شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1 · المادة الثامنة والستون
عن هذا المصدر
تناولت المادة العيب الرابع من عيوب الرضى، وهو الاستغلال المقترن بالغبن، والاستغلال هو: انتهاز أحد المتعاقدين حالة الضعف الظاهر أو الحاجة الملحة لدى المتعاقد الآخر للحصول على مزايا لا تقابلها منفعة للمتعاقد الآخر، أو تتفاوت مع هذه المنفعة تفاوتًا خارجًا عن المعتاد.
مصدر آخر · الإصدار المعتمد 1 · تسري نسخة المعرفة من 2026-10-22
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة الثامنة والستون
تناولت المادة العيب الرابع من عيوب الرضى، وهو الاستغلال المقترن بالغبن، والاستغلال هو: انتهاز أحد المتعاقدين حالة الضعف الظاهر أو الحاجة الملحة لدى المتعاقد الآخر للحصول على مزايا لا تقابلها منفعة للمتعاقد الآخر، أو تتفاوت مع هذه المنفعة تفاوتًا خارجًا عن المعتاد.
فبينت المادة أن الاستغلال لا يكون عيبًا في الرضى إلا بتوفر عنصرين، هما:
العنصر الأول: استغلال المتعاقد عند إبرام العقد ضعفًا ظاهرًا أو حاجة ملحة في المتعاقد المغبون تحمله على إبرام العقد، وهو العنصر الذاتي (النفسي). والضعف الظاهر يتمثل في نقص إدراك الشخص، أو الإفراط في طيبته، أو غير ذلك من نواحي الضعف. والحاجة الملحة هي الحالة التي يضطر فيها الشخص إلى إبرام العقد تحت ضغط الحاجة لظروف محيطة به؛ كالخطر على المال.
واشترطت المادة أن يكون الضعف ظاهرًا، بأن تقوم عليه دلائل وأمارات واضحة، كما اشترطت أن تكون الحاجة ملحة، بأن تدفع المتعاقد إلى إبرام العقد؛ فلا يكفي مجرد وجود ضعف أو حاجة عادية لتحقق الاستغلال، بل يجب أن تبلغ هذه الحالة من الوضوح أو الإلحاح حدًّا يجعلها مؤثرة في إرادة المتعاقد عند إبرام العقد، وأن تكون هذه الحالة هي الدافع المباشر الذي حمله على التعاقد، بأن لم يكن ليبرم العقد على النحو الذي تم به لولا هذا الاستغلال.
كما يشترط لتحقق هذا العنصر أن يكون المتعاقد الآخر عالمًا بحالة الضعف الظاهر أو الحاجة الملحة التي يعاني منها المتعاقد المغبون، وأن تكشف الوقائع والظروف المحيطة بالتعاقد عن اتجاه إرادته إلى استغلال هذه الحالة للحصول على مزايا غير متكافئة على نحو يجاوز القدر المعتاد، بحيث لا يكون للتصرف تفسير معقول سوى صدوره عن هذا القصد، ويتحقق ذلك بتحميل المتعاقد المغبون التزامات من غير مقابل، أو في مقابل التزامات لا تتناسب في قيمتها أو منفعتها مع الالتزامات التي يتحملها المتعاقد المغبون.
ويقع عبء إثبات توفر شروط هذا العنصر على المتعاقد المغبون، بما في ذلك وجود الضعف الظاهر أو الحاجة الملحة، وعلم المتعاقد الآخر بهذه الحالة، واتجاه إرادته عند إبرام العقد إلى استغلالها، فضلاً عن إثبات أن هذا الاستغلال كان سببًا مباشرًا في إبرام العقد. ويجوز إثبات الوقائع السابقة بكافة طرق الإثبات باعتبارها وقائع مادية، وللمحكمة أن تستخلص القرائن الدالة على ذلك من خلال الوقائع والظروف المحيطة بالتعاقد.
العنصر الثاني: وقوع غبن على المتعاقد، وهو العنصر الموضوعي، وقد بينت المادة (٦٩) من هذا النظام الغبن بأنه: «زيادة العوض أو نقصه قدرًا خارجًا عن المعتاد».
وحددت المادة الأثر المترتب على عيب الاستغلال متى توفر عنصراه، وهو أن للمتعاقد المغبون طلب إحدى ثلاث دعاوى:
الدعوى الأولى: طلب إنقاص التزاماته، فللمحكمة بناء على طلب المتعاقد المغبون أن تنقص من التزاماته بالقدر الكافي لرفع الغبن.
الدعوى الثانية: طلب زيادة التزامات المتعاقد الآخر، فللمحكمة بناء على طلب المتعاقد المغبون أن تزيد من التزامات المتعاقد الآخر بالقدر الكافي لرفع الغبن.
ولا يعني ذلك أن يكون إنقاص الالتزامات أو زيادتها بالقدر الذي يجعل الالتزامات متكافئة، بل المراد الإنقاص أو الزيادة بالقدر الذي يرفع الغبن، وهو ما كان خارجًا عن المعتاد، أما التفاوت المعتاد في الالتزامات فلا يعد غبناً.
الدعوى الثالثة: طلب إبطال العقد، فللمحكمة بناء على طلب المتعاقد المغبون أن تبطل العقد، إذا تبين أنه لولا الاستغلال ما كان ليرضى بالعقد؛ وذلك بأن بلغ حدًّا يفسد معه رضى المتعاقد.
ومع أن الخيار للمتعاقد المغبون في أن يختار من بين هذه الدعاوى الثلاث، إلا أن المادة جعلت للمحكمة الحق في أن ترفض أيًّا من هذه الطلبات وتقصر حق المتعاقد المغبون على أحدها؛ مراعيةً في ذلك ظروف الحال، وهي تشمل ظروف المتعاقدين وظروف التعاقد وملابساته. ويراعى في ذلك ألا تقضي المحكمة بما لم يطلبه الخصوم، فإذا اقتصر طلب المتعاقد المغبون على إنقاص التزاماته، فلا يجوز للمحكمة أن تقضي بإبطال العقد. وليس للمحكمة -في جميع الأحوال- أن تثير عيب الاستغلال أو ترتب آثاره من تلقاء نفسها، بل يتعين أن يتمسك به المتعاقد المغبون، وأن يطلب الحكم بإحدى الدعاوى المقررة نظامًا.
وبينت المادة المدة المقررة لرفع الدعوى في دعاوى الاستغلال الثلاث، وهي مائة وثمانون يومًا من تاريخ التعاقد يجب أن ترفع الدعوى خلالها، فإذا رفعت الدعوى بعد انقضاء هذه المدة امتنع على المحكمة سماعها. وهذه المدة هي مدة سقوط لا مدة تقادم.