شرح نظام الإثبات — مركز البحوث بوزارة العدل · الإصدار ١ · ص ١١١–١١٤ · الأصل، صفحة PDF ١١٢
تناولت هذه المادة بيان الأحكام الخاصة بحق الخصم في إلزام خصمه بتقديم المحررات الموجودة تحت يده. والأصل في الإجراءات القضائية أن يتقدم الخصوم بمستنداتهم إلى المحاكم، وليس لهم أن يجبروا خصومهم على إبراز ما في أيديهم، تطبيقاً لقاعدة عدم جواز إلزام الخصم بتقديم دليل ضد نفسه، ومع ذلك فقد قررت هذه المادة أنه يسوغ للخصم أن يطلب من المحكمة إلزام خصمه بتقديم المستندات والأوراق المنتجة في الدعوى، التي تكون تحت يده في عدد من الأحوال، على سبيل الاستثناء من القاعدة العامة.
وجاءت الفقرة (١) لتبين الشرط الأساس لهذا الحق، وهو أن يكون المحرر منتجاً في الدعوى، وذلك بأن يكون مؤثراً في الحق المدعى به، سواء أكان ذلك بإثبات الحق أم بنفيه، كلياً أو جزئياً، بطريق مباشر أو غير مباشر.
وبينت هذه الفقرة الحالات التي يجوز فيها ممارسة هذا الحق على سبيل الحصر، وهي ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا كان النظام يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه، والمقصود هنا النظام بمعناه الواسع؛ ليشمل كافة الأنظمة واللوائح والتعاميم، ومثال ذلك: أن يطلب الخصم من المحكمة إلزام خصمه بأن يقدم جواز سفره؛ لإثبات أنه في تاريخ معين لم يكن داخل المملكة، أو خارجها، دون حاجة إلى مخاطبة إدارة الجوازات، أو تطلب المدعية في إحدى قضايا الأحوال الشخصية من المحكمة إلزام خصمها بتقديم سجل الأسرة للاستدلال به على إثبات الزوجية أو البنوة.
الحالة الثانية: إذا كان المحرر مشتركاً بينه وبين خصمه، وتشمل هذه الحالة عدداً من الصور، وبين النظام أكثرها انتشاراً، وهي:
الصورة الأولى: إذا كان المحرر لمصلحة الخصمين، ومثاله: إذا اشترى شريكان عقاراً واحتفظ أحدهما بوثيقة الملكية، وتنازعا في هذا العقار، فطلب المدعي من المحكمة إلزام شريكه المدعى عليه بإبراز وثيقة الملكية.
الصورة الثانية: إذا كان مثبتاً لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة، ومثاله: عقد البيع، وعقد الإيجار، وعقد الرهن، فقد يكون أي من هذه العقود محرراً من نسخة واحدة مودعة لدى الخصم المطالَب بتقديمها، وقد يكون فيها أكثر من متعاقدين بعقد واحد والعقد مودع لدى أحد الأطراف، وقد يكون العقد محرراً من نسختين بيد كل طرف نسخة، ثم فقد أحدهما نسخته بعد ذلك بسبب خارج عن إرادته.
ولا يقتصر المحرر المشترك بين الخصمين على العقود، بل قد يكون محرراً آخر يفيد بوجود صلة أو علاقة بين طرفين تدل على حصول أحدهما أو عدم حصوله على حقه، وذلك وفقاً للبيان الثابت في المحرر المطلوب تقديمه للمحكمة لاستخلاص الدليل منه لمصلحة طالب تقديمه.
ويراعى أن كون المحرر مشتركاً بين الخصمين من عدمه تقدره المحكمة، وفقاً لظروف الدعوى، وملابساتها، وطبيعة المحرر، ويجب على المحكمة بيان أسباب ذلك.
الحالة الثالثة: إذا استند إلى المحرر أحد الخصوم في أي مرحلة من مراحل الدعوى، والمقصود بذلك المحررات التي يستند إليها الخصم أثناء الدعوى، أو يدعي وجودها لإثبات الحق المدعى به أو نفيه، فهذه المحررات يجوز للخصم الآخر أن يطلب من المحكمة إلزامه بتقديمها؛ لأنه استند إليها.
وتشمل مراحل الدعوى نظرها أمام محكمة الدرجة الأولى أو محكمة الاستئناف، ولا يسقط حق الخصم في طلب تقديم المحرر إذا لم يتمسك به أمام محكمة الدرجة الأولى، فيجوز له المطالبة أمام محكمة الاستئناف لأول مرة بإلزام خصمه بتقديم المحرر الذي تمسك به أمام محكمة الدرجة الأولى ولم يطلب تقديمه أمامها.
وجاءت الفقرة (٢) لتبين شروط قبول طلب الإلزام بتقديم المحرر؛ حتى لا يكون هذا الطلب وسيلة لمضارة الخصم، فقد جعل النظام ضمانة لمن بيده المحرر على طالبه، بأن يضع تحت نظر المحكمة ما يشير إلى مصلحته في هذا الطلب، وإحاطته به، من خلال اشتراط ما يأتي:
الشرط الأول: بيان أوصاف المحرر، وفحواه، بأن يذكر نوع المحرر مثلاً، ككونه رسمياً أو عادياً، وأنه يتضمن عقد بيع أو إيجار، ونحو ذلك.
الشرط الثاني: الدلائل والظروف المؤيدة لوجوده تحت يد الخصم.
الشرط الثالث: الواقعة التي يستدل بها عليه، ووجه إلزام الخصم بتقديمه.
ويقصد بهذا الوجه أن يبين الطالب أن الحالة المعروضة هي إحدى الحالات التي حددتها الفقرة (١) على سبيل الحصر، فإذا انتفت أي من هذه الشروط؛ فلا محل لقبول الطلب.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الطلب المذكور في المادة، يقدمه الخصم بمذكرة متضمنة البيانات الواردة في الفقرة (٢)، وعلى المحكمة فحص هذا الطلب، ومتى استوفى شروطه، فإنه يتعين على المحكمة إجابة الخصم لطلبه، وإلزام خصمه بتقديم المستند محل الطلب، وإن لم تقبل المحكمة ذلك وكان الطلب مستوفياً للشروط؛ فإن هذا يجعل حكمها محلاً للطعن أمام محكمة الدرجة الأعلى. وإذا كان الطلب غير مستوف للشروط قررت المحكمة من تلقاء نفسها عدم قبوله، وعليها التسبيب في المحضر ببيان سبب الرفض، بذكر ما لم يُستوفَ من العناصر، وذلك وفقاً للمادة (٤٢) من الأدلة الإجرائية.