف المفتقر في حقه من حين تحقق واقعة الإثراء ولو قبل صدور حكم قضائي به؛ فيحوله إلى شخص آخر أو يتخذ الإجراءات التحفظية لحفظه.
المادة الخامسة والأربعون بعد المائة
بينت المادة القاعدة العامة في دفع غير المستحق، فالوفاء بالدين تصرف نظامي يجب أن تجتمع له الشروط الواجب توفرها في سائر التصرفات النظامية، فإذا شاب الرضى عيب أو تخلف شرط الأهلية عُدَّ من تسلم الوفاء على هذا الوجه قد تسلم ما ليس مستحقًّا له وأثرى دون سبب، ويصبح ملزمًا بالرد، وترتيب هذا الالتزام يعد تطبيقًا للقاعدة العامة في الإثراء بلا سبب.
والمقصود بالاستحقاق هنا ليس هو استحقاق الشيء ذاته للمتسلم، وإنما هو استحقاق تسلمه، فقد يكون الشيء مستحقًّا في ذاته لمن تسلمه، ومع ذلك يلتزم برده إذا لم يقع تسلمه على الوجه المقرر نظامًا؛ كما لو وقع الوفاء باطلاً لعدم أهلية الموفي.
والعبرة بالنسبة لعدم الاستحقاق هي بالنظر لجانب المتسلم، لا جانب الدافع، فإذا كان الشيء مستحقًّا أخذه للمتسلم فلا يلتزم برده ولو كان أداؤه غير مستحق أصلاً على الدافع؛ كما لو قام شخص بوفاء دين غيره وهو يعلم بأنه يدفع للقابض ديناً عن غيره.
وقد يكون عدم الاستحقاق عائدًا للواقع نفسه؛ كما إذا استوفى المتسلم ديناً ليس له أصلاً أو كان ناشئًا عن اعتبار نظامي؛ مثل أن يتسلم شيئًا بناءً على عقد باطل.
ومن صور دفع غير المستحق: إذا كان الوارث قد وفى بدين لم يكن مورثه ملتزمًا به، أو إذا قام شخص بالوفاء بتعويض عن حادث اعتقد خطأ أنه المسؤول عنه.
وعلى من يدعي أداء ما لم يكن مستحقًّا أن يقيم الدليل على قيامه بالوفاء بما لم يكن مستحقًّا في ذمته، فإذا أقام المدعي هذا الدليل فيفرض أنه قد وفى خطأ وأن من حقه أن يسترد ما دفع.
وقررت الفقرة (٢) أنه إذا كان من قام بالوفاء يعلم أنه يدفع شيئًا لم يكن مستحقًّا للمتسلم؛ فلا محل للرد. والأصل أنه إذا أثبت الشخص قيامه بالوفاء بما لم يكن مستحقًّا في ذمته فيفرض أنه قد وفى خطأ، ولكن يجوز لمن يطلب منه الرد أن يقيم الدليل على أن التسليم كان على سبيل التبرع أو لأي سبب مشروع آخر، وتقرر هذه الفقرة أنه إذا أثبت أن الدفع كان عن علم بعدم الاستحقاق، فإنه يسوغ تفسير ذلك بأنه قصد التبرع؛ وفي هذه الحالة يمتنع الاسترداد عليه نظامًا.
واستثنت المادة حالتين يحق للدافع فيهما استرداد ما دفع على الرغم من علمه أنه يدفع ما ليس مستحقًّا للمتسلم، وهما:
الحالة الأولى: إذا كان الدافع ناقص الأهلية؛ كما لو كان صغيرًا مميزًا.
الحالة الثانية: إذا كان الدافع مُكرهًا على هذا الوفاء؛ كما إذا فقد سند الوفاء وطولب جبرًا بالسداد فسدد مرة أخرى ثم عثر على سند الوفاء.
المادة السادسة والأربعون بعد المائة
بينت المادة ثلاث حالات يصح فيها استرداد غير المستحق، وهي:
الحالة الأولى: أن يكون الوفاء تنفيذًا لالتزام لم يتحقق سببه، ومن صوره الدين المعلق على شرط واقف إذا تبين أنه وفى بالدين قبل تحقق الشرط.
الحالة الثانية: أن يكون الوفاء تنفيذًا لالتزام زال سببه بعد تحققه، بأن يكون الالتزام مستحق الأداء، ثم يزول سببه، كأن يكون الالتزام قد انقضى بسبب من أسباب الانقضاء ثم قام الدافع بوفائه مرة أخرى بعد انقضائه؛ مثال ذلك: أن يكون الدين قد وفاه المورث ولم يعلم الوارث عن ذلك فوفى الدين مرة أخرى، أو أن يكون الدين قد انقضى بالمقاصة أو بالإبراء فوفاه المدين بعد انقضائه.
الحالة الثالثة: أن يكون الوفاء تنفيذًا لالتزامٍ لم يحلَّ أجله وكان الموفي جاهلاً قيام الأجل؛ فالدين المؤجل إذا دفع قبل حلول الأجل يكون وفاؤه دفعًا لدين لم يستحق، ولمن دفع أن يسترد ما وفى، على أن يقوم بالوفاء عند حلول الأجل.
أما الحكم في هذه الحالات فهو -وفق ما قررته المادة- صحة استرداد ما دفع فيها؛ لكونه غير مستحق، ويعدُّ إثراءً بلا سبب.
المادة السابعة والأربعون بعد المائة
بينت المادة الحالات التي يمتنع فيها استرداد غير المستحق، وهي على سبيل الاستثناء من حق الدافع في استرداد ما دفعه متى تبين عدم استحقاقه. وضابط الحالات المستثناة: أن يكون حق الدائن معرضًا للفوات بسبب هذا الدفع، بأن يقوم الدائن بعمل يعرض حقه للفوات بناءً على اعتقاده بصحة الوفاء، فليس للدافع في هذه الحالة الرجوع على الدائن.
واشترطت المادة لعدم وجوب الرد على الدائن أن يكون قد أجرى العمل الذي عرض حقه للفوات وهو حسن النية، أي معتقدًا صحة الوفاء، أما لو أجرى العمل وهو يعلم أن الدفع غير مستحق فلا يكون حسن النية في هذه الحالة.
والحالات التي حددتها المادة لامتناع استرداد غير المستحق من الدائن حسن النية إذا حصل الوفاء من غير المدين هي:
الحالة الأولى: إذا تجرد الدائن من سند الدين؛ كما لو كان لديه سندٌ يثبت الدين وبعد الوفاء قام بإتلافه أو إعادته للمدين.
الحالة الثانية: إذا تجرد الدائن مما حصل عليه من الضمانات المخصصة للوفاء بالدين؛ كأن يكون لديه رهن رسمي على الدين، فيقوم بإلغائه.
الحالة الثالثة: إذا ترك الدائن دعواه تجاه المدين الأصلي حتى انقضت المدة المعينة لسماعها.
وبينت المادة أن سقوط حق الموفي في الرجوع على الدائن حسن النية في هذه الحالات لا يحول دون حقه في الرجوع على المدين الأصلي بالدين وفق المادة (٢٦١) من هذا النظام.
المادة الثامنة والأربعون بعد المائة
بينت المادة نطاق المسؤولية المترتبة على تسلم غير المستحق، حيث فرقت بين حالتين:
الحالة الأولى: إذا كان من تسلم غير المستحق حسن النية ووجب عليه الرد، فإنه لا يلتزم بأن يرد إلا الشيء الذي تسلمه دون ثمار ذلك الشيء.
الحالة الثانية: إذا كان من تسلم غير المستحق سيء النية، فإنه يلتزم بأن يرد الشيء الذي تسلمه والثمار التي قبضها والتي قصر في قبضها، وذلك من اليوم الذي أصبح فيه سيء النيَّة، فقد يكون من يوم تسلمه سيء النية أو قد يكون سوء النية طارئًا كما لو تسلم الشيء ابتداءً بحسن نية ثم علم بعيوب سند حيازته، أو أبلغ بصحيفة دعوى الرد، فيكون سيء النية من ذلك التاريخ بحسب الأحوال.
والمراد بالثمار هو المبين في المادة (٦٧٦) من هذا النظام. ومعيار حسن النية أو سوئها هو المبين في المادة (٦٧٥) من هذا النظام؛ فحسنُ النية هو من يجهل أنه يعتدي على حق الغير؛ ما لم يكن الجهل ناشئًا عن خطئه الجسيم، ويُفترض حُسنُ النية في الحائزِ ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك، وتزول صفة حسن النية عن الحائز من حين علمه بعيوب سند حيازته، أو بإعلامه بها في صحيفة الدعوى.
المادة التاسعة والأربعون بعد المائة
تناولت المادة حدود المسؤولية فيما إذا كان من تسلم غير المستحق لا تتوفر فيه أهلية التعاقد، ومن حيث الأصل فإن المسؤولية وفقًا لقواعد الإثراء بلا سبب -ومنه تسلم ما لا يستحق- قائمة حتى مع عدم الأهلية؛ لأن الالتزام ينشأ عن واقعة الإثراء وليس عن عمل نظامي، فيلزم من تسلم ما ليس مستحقًّا رده وفق ما بينته المادة (١٤٥) من هذا النظام.
واستثنت المادة من هذا الأصل ما إذا لم تتوفر أهلية التعاقد فيمن تسلم غير المستحق، فلا يكون ملزمًا بالرد إلا في حدود ما عاد عليه من نفع معتبر نظامًا، فيقتصر التزامه على دفع قيمة ما أثرى به ولو كان سيء النية، وتستثنى من ذلك حالة تسلمه شيئًا معيناً بالذات، فيلزمه رده عيناً ما دام قائمًا ولو لم يكن قد أثرى به.
المادة الخمسون بعد المائة
تضمنت المادة مفهوم الفضالة التي تعد تطبيقًا للقاعدة العامة في الإثراء بلا سبب، ومنه تتبين الشروط التي لا تقوم الفضالة إلا بها، وهي:
الشرط الأول: قيام الفضولي بشأن عاجل لحساب غيره، وهذا الشأن قد يكون:
١.تصرفًا نظاميًّا؛ مثل قبول هبة صدرت من الواهب إلى المنتفع.
٢.عملاً ماديًّا؛ مثل أن يجني محصولاً للمنتفع يخشى عليه إذا لم يجن من التلف.
ويجب أن يكون المنتفع أهلاً للتصرف الذي تولاه الفضولي عنه، أي يمكن أن يقوم بهذا التصرف بنفسه، أما الفضولي فلا يشترط أن يكون ذا أهلية كاملة لمباشرة التصرف الذي تولاه باسم المنتفع، ويكفي أن يكون مميزًا.
وقررت المادة أن هذا الشأن الذي يتصدى له الفضولي لا بد أن يكون شأنًا عاجلاً، فلا يكفي أن يكون ما يتولاه الفضولي شأنًا نافعًا فقط؛ فلو تقدم الفضولي لشراء أرض لحساب المنتفع لمجرد أنها صفقة رابحة، أو قام بإنشاء بناء على أرض فضاء مملوكة للمنتفع لمجرد أن إقامة البناء فيها استغلال للأرض وفائدة للمنتفع، ففي هاتين الصورتين عمل الفضولي عمل نافع، ولكنه ليس من الشؤون العاجلة للمنتفع، فلا يجوز للفضولي أن يتدخل في ذلك، بل قد يكون تدخله في بعض الصور خطأً يستوجب مسؤوليته التقصيرية.
وضابط الشأن العاجل: أن يكون العمل الذي قام به الفضولي من الشؤون التي ما كان المنتفع ليتوانى في القيام بها؛ مثل بيع محصولات يسرع إليها التلف، أو التعاقد مع مقاول لإصلاح منزل مهدد بالسقوط، أو التعاقد مع طبيب لإسعاف المنتفع من مرض دهمه، ويدخل في ذلك دخولاً أوليًّا حالة الضرورة، كما يدخل فيه ما إذا كان العرف يقتضي وبحسب الظروف العادية أن الأمر يستوجب قيام الشخص بالعمل.
الشرط الثاني: أن يكون قيام الفضولي بهذا الشأن عن قصد منه لمصلحة المنتفع، فلا تقوم الفضالة إلا بهذه النية، وهي التي تميز ما بين الفضالة والإثراء بلا سبب، فلا يكون فضوليًّا مَنْ يعمل لمصلحة نفسه بل مَنْ يعمل لمصلحة غيره، وتطبيقًا لذلك فثم ثلاثة فروض:
الفرض الأول: أن تنصرف نية مَنْ قام بهذا الشأن إلى العمل لمصلحة نفسه، فلا يكون فضوليًّا ولو تحقق نفع للغير بسبب هذا العمل، ولا يرجع في هذا الفرض بدعوى الفضالة، وإنما يرجع بدعوى الإثراء بلا سبب؛ مثل أن يقوم المستأجر بإصلاحات ضرورية في المأجور حتى يستوفي المنفعة لنفسه، فلا يعدُّ فضوليًّا، ويرجع على المالك بدعوى الإثراء بلا سبب.
الفرض الثاني: أن يظن أنه يعمل لمصلحة نفسه فيتبين أنه يعمل لمصلحة غيره، فلا يكون فضوليًّا؛ مثل ما لو اعتقد حائز المنزل أنه يملكه، فقام فيه بإصلاحات ضرورية لمصلحته هو، ثم تبين بعد ذلك أن المنزل ملك لغيره أو أنه شائع بينه وبين غيره، فلا يعدُّ فضوليًّا، ويرجع على الغير بالنفقات التي أنفقها وفقًا للمادة (٦٧٧) من هذا النظام.
الفرض الثالث: أن تنصرف نيته إلى العمل لمصلحة شخص، فيكون فضوليًّا، ولو تبين أنه يعمل لغير الشخص الذي عينه، فالمعتبر أن تنصرف نية الفضولي إلى العمل لمصلحة الغير.
الشرط الثالث: ألا يكون الفضولي ملزمًا بأداء ذلك الشأن، فإذا كان ملزمًا بأدائه فلا يعدُّ فضوليًّا؛ مثل تولي شأن الغير بمقتضى عقد كالوكيل، أو بمقتضى أمر من المحكمة كالحارس، أو بمقتضى نص في النظام كالولي.
أما بالنسبة للمنتفع، فالفضالة لا تقوم إلا إذا كان المنتفع لا يعلم بتدخل الفضولي أو كان يعلم بهذا التدخل ولكنه يقف منه موقفًا سلبيًّا بحيث لا يأمر به ولا ينهى عنه.
المادة الحادية والخمسون بعد المائة
قررت المادة أن الفضالة تتحقق إذا تولى الشخص شأن غيره أثناء توليه شأن نفسه متى كان بين الشأنين ارتباط يمنع من القيام بأحدهما منفصلاً عن الآخر، فلا بد أن يكون الارتباط على نحو لا يتيح للفضولي القيام بأحدهما استقلالاً عن الآخر.
ومن صور هذه المسألة: الشريك على سبيل الشيوع إذا قام بتأجير العين الشائعة فيستغلها لمصلحة نفسه ومصلحة شريكه في الشيوع، فهو فضولي بالنسبة إلى شريكه؛ لأنه عمل لمصلحة هذا الشريك، ومن ثم فقد تحققت عناصر الفضالة بما فيها القيام بشأن لحساب غيره، ولا يؤثر في ذلك كونه يعمل لمصلحته أولاً، أو أن غايته الرئيسية العمل لمصلحة نفسه؛ فالمعتبر أن يكون بين مصلحته ومصلحة شريكه ارتباط لا يمكن معه القيام بمصلحة نفسه دون القيام بمصلحة شريكه، وتطبق في ذلك الأحكام المنصوص عليها في الملكية الشائعة وقسمتها.
المادة الثانية والخمسون بعد المائة
بينت المادة سريان أحكام الوكالة على ما قام به الفضولي متى أجازه المنتفع؛ فالإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة وفق ما نصت عليه المادة (٤٨٥) من هذا النظام.
فإذا تطوع شخص بإيفاد طبيب إلى مريض، وقَبِل المريض أن يعالجه ذلك الطبيب، فإن المتطوع يعدُّ فضوليًّا، ويعدُّ قبول المريض إجازة للفضالة يترتب عليها مثل ما يترتب على الوكالة من أحكام.
ووقت هذا السريان يبدأ من بدء الفضالة؛ إذ إن الإجازة لها أثر رجعي في العلاقة بين الفضولي والمنتفع.
المادة الثالثة والخمسون بعد المائة
تناولت المادة التزامين على الفضولي، هما:
أولاً: الالتزام بأن يمضي في العمل الذي بدأه إلى أن يتمكن المنتفع من مباشرته بنفسه؛ فالقدر الواجب من ذلك على الفضولي هو المضي في العمل، وأمد هذا الالتزام هو تمكن المنتفع من مباشرة ذلك العمل بنفسه، فإذا تمكن من ذلك أصبح من حق الفضولي التخلي عنه.
وهذا العمل الذي تولاه الفضولي قد يكون:
١.عملاً ماديًّا؛ كإطفاء حريق، فيجب على الفضولي المضي فيه حتى يأتي المنتفع ويباشر العمل بنفسه.
٢.تصرفًا نظاميًّا؛ فإذا كان التصرف باسم المنتفع، فيجب على الفضولي أن يمضي فيه بإتمام إبرام التصرف والقيام بالإجراءات التي يوجبها النظام كالتسجيل، ثم يباشر تنفيذ التصرف إذا اقتضى الأمر، فيؤدي ما أنشأه التصرف من التزامات، ويطالب بما رتبه من حقوق، حتى يتمكن المنتفع من مباشرة التصرف الذي أبرمه الفضولي نيابة عنه، أما إذا كان التصرف قد أبرمه الفضولي باسمه الشخصي، فيستمر فيه حتى يتم تنفيذه؛ لأنه هو المسؤول عنه شخصيًّا، وليس للمنتفع صفةٌ في تنفيذه.
ثانيًا: الالتزام بأن يبادر بإعلام المنتفع بتدخله في شأنه فور تمكنه من ذلك، فيستطيع المنتفع بعد هذا الإعلام أن يستعمل حقه في مباشرة العمل بنفسه، ذلك أن للمنتفع أن يمنع الفضولي من التدخل في العمل الذي بدأه، فكان من واجب الفضولي تبعًا لذلك أن يُعلم المنتفع بتدخله فور استطاعته.
وتجدر الإشارة إلى أن الفضولي ليس مطالبًا بأن يبذل جهدًا غير معتاد لإعلام المنتفع بتدخله، بل هو مطالب بأن يبذل في ذلك عناية الشخص المعتاد.
المادة الرابعة والخمسون بعد المائة
بينت المادة التزام الفضولي بأن يبذل في القيام بالعمل الذي يتولاه عناية الشخص المعتاد، فالتزام الفضولي ليس التزامًا بتحقيق غاية؛ بل هو التزام ببذل عناية، ومعيار العناية المطلوبة منه معيار موضوعي، مرتبط بعناية الشخص المعتاد لا بعناية الشخص في شؤونه؛ وعليه فإذا كان الشخص شديد الحرص فالعناية المطلوبة منه تنزل إلى حد عناية الشخص المعتاد، وإذا كان الشخص مفرطاً في شؤونه فهو مطالب بزيادة العناية إلى حد عناية الشخص المعتاد.
ويترتب على ذلك أنه إذا قصر في بذل تلك العناية اعتبر مخطئًا، ويكون مسؤولاً عن تعويض الضرر الناشئ عن خطئه، وليس هذا الخطأ خطأ تقصيريًّا خارجًا عن أعمال الفضالة، وإنما هو خطأ في الفضالة، فالقدر الواجب ألا ينحرف الفضولي في القيام بعمله عن السلوك المألوف للشخص المعتاد، فإذا انحرف عن ذلك السلوك ترتبت المسؤولية.
أما طبيعة هذه المسؤولية، فهي مسؤولية قد تكون غير كاملة، حيث سوغت المادة للمحكمة تخفيف هذه المسؤولية بإنقاص التعويض متى وجدت مبررًا لذلك، ومن مبررات التخفيف: مراعاة الظروف التي ساقت الفضولي للتدخل، فمن الظروف التي تبرر إنقاص التعويض أن يكون تدخل الفضولي لاتقاء ضرر جسيم وشيك الوقوع؛ كإطفاء حريق.
وبناءً على ما تقدم فيفترض عند تدخل الفضولي عدة فروض:
الفرض الأول: أن يبذل الفضولي في عمله عناية الشخص المعتاد، فلا تترتب عليه أي مسؤولية وهو يقوم بمتطلبات هذه العناية.
الفرض الثاني: أن يخرج الفضولي عن سلوك الشخص المعتاد، فيكون مسؤولاً عن ذلك، وللمحكمة تخفيف التعويض مراعاة للظرف الذي أحاط بالفضولي أثناء أداء هذا العمل.
الفرض الثالث: أن يقع من الفضولي خطأ خارج نطاق الفضالة، فيكون مسؤولاً عن هذا الخطأ وفقًا لقواعد المسؤولية التقصيرية؛ فلو عمد إلى إطفاء حريق شب في منزل جاره، ثم بعد إطفاء الحريق والفراغ من أعمال الفضالة، أهمل إقفال باب المنزل فدخل اللصوص وسرقوا أمتعة الجار، ففي هذا الفرض يكون خطأ الفضولي خطأ تقصيريًّا؛ لأنه خارج عن أعمال الفضالة، ويكون مسؤولاً تجاه المنتفع عن هذا الخطأ مسؤولية تقصيرية.
المادة الخامسة والخمسون بعد المائة
قررت المادة أن الفضولي إذا عهد بكل العمل أو بعضه إلى الغير، فإنه يكون مسؤولاً تجاه المنتفع عن تصرفات المعهود إليه. وهذه المسؤولية متفرعة عن مسؤولية الفضولي وفقًا للمادة (١٥٤) من هذا النظام. كما قررت المادة أن المعهود إليه يكون مسؤولاً أيضًا مسؤولية مباشرة تجاه المنتفع.
وعلى هذا فإذا عهد الفضولي إلى شخص آخر بأن يقوم نيابة عنه بأعمال الفضالة كلها أو بعضها، فإنه ينشأ عن ذلك حقان للمنتفع:
الأول: حق المنتفع في الرجوع على الفضولي، فيكون مسؤولاً عمن عهد إليه تجاه المنتفع باعتباره تابعًا له.
الثاني: حق المنتفع في الرجوع على المعهود إليه بالدعوى المباشرة؛ فضلاً عن حقه في الرجوع عليه بموجب الدعوى غير المباشرة.
وفيما يتعلق بمسؤولية المنتفع عن التزاماته مباشرة تجاه المعهود إليه بالعمل؛ فالأصل أن يبقى المنتفع ملتزمًا تجاه الفضولي نفسه، ويكون الفضولي ملتزمًا تجاه المعهود إليه بالعمل، ولا يكون المنتفع مسؤولاً عن التزاماته مباشرة تجاه المعهود إليه؛ ما لم يوجد موجب لذلك وفق أحكام النظام.
وتجدر الإشارة إلى أنه في الأحوال التي يتعدد فيها الفضوليون؛ فالأصل ألا يكون هناك تضامن بينهم حال وقوع خطأ منهم، إلا في الحالة التي تتحقق فيها المسؤولية التقصيرية تجاههم.
المادة السادسة والخمسون بعد المائة
تناولت المادة التزامين على الفضولي، هما:
أولاً: الالتزام بأن يرد للمنتفع كل ما حصل لديه بسبب الفضالة؛ فالفضولي يعدُّ نائبًا عن المنتفع وفق ما قررته المادة (١٥٧) من هذا النظام.
فإذا قام الفضولي بتصرف عقده نيابة عن المنتفع، واستوفى حقًّا بناءً عليه، فيجب عليه أن يسلمه للمنتفع، وإذا قام بعمل مادي؛ كما إذا جنى محصولاً للمنتفع، فعليه أن يسلمه إليه بمجرد التمكن من ذلك، ولا يجوز له أن يستولي عليه لصالح نفسه، وإلا ألزم بالتعويض.
ثانيًا: الالتزام بتقديم حساب عما قام به من أعمال للمنتفع، والأصل أن يتضمن هذا الحساب بيان جميع الأعمال التي قام بها الفضولي، وأن ترافقه أي مستندات تثبت العمل إذا جرى بها العرف أو طبيعة ذلك العمل.
وتجدر الإشارة إلى أن إجازة المنتفع ما قام به الفضولي وفقًا للمادة (١٥٢) من هذا النظام، لا تمنع المنتفع من مطالبة الفضولي بتقديم حساب عن الأعمال التي قام بها.
المادة السابعة والخمسون بعد المائة
تناولت المادة طبيعة العلاقة بين الفضولي والمنتفع، وما يترتب عليها من التزامات على المنتفع، فبينت الفقرة (١) ثبوت صفة النيابة للفضولي عن المنتفع، سواء أجاز ما قام به الفضولي أو لم يجزه، فإن أجازه ثبتت للفضولي النيابة الاتفاقية، أي الوكالة، وهو ما قررته المادة (١٥٢) من هذا النظام، وإن لم يجزه، كان للفضولي وصف النيابة عنه، وتكون نيابة نظامية.
وحددت الفقرة نطاق سريان هذه النيابة، فلا تسري إلا في حدود ما بذله الفضولي في قيامه بالعمل من عناية الشخص المعتاد؛ وفقًا لما أوجبته المادة (١٥٤) من هذا النظام.
وأكدت الفقرة أنه لا يرفع وصف النائب عن الفضولي عدم تحقق النتيجة المرجوة من عمله، ما دام أن عمله كان في حدود عناية الشخص المعتاد؛ فالتزام الفضولي التزامٌ ببذل عناية لا بتحقيق غاية.
وبينت المادة خمسة التزامات على المنتفع بموجب الفضالة، وهي:
أولاً: تنفيذ التعهدات التي عقدها الفضولي لحساب المنتفع؛ فإذا عقد الفضولي تصرفًا نظاميًّا باسم المنتفع بمقتضى النيابة النظامية وليس باسم الفضولي، فيكون المنتفع هو الدائن أو المدين دون الفضولي؛ وعليه يلتزم المنتفع بتنفيذ الالتزامات التي ترتبت على هذا التصرف.
ثانيًا: تعويض الفضولي عن التعهدات التي التزم بها، وهي التعهدات التي عقدها الفضولي باسمه الشخصي وليس باسم المنتفع؛ فالفضولي قد يتفق شخصيًّا مع مقاول لإصلاح منزل المنتفع، فينشئ عقد المقاولة في ذمة الفضولي التزامات تجاه المقاول فإذا كان الفضولي هو الذي يؤديها للمقاول، فإنه يرجع بما يؤديه على المنتفع.
ثالثًا: رد النفقات التي دفعها الفضولي بمقتضى الفضالة، وهذه النفقات تشمل:
١.النفقات الضرورية: وهي النفقات التي تكون لازمة لبقاء الشيء؛ كما لو قام بإصلاح أساس البناء الذي تعرض لخلل قد يؤدي إلى تهدمه.
٢.النفقات النافعة: وهي التي عادت على الشيء بنفع محقق؛ كما لو قام بجني محصول يسرع إليه التلف أو تخزين هذا المحصول.
ويجب أن تكون هذه النفقات مما سوغته الظروف؛ فلا يتوسع فيها الفضولي.
رابعًا: تعويض الفضولي عن الضرر الذي لحقه بسبب قيامه بالعمل؛ فلو لحق الفضولي ضررٌ أثناء قيامه بإطفاء حريق كأن يتلف متاعه فيلتزم المنتفع بتعويضه عنه، إذا لم يكن في مقدوره تفادي الضرر ببذل الجهد المعقول الذي تقتضيه ظروف الحال من الشخص المعتاد وفقًا للمادة (١٣٧) من هذا النظام.
خامسًا: دفع الأجر للفضولي إذا كان ما قام به من أعمال مهنته؛ فبينت الفقرة (٢) أن الفضولي لا يستحق الأجر عن عمله إلا إذا كان من أعمال مهنته، فيستحق عنه الأجر المناسب؛ كالمحامي والطبيب والمهندس إذا قام أحد منهم بعمل من أعمال مهنته فضالة لمصلحة الغير فإنه يستحق أجرًا عن عمله، أما إذا كان الفضولي قد قام بعمل لا يدخل في أعمال مهنته؛ كطبيب رمم منزل جار له، فإنه لا يستحق أجرًا عن عمله.
ويتبين مما سبق ما تختلف به الفضالة عن القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب، ففي الفضالة يسترد الفضولي ما غرمه كاملاً لا في حدود إثراء المنتفع فحسب كما في الإثراء بلا سبب.
المادة الثامنة والخمسون بعد المائة
تناولت المادة بيان أثر حالتي موت الفضولي أو المنتفع في الالتزامات الناشئة عن الفضالة، وذلك على النحو الآتي:
الحالة الأولى: إذا مات الفضولي، فإنه يترتب على موته انقضاء الفضالة، أما ورثته فبينت الفقرة (١) الالتزامين المترتبين على موت الفضولي بالنسبة إلى الورثة متى توفرت فيهم الأهلية أو نائبهم إذا لم تتوفر فيهم الأهلية، وكانوا على علم بالفضالة؛ وهما:
أولاً: الالتزام بالمبادرة إلى إعلام المنتفع بموت الفضولي.
ثانيًا: الالتزام باتخاذ التدابير اللازمة التي تقتضيها الحال لمصلحة المنتفع؛ وذلك بالمحافظة على العمل وأن يصلوا به إلى حالة يتمكن المنتفع فيها من أن يباشر العمل بنفسه.
وتجدر الإشارة إلى أن ما قاموا به في هذا الشأن إذا ترتبت عليه نفقات فإنها تكون مشمولة بما يلتزم به المنتفع تجاه الفضولي، وفق المادة (١٥٧) من هذا النظام.
الحالة الثانية: إذا مات المنتفع، فبينت الفقرة (٢) أن مركز الفضولي لا يتغير، فيبقى الفضولي ملتزمًا للورثة بما كان ملتزمًا به تجاه مورثهم، فالفضالة لا تنقضي بموت المنتفع خلافًا للوكالة، ولا يكفي أن يصل الفضولي بالأعمال التي بدأها إلى حالة لا تتعرض معها للتلف، بل يجب عليه أن يستمر في العمل لمصلحة ورثة المنتفع الذين حلوا محل مورثهم.
المادة التاسعة والخمسون بعد المائة
تناولت المادة مدة التقادم في الدعاوى الناشئة عن الإثراء بلا سبب، سواء ما تفرع منها عن القاعدة الأصلية أو عن صورتيها الخاصتين؛ وهما: دفع غير المستحق أو الفضالة.
فقررت المادة مدة سماع هذه الدعاوى، وأنها على نوعين:
النوع الأول: مدة التقادم القصير؛ فلا تسمع الدعوى الناشئة عن الإثراء بلا سبب أو دفع غير المستحق أو الفضالة بانقضاء ثلاث سنوات من تاريخ علم الدائن بحقه، وعلم الدائن بحقه يتضمن بطبيعة الحال معرفته بمن يسوغ له الرجوع به عليه.
النوع الثاني: مدة التقادم الطويل؛ وهي عشر سنوات من تاريخ نشوء الحق، فلا تسمع الدعوى الناشئة عن الإثراء بلا سبب أو دفع غير المستحق أو الفضالة بانقضائها في جميع الأحوال.
المادة الستون بعد المائة
تناولت المادة مصدرًا من مصادر الالتزام، وهو النظام، فبينت أن الالتزام الذي ينشأ مباشرةً عن النظام وحده تسري عليه النصوص النظامية الخاصة المنشئة لذلك الالتزام.
وكل التزام أيًّا كان مصدره يرجع إلى النظام، إلا أن من الالتزامات ما يكون مصدره المباشر أحد مصادر الالتزام المقررة في النظام؛ مثل العقد أو التصرف بإرادة منفردة أو الفعل الضار أو الإثراء بلا سبب، ويرجع في مصدره غير المباشر إلى النظام، ومنها ما يكون مصدره المباشر هو النظام وهو المقصود هنا، فقد يقرر النظام التزامًا معيناً في حالات خاصة، فالنظام ذاته هو المصدر المباشر لهذا الالتزام، فهو الذي أنشأه بنص خاص وحدد نطاقه ورتب آثاره.
وعلى هذا فأي التزامات يرتبها النظام على وقائع أخرى غير العقد والتصرف بإرادة منفردة والفعل الضار والإثراء بلا سبب، تسري في شأنها النصوص الخاصة بها.
ويستند هذا الالتزام الذي يكون مصدره النظام إلى واقعة مادية؛ كالتزامات الأسرة والتزامات الجوار، والتزامات المهنة، والالتزامات الناشئة عن الحائط المشترك وفقًا للمادة (٦١٤) والمادة (٦١٥) من هذا النظام.
ويقصد بالنظام هنا أي حكم نظامي أو قاعدة نظامية تقررت وفق المسار التشريعي المقرر نظامًا، الذي يتضمن الأدوات التشريعية التي تكون مصدرًا للحكم أو القاعدة النظامية، ومن أمثلة ذلك: ما تضمنته الأنظمة أو اللوائح أو النصوص النظامية الخاصة.
ومتى كان النظام هو المصدر المباشر لهذه الالتزامات فإنه يترتب على ذلك الآتي:
أولاً: أن النص النظامي هو الذي يتكفل بتعيين أركان الالتزام النظامي وبيان أحكامه، أما محل هذا الالتزام فقد يكون التزامًا بإعطاء؛ مثل الالتزام بالنفقة، أو التزامًا بعمل؛ مثل التزام الولي بالعناية بأموال القاصر، أو التزامًا بالامتناع عن عمل؛ مثل التزام الجار بألا يهدم الحائط الذي يستتر به جاره إلا إذا كان هناك سبب مُعتبر للهدم وفقًا للمادة (٦١٦) من هذا النظام.
ثانيًا: أن الالتزامات التي يكون منشؤها النظام رابطة ما بين دائن ومدين، وتقوم هذه الرابطة على محل مستوف لشروطه، والنظام هو الذي يعين هذا المحل سواء كان التزامًا بإعطاء أو بعمل أو بالامتناع عن عمل، أما الأهلية فلا يجب توفرها في الالتزام النظامي المبني على واقعة مادية إلا إذا نص النظام على ذلك؛ ومن أمثلته: التزام ورثة الفضولي بأن يبادروا بإعلام المنتفع بموت مورثهم، وأن يتخذوا من التدابير ما تقتضيه الحال لمصلحته وفق ما نصت عليه المادة (١٥٨) من هذا النظام.
ثالثًا: أن النص النظامي هو الذي يبين أحكام الالتزام النظامي، فيرجع في كل التزام إلى النص الذي أنشأه لمعرفة تلك الأحكام؛ مثل وسائل تنفيذه وحقوق الدائن والمدين ونحو ذلك، وقد تبين طبيعة الالتزام النظامي شيئًا من أحكامه؛ فطبيعة الالتزام في النفقة تجعله خاصًّا بالشخص الذي ترتب في ذمته هذا الالتزام.
رابعًا: فيما يتصل بمدد التقادم، فالأصل أن يبين ذلك النص النظامي الخاص بالالتزام، وإلا فإنه تسري بشأنها الأحكام العامة للتقادم المنصوص عليها في هذا النظام على اعتبار أنها عامة فتشمل أي التزام نشأ عن مصدر من المصادر التي نص عليها.