شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1 · المادة التاسعة والعشرون بعد المائة
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة التاسعة والعشرون بعد المائة
نظمت المادة أحكام المسؤولية عن فعل الغير، وحددت حالتين تقوم فيهما المسؤولية عن فعل الغير، هما: مسؤولية متولي الرقابة ومسؤولية المتبوع، وذلك على النحو الآتي:
الحالة الأولى: مسؤولية من تجب عليه الرقابة عن فعل الخاضع لرقابته، فقررت الفقرة (١) الأصل في ذلك، وهو أن كل من تجب عليه نظامًا أو بمقتضى حكم قضائي أو بمقتضى الاتفاق رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة، يكون مسؤولاً في مواجهة المتضرر، عن تعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الشخص.
وقد حددت المادة نطاق هذه الرقابة وعلتها، وذلك في الحالات التي تكون فيها الرقابة بسبب صغر السن أو قصور الحالة العقلية أو الجسمية؛ ومثالها: رقابة الولي على الصغير أو الرقابة على المجنون أو رقابة الممرض على الشخص العاجز جسديًّا ونحوها.
أما مصدر الالتزام بالرقابة، فقد تكون هذه الرقابة نظامية ولا تتوقف على حكم قضائي؛ كما في رقابة الأب على ابنه غير المميز، وقد تكون بحكم قضائي؛ كما في رقابة الولي المعين من المحكمة على الصغير غير المميز، وقد تكون اتفاقية؛ كما في رقابة من يتم التعاقد معه لرعاية شخص مجنون أو عاجز جسديًّا. وقد ينتقل الالتزام بالرقابة؛ كالابن الذي في رقابة أبيه فإذا ذهب إلى المدرسة انتقلت الرقابة عليه أثناء وجوده في المدرسة إلى معلم أو مدير المدرسة.
ويشترط لتحقق هذه المسؤولية حدوث ضرر ممن هو تحت الرقابة وفق أحكام النظام، ويشمل ذلك غير المميز، ومسؤولية متولي الرقابة في حال كان الخاضع للرقابة غير مميز مسؤولية أصلية، وليست مسؤولية تبعية، أما مسؤولية غير المميز الواردة في المادة (١٢٢) من هذا النظام فهي مسؤولية تبعية عند تعذر رجوع المتضرر على متولي الرقابة.
ومسؤولية متولي الرقابة تقوم على أساس خطأ مفترض، فمن وجبت عليه الرقابة يفترض خطؤه باعتبار أنه قصر في واجب الرقابة، كما تفترض معه أيضًا علاقة سببية ما بين هذا الخطأ المفترض وبين الضرر، والافتراض هنا قابل لإثبات العكس، فيستطيع متولي الرقابة أن ينفي ذلك بأحد أمرين وفق ما قررته الفقرة:
الأمر الأول: أن يثبت انتفاء الخطأ من خلال قيامه بواجب الرقابة بما ينبغي من العناية.
الأمر الثاني: أن يثبت انتفاء علاقة السببية، بأن يكون الضرر لا بد من حدوثه ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية؛ كأن يثبت أن الضرر وقع بسبب لا يد له فيه كقوة قاهرة.
ففي أيٍّ من هذين الأمرين ترتفع المسؤولية عن متولي الرقابة، وتبقى مسؤولية من أحدث الضرر وفقًا لقواعد المسؤولية.
الحالة الثانية: مسؤولية المتبوع عن الضرر الذي يحدثه التابع، حيث قررت الفقرة (٢) الحكم العام، وهو قيام مسؤولية المتبوع في مواجهة المتضرر، وبينت شروط قيام هذه المسؤولية، وهي:
الشرط الأول: أن يقع الخطأ من التابع، فلا تقوم مسؤولية المتبوع إلا إذا تحققت مسؤولية التابع حيث إن الأولى فرع عن الثانية، ويترتب عليه أنه إذا انتفت مسؤولية التابع انتفت مسؤولية المتبوع؛ كما لو انتفت علاقة السببية بين الخطأ والضرر، وعبء إثبات هذا الخطأ من التابع يقع على المتضرر.
الشرط الثاني: أن يكون الخطأ قد وقع من التابع في إحدى حالتين:
الحالة الأولى: خطؤه أثناء تأدية عمله؛ مثل خطأ سائق سيارة النقل أثناء عملية النقل.
الحالة الثانية: خطؤه بسبب هذا العمل، أي أن تربط علاقة سببية بين الخطأ والعمل، بحيث يثبت أن التابع لم يكن ليستطيع ارتكاب الخطأ لولا العمل؛ مثل ما إذا كان شخص يعمل في شركة شحن فسرق طردًا تسلمه بحكم عمله.
الشرط الثالث: أن تكون للمتبوع سلطة فعلية في رقابة التابع وتوجيهه ولو لم يكن المتبوع حرًّا في اختيار تابعه؛ ومثال السلطة في التوجيه سلطة توجيه الأوامر، ومثال السلطة في الرقابة سلطة رقابة تنفيذ الأوامر والمحاسبة عليها.
فإذا تحققت هذه الشروط كان المتبوع مسؤولاً، ومصدر هذه المسؤولية هو النظام، ولا يستطيع المتبوع أن يدفعها عن نفسه بإثبات أنه لم يرتكب خطأ أو إثبات أن الضرر كان لا بد واقعًا ولو قام بواجبه في اختيار التابع ورقابته وتوجيهه، أما الدفوع الأخرى التي يترتب عليها نفي أساس المسؤولية كنفي علاقة السببية فهي تتعلق بأساس مسؤولية التابع، ولا تقوم مسؤولية المتبوع إلا حال قيام مسؤولية التابع.
وبينت الفقرة (٣) أن من أدى التعويض المنصوص عليه في الفقرة (١) والفقرة (٢)، وهو متولي الرقابة أو المتبوع، له حق الرجوع على محدث الضرر في الحدود التي يكون فيها محدث الضرر مسؤولاً عن تعويض الضرر، ذلك أن الأصل أنه إذا ترتبت مسؤولية الشخص عن فعل غيره وفق أحكام المادة، فإنه ينشأ عن ذلك وجود شخصين مسؤولين؛ أحدهما محدث الضرر، والآخر المسؤول عنه وهو متولي الرقابة أو المتبوع، أما محدث الضرر فيسأل بناءً على خطأ يقام الدليل عليه، وأما المسؤول عنه فيسأل بناءً على خطأ مفترض.
فللمتضرر أن يرجع على محدث الضرر وتنتهي المسألة عند هذا الحد، أما إذا أدى متولي الرقابة أو المتبوع التعويض، فله حق الرجوع على محدث الضرر، إلا إذا كان غير أهل للمساءلة؛ على اعتبار أن مسؤولية متولي الرقابة هنا مسؤولية أصلية، ومسؤولية محدث الضرر مسؤولية تبعية؛ وعلى هذا فعند الرجوع على الخاضع للرقابة تطبق قواعد المسؤولية، فإذا كان الخاضع للرقابة فاقد التمييز فلا رجوع في هذه الحالة؛ إذ إن المادة (١٢٢) من هذا النظام قيدت حق الرجوع على غير المميز بعدم إمكان الرجوع على المسؤول عنه.