شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1 · المادة السابعة والتسعون
عن هذا المصدر
تناولت المادة نظرية «الظروف الاستثنائية العامة» أو «الظروف الطارئة» ببيان شروطها وأثرها وحكم الاتفاق على خلافها، وهي من الحالات التي جعل فيها النظام للمحكمة تعديل العقد برد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إذا لم يُتوصل إلى اتِّفاقٍ بين الطرفين خلال مدَّةٍ معقولةٍ.
مصدر آخر · الإصدار المعتمد 1 · تسري نسخة المعرفة من 2026-10-22
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة السابعة والتسعون
تناولت المادة نظرية «الظروف الاستثنائية العامة» أو «الظروف الطارئة» ببيان شروطها وأثرها وحكم الاتفاق على خلافها، وهي من الحالات التي جعل فيها النظام للمحكمة تعديل العقد برد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إذا لم يُتوصل إلى اتِّفاقٍ بين الطرفين خلال مدَّةٍ معقولةٍ.
وبينت الفقرة (١) عددًا من شروط تطبيق هذه النظرية، وهي خمسة شروط:
الشرط الأول: أن يكون تنفيذ العقد متراخيًا؛ لأن طروء ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد يستلزم وجود فاصل زمني بين إبرام العقد وتنفيذه، فيشمل ذلك العقود الزمنية، وهي العقود التي يكون الزمن عنصرًا جوهريًّا فيها إما لطبيعتها؛ كعقود المدة مثل عقد الإيجار وعقد العمل، وإما لاتفاق المتعاقدين؛ كعقود التنفيذ الدوري مثل عقد التوريد، كما يشمل العقود الفورية بطبيعتها إذا كان التنفيذ متراخيًا بالاتفاق إلى أجل أو آجال معينة؛ مثل البيع إذا كان الثمن مؤجلاً أو مقسَّطاً، وكذلك إذا كان العقد فوريًّا ولم يكن التنفيذ متراخيًا، وطرأ الظرف فور إبرام العقد، وهي حالة تكاد تكون نادرة.
الشرط الثاني: ألا يكون تراخي التنفيذ راجعًا إلى خطأ المدين؛ إذ إن ترتب الإرهاق في هذه الحالة لم يكن بسبب طروء الظرف وحده، بل أسهم تأخير المدين في ذلك، فيتحمل تبعة خطئه.
الشرط الثالث: أن تطرأ بعد إبرام العقد ظروف استثنائية عامة؛ فهذا الشرط يتضمن أمرين:
الأمر الأول: أن تكون الظروف استثنائية، أي خارجة عن المألوف أو نادرة الوقوع؛ مثل الحروب والزلازل وانتشار الأوبئة وارتفاع الأسعار أو هبوطها بصورة فاحشة. ويراعى في تقدير الاستثنائية زمانُ الظرف ومكانه؛ فما يعدُّ استثنائيًّا في زمان أو مكان قد لا يعدُّ كذلك في غيرهما.
الأمر الثاني: أن تكون الظروف عامة، أي شاملة لطائفة من الناس، لا أن تكون قاصرة على المدين؛ كإفلاسه أو حريق متجره.
الشرط الرابع: ألا يكون في الوسع توقع هذه الظروف وقت التعاقد؛ ومعيار ذلك ألا يكون في مقدور الشخص المعتاد توقعها لو وجد في ظروف ذلك المدين وقت التعاقد دون اعتبار لما استقر في ذهن المدين حينها، وأما ما هو متوقع أو يمكن توقعه؛ مثل اختلاف سعر صرف العملة، فلا ينطبق عليه حكم المادة.
ويجب كذلك ألا يكون في الوسع دفع هذه الظروف، وأما ما يمكن دفعه؛ مثل الفيضان الذي في المقدور تفاديه ببذل الجهد المعقول، فلا ينطبق عليه حكم المادة.
الشرط الخامس: أن تجعل هذه الظروف تنفيذ الالتزام مرهقًا للمدين لا مستحيلاً، وأما إذا كان مستحيلاً فتطبق أحكام القوة القاهرة. والإرهاق الذي يعتدُّ به هو الإرهاق الشديد الذي يهدد المدين بخسارة فادحة تخرج عن المألوف في التعامل، ويقدر الإرهاق بالنظر إلى الصفقة التي أبرم العقد بشأنها فتنسب إليها وحدها الخسارة التي تصيب المدين دون النظر إلى وضعه المالي عمومًا؛ فالإرهاق معياره موضوعي لا شخصي.
ويقع عبء إثبات توفر شروط تطبيق هذه النظرية على المدين، ويجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات باعتبارها وقائع مادية.
وبينت الفقرة الأثر المترتب على الظروف الاستثنائية العامة، وهو أن يكون للمدين -قبل أن يطلب من المحكمة رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول- دعوة الطرف الآخر للتفاوض، وذلك دون تأخر غير مبرر، فالتأخر عن التفاوض بغير مبرر مؤشر على عدم وجود ظرف استثنائي يستدعي التدخل من المحكمة، علاوة على أن الاستعجال في التفاوض يتيح للأطراف سرعة الوصول إلى المعالجة قبل تفاقم الخسارة.
والتفاوض بين الطرفين يكون خلال مدة معقولة تحددها طبيعة العقد، وجسامة الظرف، وسرعة تفاقم آثاره، على أنه لا يلزم من الشروع في التفاوض أن يتوصل الطرفان إلى نتيجة.
ويتقرر من ذلك أن دعوة الطرف الآخر للتفاوض مرحلة لازمة قبل الذهاب إلى المحكمة؛ فتقديم الطلب إلى المحكمة ابتداءً من غير دعوة سابقة للتفاوض يعدُّ سابقًا لأوانه.
وبينت الفقرة (٢) أن دعوة الطرف الآخر للتفاوض لا تسوغ للمدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه بناء على طلب التفاوض، سواء أجابه الطرف الآخر للتفاوض أو لم يجبه.
وبينت الفقرة (٣) الأثر المترتب على عدم توصل الطرفين في التفاوض إلى اتفاق خلال مدة معقولة، وفي حكمه إذا رفض الطرف الآخر التفاوض أو مضت مدة معقولة من غير رد منه، وهو أن يكون للمحكمة رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول؛ وقد يكون ذلك بأي مما يأتي:
أولاً: وقف تنفيذ الالتزام إلى حين زوال الظرف، وذلك إذا كان الظرف وقتيًّا والدائن لا يلحقه ضرر جسيم نتيجة هذا الوقف؛ مثل أن يتعاقد مقاول على إقامة مبنى، ثم ترتفع أسعار بعض المواد ارتفاعًا فاحشًا لظرف استثنائي ولكنه يوشك أن يزول لقرب إمكان الاستيراد، فللمحكمة أن توقف التزام المقاول بالتسليم في الموعد المتفق عليه حتى يتمكن من تنفيذ التزامه دون إرهاق.
ثانيًا: زيادة الالتزام المقابل للالتزام المرهق، بحيث يتحمل المدين الزيادة المألوفة، وتُقسَّم الزيادة غير المألوفة بين الطرفين؛ مثل أن يتعهد شخص بتوريد كمية من القمح بسعر ثلاثة ريالات للكيلوجرام، ثم يرتفع السعر إلى تسعة ريالات لظرف استثنائي، وكانت الزيادة المألوفة في سعر القمح ريالاً واحدًا؛ فهذه الزيادة يتحملها المدين، وما زاد على ذلك وقدره خمسة ريالات يعد زيادة غير مألوفة وهذه تُقسَّم بين الطرفين، فيكون للمحكمة أن ترفع السعر إلى خمسة ريالات ونصف. ويراعى في ذلك أن الدائن يبقى مخيرًا بين قبول هذه الزيادة أو فسخ العقد.
ثالثًا: إنقاص الالتزام المرهق، بحيث يتحمل المدين زيادة العبء المألوفة، وتُقسَّم الزيادة غير المألوفة في العبء بين الطرفين؛ مثل أن يتعاقد شخص على توريد كمية من المواد، ثم ترتفع أسعارها ارتفاعًا فاحشًا لظرف استثنائي، فللمحكمة أن تنقص الكمية التي التزم بها المدين وذلك حتى ترد الالتزام إلى الحد المعقول.
وقد تجمع المحكمة بين إنقاص الالتزام المرهق وزيادة الالتزام المقابل له، وفي هاتين الحالتين ترد المحكمة الالتزام إلى الحد المعقول بالنسبة إلى الوقت الذي وجد أثناءه أثر الظرف الاستثنائي دون النظر إلى المستقبل غير المعلوم، فقد يزول أثر هذا الظرف ومن ثَمَّ تعود القوة الملزمة بكاملها إلى العقد. ويستثنى من أثر التعديل الالتزامات التي تم الوفاء بها قبل نشوء الظرف الاستثنائي.
ونصت الفقرة على معيار مهم عند قيام المحكمة بذلك وهو الموازنة بين مصلحة الطرفين، بالإضافة إلى مراعاة ظروف العقد، وطبيعة الظرف الاستثنائي وأثره، مع بيان أسباب ذلك في حكمها.
وكقاعدة عامة لم تجعل المادة للمحكمة فسخ العقد بناء على طلب المدين في حال الظروف الاستثنائية العامة، ويستثنى من هذه القاعدة ما ورد فيه نص نظامي خاص، ومن ذلك عقد المقاولة وفقًا للمادة (٤٧١) من هذا النظام؛ فقد يكون من مصلحة المتعاقدين إنهاء العلاقة بينهما. كما لم تجعل المادة للمحكمة إعفاء المدين من التزامه بالكلية.
ويراعى أن تطبيق أحكام المادة لا يكون إلا بناء على طلب من المدين؛ فلا يسوغ للمحكمة تطبيقها من تلقاء نفسها، كما تتقيد عند التعديل بحدود طلب المدين فلا تجاوز مقدار التعديل المطلوب، ولها اختيار الوسيلة المناسبة ضمن نطاقه.
وبينت الفقرة (٤) أن جميع ما قررته المادة من أحكام يعد من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق مقدمًا على خلافه، وأي اتفاق على خلاف ذلك يقع باطلاً بطلانًا مطلقًا، وأثر هذا أنه يجوز لكل ذي مصلحة التمسك ببطلان هذا الاتفاق، وللمحكمة أن تقضي ببطلانه من تلقاء نفسها، وفقًا للمادة (٨١) من هذا النظام.
التفريق بين الظرف الاستثنائي العام والقوة القاهرة:
تظهر أهم الفروق بين الظرف الاستثنائي العام والقوة القاهرة التي تم تناولها وتقرير أحكامها في المادة (١١٠) من هذا النظام فيما يأتي:
الفرق الأول: أن الظرف الاستثنائي يجب أن يكون عامًّا شاملاً، بينما قد تكون القوة القاهرة أمرًا عامًّا وقد تكون خاصة بالمدين في العقد القائم على الاعتبار الشخصي.
الفرق الثاني: أن الظرف الاستثنائي العام يترتب على حدوثه أن يصير تنفيذ الالتزام التعاقدي مرهقًا للمدين، أما القوة القاهرة فهي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً لا مجرد كونه مرهقًا.
الفرق الثالث: أن الأثر المترتب على الظرف الاستثنائي العام هو أن يكون للمدين الحق في دعوة الطرف الآخر للتفاوض وإذا لم يُتوصل إلى اتِّفاقٍ فللمحكمة أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويعدُّ ذلك من النظام العام، أما الأثر المترتب على القوة القاهرة فهو انقضاء الالتزام والالتزام المقابل له، وانفساخ العقد من تلقاء نفسه إذا كانت الاستحالة كلية، وإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى الالتزام في ذلك الجزء وما يقابله فقط، وفقًا للمادة (١١٠) من هذا النظام، ويجوز الاتفاق على أن يتحمل المدين تبعة القوة القاهرة وفقًا للمادة (١٧٤) من هذا النظام.
التفريق بين الظرف الاستثنائي العام والعذر الطارئ:
تظهر أهم الفروق بين الظرف الاستثنائي العام والعذر الطارئ الذي تتأثر به عدد من العقود فيما يأتي:
الفرق الأول: أن الظرف الاستثنائي يجب أن يكون عامًّا شاملاً، أما العذر الطارئ فهو حدث متعلق بالمتعاقد وبتنفيذه للعقد؛ مثل حريق متجره واضطراب أعماله.
الفرق الثاني: أن الأثر المترتب على الظرف الاستثنائي العام هو أن يكون للمدين الحق في دعوة الطرف الآخر للتفاوض وإذا لم يُتوصل إلى اتِّفاقٍ فللمحكمة أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، بينما لا يترتب على العذر الطارئ أثر على العقد باستثناء ما ورد فيه نص نظامي؛ مثل نص المادة (٤٤٢) والمادة (٤٧٦) والمادة (٥٧٧) من هذا النظام على تأثر ثلاثة عقود به، وهي الإيجار والمقاولة والمشاركة الزراعية بالنسبة للعامل، فرتبت على العذر الطارئ في هذه العقود حق المتعاقد في أن يطلب من المحكمة فسخ العقد، على أن يتحمل الضرر الذي يصيب المتعاقد الآخر بسبب الفسخ، وليس للمحكمة في العذر الطارئ سلطة تعديل العقد.
الفرق الثالث: أن ما قررته المادة من أحكام فيما يتعلق بالظرف الاستثنائي العام يعدُّ من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على خلافه، أما العذر الطارئ فإنه يجوز الاتفاق على خلاف ما قررته المواد من أحكام بشأنه؛ فالعذر الطارئ يختص بالمتعاقد وليس من النظام العام.