شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1 · المادة التاسعة والعشرون
عن هذا المصدر
قررت الفقرة (١) أهم القيود على مبدأ أحقية الشخص في استعمال حقه، وهو منع التعسف في استعمال الحق، وهذا القيد ليس محصورًا في بعض الحقوق دون البعض الآخر، فالتعسف غير جائز فيها جميعًا.
مصدر آخر · الإصدار المعتمد 1 · تسري نسخة المعرفة من 2026-10-22
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة التاسعة والعشرون
قررت الفقرة (١) أهم القيود على مبدأ أحقية الشخص في استعمال حقه، وهو منع التعسف في استعمال الحق، وهذا القيد ليس محصورًا في بعض الحقوق دون البعض الآخر، فالتعسف غير جائز فيها جميعًا.
وبينت الفقرة (٢) حالات التعسف في استعمال الحق على سبيل الحصر، وهي:
الحالة الأولى: إذا لم يُقصد باستعمال الحق سوى الإضرار بالغير، ولو أفضى الاستعمال إلى تحصيل منفعة عرضية غير مقصودة لصاحب الحق، وهذا معيار ذاتي، فيكفي لتحقق التعسف إثبات قصد الإضرار، ويعد قرينة على ذلك انتفاء أي منفعة في استعمال الحق، أو تفاهة المنفعة حال وجودها. ومن أمثلة ذلك:
رفع المدعي الدعوى الكيدية لمجرد الإضرار بالمدعى عليه، فحق التقاضي وإن كان حقًّا مكفولاً للجميع إلا أنه لا يجوز استعماله استعمالاً كيديًّا بقصد الإضرار بالغير.
الحالة الثانية: إذا كانت المنفعة من استعمال الحق لا تتناسب مطلقًا مع ما يسببه للغير من ضرر، والمعيار في هذه الحالة معيار موضوعي، وأساسها الموازنة بين المنفعة التي تعود على صاحب الحق، والضرر الذي يصيب الغير؛ ولهذا يلزم عند تطبيق هذه الحالة التحقق من أن الضرر الواقع على الغير بلغ درجة من الجسامة تجعل المنفعة العائدة على صاحب الحق تافهة، وكثيرًا ما تكون هذه الحالة قرينة على توفر نية الإضرار بالغير. ومن أمثلة ذلك: نص المادة (٦١٦) من هذا النظام على أنه: «ليس لمالك الحائط أن يهدمه إن كان الهدم يضر بالجار الذي يستتر ملكه بالحائط، إلا إذا كان هناك سبب مُعتبر للهدم».
الحالة الثالثة: إذا كان استعمال الحق في غير ما شُرع له أو لغاية غير مشروعة، والمعيار في هذه الحالة معيار موضوعي؛ وهذه الحالة تشمل صورتين، هما:
الصورة الأولى: أن يكون استعمال الحق في غير ما شُرع له، ولو كانت الغاية مشروعة.
الصورة الثانية: أن يكون استعمال الحق فيما شُرع له ولكن الغاية غير مشروعة؛ سواء كان ذلك بسبب مخالفتها حكمًا من أحكام النظام، أو كان تحقيقها يتعارض مع النظام العام، وكثيرًا ما يكون القصد في الاستعمال هو النافي لصفة المشروعية عن الغاية. ومن أمثلة ذلك: استعمال صاحب المنزل منزله ليكون مأوى للصوص.
وإذا تحققت أيٌّ من هذه الحالات الثلاث كان استعمال الحق عملاً تعسفيًّا غير مشروع، ومن ثم فإن صاحب الحق يكون مسؤولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر؛ ويتخذ الجزاء في هذا الخصوص إحدى طريقتين:
الطريقة الأولى: التزام صاحب الحق بالتعويض عن الضرر الذي نشأ عن تعسفه في استعمال حقه؛ وفقًا لقواعد المسؤولية. ومن أمثلتها: نص المادة (٥٠٤) من هذا النظام على أنه: «إذا كانت الوكالة بأجر وعزل الموكل وكيله في وقت غير مناسب أو بغير مسوغ مقبول، لزمه تعويض الوكيل عن الضرر الذي يلحقه بسبب ذلك».
الطريقة الثانية: منع صاحب الحق من التعسف في استعمال حقه؛ فيحول ذلك دون نشوء الضرر ووقوعه على الغير. ومن أمثلتها: نص المادة (٦٥٣) من هذا النظام على أنه: «إذا كان مالك الأرض وهو يقيم عليها بناءً قد جار بحسن نية على جزء من الأرض الملاصقة، جاز للمحكمة -إذا رأت محلاًّ لذلك- أن تجبر صاحب هذه الأرض على أن ينزل لجاره عن ملكية الجزء المشغول بالبناء، وذلك مقابل تعويض عادل»، فإذا طلب الجار هدم البناء جاز للمحكمة ألا تجيب طلبه؛ منعًا من وقوع الضرر نتيجةً للهدم، مقابل تعويضه تعويضًا عادلاً.
وتجدر الإشارة إلى أن تجاوز الحق، يختلف عن التعسف في استعمال الحق، فتجاوز الحق يعد خروجًا عن الحدود الموضوعية المرسومة للحق، أما التعسف في استعمال الحق فإنه يظل داخل هذه الحدود، إلا أنه ينحرف عن الغرض والمصلحة المشروعة من استعمال الحق؛ فمثلاً من يتصرف في ملكه تصرفًا يضر بجاره؛ فهو يستعمل حقه إلا أنه يتعسف في استعماله، وأما من يحدث في أرض جاره عن قصد؛ فهو يتجاوز حقه.