شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1 · المادة الرابعة بعد المائة
عن هذا المصدر
تضمنت المادة ثلاث قواعد نظامية، وحالات تطبيق كل قاعدة منها على النحو الآتي:
مصدر آخر · الإصدار المعتمد 1 · تسري نسخة المعرفة من 2026-10-22
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة الرابعة بعد المائة
تضمنت المادة ثلاث قواعد نظامية، وحالات تطبيق كل قاعدة منها على النحو الآتي:
الحالة الأولى: أن تكون عبارة العقد واضحة:
بينت الفقرة (١) القاعدة النظامية لهذه الحالة؛ فإذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الخروج عن مدلولها بحجة تفسيرها بحثًا عن إرادة المتعاقدين، ولا تكون المحكمة بحاجة في هذه الحالة إلى تسبيب حكمها بأكثر من أن تبين أن هذا هو المعنى الواضح الذي يعبر عن مقصود المتعاقدين.
والمقصود بوضوح العبارة، أي وضوح دلالتها على إرادتهما وليس المراد وضوح لفظها؛ فلو تبين للمحكمة أن النية المشتركة لهما تخالف مدلول العبارة التي استعملاها، بأن لم يتخير المتعاقدان اللفظ المعبر عن قصدهما، أو أحاطت بعبارتهما الواضحة ملابسات ترجح حملها على معنى مغاير؛ فإن المحكمة تحملها على المعنى المشترك لهما، ويجب في هذه الحالة أن تذكر الأسباب التي دعتها إلى ترك معنى العبارة الظاهر.
الحالة الثانية: أن تكون عبارة العقد غير واضحة ومن الممكن تفسيرها:
بينت الفقرة (٢) القاعدة النظامية لهذه الحالة؛ فإذا كان في عبارة العقد غموضٌ وكان هناك محل لتفسيرها، فيجب تفسيرها بالبحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين دون الاكتفاء بالمعنى الحرفي للألفاظ.
وقد بينت الفقرة عددًا من الوسائل -لا على سبيل الحصر- تستعين بها المحكمة في تفسير العقد للوصول إلى النية المشتركة للمتعاقدين، وهذه الوسائل تنقسم قسمين:
القسم الأول: وسائل داخلية؛ أي من العقد ذاته، وذكرت الفقرة منها:
أولاً: ظروف العقد، مما يكون قد سبقه أو عاصره من مفاهمات واتفاقات تتصل بموضوع العقد، وما ينبغي أن يسود من أمانة وثقة بين المتعاقدين؛ فالأمانة واجبة على المتعاقد، والثقة حق له، فإذا كان هناك إيهام في التعبير أو لبس واستطاع أن يتبينه أو كان بمقدوره ذلك فالأمانة تقتضي ألا يستغل هذا الإيهام أو اللبس، والثقة تقتضي أن الشخص يطمئن إلى العبارة الموجهة إليه بحسب ظاهرها وأن المعنى الظاهر منها هو ما قصده الموجب؛ وعلى هذا تحمل عبارات العقد على أنها قائمة على أساس الأمانة والثقة فيما بينهما.
ثانيًا: طبيعة المعاملة، من حيث كونها بيعًا أو إيجارًا أو قرضًا أو مضاربة أو غير ذلك، فتستعين بها المحكمة في تحديد مراد المتعاقدين من العبارات المحتملة؛ باعتبار أن المتعاقدين حين لم يصرحا بإرادتهما فقد قصدا أن يتركا العقد محكومًا بما تقتضيه طبيعته.
وتستعين المحكمة كذلك بالقواعد الكلية في التفسير؛ فإذا احتملت عبارة العقد أكثر من معنى وكان أحد هذه المعاني هو الذي ينتج أثرًا نظاميًّا حملت العبارة على هذا المعنى؛ تطبيقًا لقاعدة: «إعمال الكلام أولى من إهماله»، وإذا تعذر إعمال الكلام بأي وجه من الوجوه فإنه يهمل ويعدُّ لغوًا؛ إعمالاً للقاعدة: «إذا تعذر إعمال الكلام يُهمل»، ويحمل اللفظ على المعنى الذي وضع له أصلاً، فلا يصار إلى المعنى المجازي البعيد إلا إذا وجد ما يخرج اللفظ عن حقيقته؛ تطبيقًا لقاعدة:
«الأصل في الكلام الحقيقة».
القسم الثاني: وسائل خارجية؛ أي خارج العقد، وذكرت الفقرة منها:
أولاً: العرف، أي إن العقد يطبق وفقًا لما يقتضيه العرف المستقر في التعامل؛ فالمفترض أن المتعاقدين عالمان به، فتحمل إرادتهما عليه إذا لم يصرحا بخلافه، فإذا كانت عبارة العقد مبهمة فيستعان بالعرف في تفسيرها. ويراعى في الرجوع إلى العرف ألا يكون مخالفًا للنظام.
ثانيًا: ما جرت به عادة التعامل بين المتعاقدين وحالهما، فتكون العادة مفسرة لإرادة المتعاقدين المبهمة؛ باعتبار أن جريان عادة التعامل بينهما على نحو معين قرينة قوية على أنهما قصداه فيما سكتا عن التصريح بخلافه؛ مثل أن يتفقا على الأجرة دون تحديد مكان أدائها، وتقضي القواعد العامة في هذه الحالة -وفقًا للمادة (٢٧٧) من هذا النظام- بأن تؤدى الأجرة في مكان نشوء الالتزام، ولكن المستأجر اعتاد أن يؤديها في محل المؤجر، فيحمل ذلك على أنهما قصدا الأداء في هذا المحل.
والفرق بين العرف والعادة أن العرف هو الأمر المتكرر الذي اعتاده الناس واستقر عليه التعامل فيما بينهم، وقد يكون عامًّا بين الناس أو خاصًّا بفئة أو منطقة معينة. أما العادة فالمراد بها العادة الجارية بين طرفي التعامل، وتسمى كذلك «العادة الاتفاقية»؛ فهي أخص من العرف في كونها محصورةً بين المتعاقدين. ويقدم العرف الخاص على العرف العام، كما تقدم العادة الجارية بين طرفين على العرف.
ثم أوضحت الفقرة أنه يراعى في تفسير العقد أن تُفسِّر شروط العقد بعضها بعضًا، وذلك بأن يعطى كل شرط المعنى الذي لا يتعارض به مع غيره من الشروط؛ فشروط العقد يكمل بعضها بعضًا؛ وعليه يجب أن يراعى في تفسير كل شرط ما تضمنه العقد من شروط أخرى مبينة أو مقيدة لهذا الشرط.
الحالة الثالثة: الشك في عبارة العقد:
بينت الفقرة (٣) القاعدة النظامية لحالة الشك في التعرف على النية المشتركة للمتعاقدين؛ بأن تحتمل العبارة معاني متعددة لا مرجح لأحدها على الآخر، ففي هذه الحالة يفسر الشك لمصلحة من يتحمل عبء الالتزام أو الشرط؛ وعلى هذا:
١.يفسر الشك في التزام على المدين لمصلحة هذا المدين؛ مثل أن يلتزم المدين بإنشاء طرق معينة دون الاتفاق على كيفية إنشائها وصيانتها، فيكون للمدين أن يتبع في تنفيذ التزامه ما هو أصلح له وأقل كلفة عليه.
٢.يفسر الشك في شرط من الشروط لمصلحة من يتحمل عبء ذلك الشرط، سواء كان في مركز الدائن أو المدين في الالتزام؛ ومن ذلك الشك في الشروط المعدلة للمسؤولية العقدية.
واستثنت الفقرة في تطبيق هذه القاعدة ما إذا كان العقد عقد إذعان، فيفسر الشك عند وقوعه لمصلحة الطرف المُذعِن؛ باعتبار أن الطرف الآخر هو من صاغ العقد ووضع شروطه فيتحمل تبعة غموض بعض عباراته وقيام الشك حولها، بينما المُذعن -وهو الطرف الأضعف- سواء كان دائناً أو مديناً فإنه يقتصر قبوله على مجرد التسليم بالشروط التي وضعها الطرف الآخر وفقًا للمادة (٤٠) من هذا النظام.
وتجدر الإشارة إلى التمييز بين حالة غموض العقد أو الشك فيه مع إمكان تفسيره وبين الحالة التي يستحيل فيها على المحكمة تفسير العقد مهما كان جانب الشك فيه، بحيث يتبين لها عدم وجود نية مشتركة للمتعاقدين التقيا عندها، بل أراد كل منهما غير ما أراده الآخر، فهنا يتبين عدم انعقاد العقد.