شرح نظام الإثبات — مركز البحوث بوزارة العدل · الإصدار ١ · ص ٢٦٩–٢٧٢ · الأصل، صفحة PDF ٢٧٠
تناولت هذه المادة مبدأ حجية الأمر المقضي، الذي يعد مبدأ قضائياً عاماً، وقاعدة عامة يتوجب إعمالها في القضاء؛ تحقيقاً لاستقرار الحقوق لأصحابها، ومنعاً لتضارب الأحكام، وهو وإن كان يمثل قاعدة من قواعد القضاء المستقرة، إلا أنه ينطوي على معنى الدليل، ومن ثم فقد ناسب المقام أن تأتي هذه المادة ضمن باب القرائن، فهي تقوم على ما هو مفترض من صحة مطلقة في الحكم القضائي؛ رعاية لحسن سير العدالة، وضماناً لاستقرار الأوضاع والحقوق، ولتلافي تجدد المنازعات، فحكم القضاء يجب أن يضع حداً لكل نزاع، ويجب كذلك أن يكون بمأمن من التعارض مع حكم لاحق.
ويظهر أثر هذه القرينة في تخويل الخصوم حق الدفع بسبق الفصل، وفي تخويل المحاكم حق إثارته من تلقاء نفسها؛ لكونها من النظام العام، فيمتنع على الخصوم الترافع إلى القضاء لإعادة طرح نزاع سبق الفصل في موضوعه، مع اتحاد الخصوم والسبب. كما صرحت خاتمة المادة بالدور الإيجابي للمحكمة في إثارة هذا الدفع وتقرير تلك الحجية من تلقاء نفسها، وهذا أمر مقرر في نظام المرافعات الشرعية في المادة (٧٦).
وتجدر الإشارة إلى ما هو مقرر في الفقه القضائي من التمييز بين قوة الأمر المقضي وحجية الأمر المقضي، فقوة الأمر المقضي هي مرتبة يصل إليها الحكم إذا أصبح نهائياً غير قابل للاعتراض عليه، أما حجية الأمر المقضي فهي تثبت لكل حكم بمجرد صدوره ولو كان قابلاً للاعتراض عليه بأي طريق من طرق الاعتراض. وهذه الحجية تمنع من إقامة دعوى جديدة بين الخصوم ذاتهم، وعليه فإن كل حكم يحوز قوة الأمر المقضي يكون حتماً حائزاً لحجية الأمر المقضي دون العكس.
وتثبت هذه الحجية للحكم متى توافرت فيه الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون الحكم قضائياً، ويشمل ذلك الأحكام الصادرة من المحاكم بجميع درجاتها، والأحكام الصادرة من جهات ذات اختصاص قضائي بموجب اختصاصها ومن ذلك الأحكام الصادرة من المحكمين وفقاً لنظام التحكيم، وما يصدر من اللجان ذات الاختصاص القضائي.
الشرط الثاني: أن يكون الحكم قطعياً، وليس المقصود بالحكم القطعي في هذا الموضع الحكم النهائي، وإنما يقصد به أن يكون قد فصل في موضوع النزاع أو في جزء منه، فيكون حجة فيما فصل فيه.
الشرط الثالث: أن يكون الحكم صادراً من محكمة مختصة، وفي حدود اختصاصها الولائي.
الشرط الرابع: اتحاد الخصوم والمحل (الموضوع) والسبب، ومتى كان بين الدعويين اختلاف في أي عنصر من العناصر المذكورة، فلا محل للتمسك بهذه الحجية.
ويقصد باتحاد الخصوم: أن الحكم يعدّ حجة على الخصوم وخلفائهم، مع مراعاة أن تكون الدعوى الجديدة مقامة على الخصوم ذاتهم في الدعوى السابقة، دون أن تتغير صفاتهم.
ويقصد باتحاد المحل (الموضوع): أن تقوم الدعوى الجديدة على الموضوع ذاته الذي سبق الفصل فيه، مع مراعاة أن الحكم في الشيء هو حكم فيما يتفرع عنه، ومثال ذلك: إذا صدر حكم برد الدعوى بملكية عقار؛ فلا يجوز بعد ذلك رفع دعوى جديدة للمطالبة بأجرة هذا العقار بصفته مالكاً له.
أما اتحاد السبب: فتعني ألا يختلف الأساس الشرعي أو النظامي الذي تقوم عليه الدعوى، وذلك بأن يتحد مصدر الحق المدعى به، وهو إما أن يكون تصرفاً؛ كالعقد، أو واقعةً ماديةً؛ كالفعل الضار، فمثلاً: سبب دعوى المطالبة بثمن المبيع هو عقد البيع، وسبب المطالبة بالتعويض هو الفعل الضار.
وإذا اختلف سبب الحق المدعى به؛ فلا يكون للحكم الصادر في الدعوى الأولى حجية الأمر المقضي في الدعوى الثانية، ومثال ذلك: إذا أقام شخص الدعوى على آخر بملكية عقار بسبب الشراء وردت دعواه، فهذا لا يمنعه من إقامة دعوى ثانية بهذا العقار على خصمه في تلك الدعوى بسبب آخر، كالإرث أو الهبة أو الوصية.
وإذا توافرت هذه الشروط فإن المحكمة تقضي بعدم جواز نظر الدعوى -من تلقاء نفسها- لسبق الفصل فيها؛ استناداً إلى أن حجية الأمر المقضي تمنع من إعادة رفع الدعوى وفق الشروط سالفة الذكر، كما تمنع أيضاً من الدفع بذات الحق الذي صدر به الحكم الذي حاز حجية الأمر المقضي في دعوى أخرى، ويجب على المحكمة عندما تستند في حكمها إلى حجية الأمر المقضي أن تبين بيانات الحكم الحائز حجية الأمر المقضي، وهي رقم الحكم وتاريخه وجهة صدوره ومنطوقه، وما يثبت توافر شروط حجية الأمر المقضي السابق ذكرها، وهذا ما بينته المادة (٨٨) من الأدلة الإجرائية.
ولا تقتصر حجية الأمر المقضي على منطوق الحكم، بل تشمل بالإضافة إلى ذلك الأسباب التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنطوق الحكم فتحدد معناه أو تكمله، وهذا ما بينته المادة (٨٩) من الأدلة الإجرائية.
ومن الأمثلة على ذلك: إذا رفعت الدعوى بالمطالبة بتسليم مبيع ودفع البائع بأن المشتري لم يدفع الثمن وأثبت المشتري دفع الثمن وحكمت المحكمة بإلزام البائع بتسليم المبيع للمشتري وسببت لذلك بصحة عقد البيع وثبوت الوفاء بالثمن، فإن حجية الأمر المقضي تثبت لمنطوق الحكم (إلزام البائع بتسليم المبيع للمشتري)، وتثبت أيضاً للأسباب المرتبطة به ارتباطاً وثيقاً وهي إثبات صحة البيع وثبوت الوفاء بالثمن، فهذا الحكم يمنع البائع من إقامة الدعوى بطلب إبطال البيع أو المطالبة بالثمن.