شرح نظام الإثبات — مركز البحوث بوزارة العدل · الإصدار ١ · ص ٢٧٣–٢٧٤ · الأصل، صفحة PDF ٢٧٤
تتصل هذه المادة بما قررته المادة (٨٦) من هذا النظام، إذ تعد استثناءً وارداً عليها؛ وذلك لأن هذه المادة تناولت حجية الحكم الجزائي أمام المحكمة غير الجزائية، التي تنظر دعوى الحق الخاص الناشئ عن الجريمة كالتعويض عن الضرر المترتب على الجريمة، وكان مقتضى المادة (٨٦) من هذا النظام ألا يكون للحكم الجزائي حجية في دعوى الحق الخاص؛ لتخلف شرط اتحاد الخصوم والموضوع، فموضوع الدعوى الجزائية توقيع العقاب، والخصم فيها المجتمع الذي تمثله النيابة العامة، في حين أن موضوع الدعوى الأخرى التعويض، والخصم فيها المتضرر من الجريمة، إلا أنه تفادياً لتعارض الحكم في الدعويين، اقتضى الأمر أن يكون للأحكام الجزائية حجية أمام المحاكم غير الجزائية؛ لأنها تتعلق بحريات الأفراد وسلامتهم، وهو أمر يمس مصلحة المجتمع، ومن ثم يتعين أن تتقيد المحكمة غير الجزائية بما فصل فيه الحكم الجزائي فصلاً قاطعاً لازماً للفصل في دعوى الحق الخاص، وذلك في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: ثبوت الفعل الذي يكون الأساس المشترك لكلتا الدعويين.
المسألة الثانية: إسباغ الوصف الشرعي أو النظامي لهذا الفعل.
المسألة الثالثة: إدانة المتهم بارتكاب الفعل، أو عدم إدانته.
فإذا فصل الحكم الجزائي في هذه المسائل، تعين على المحكمة الأخرى أن تتقيد بذلك وترتبط به، وذلك في حدود ما فصل فيه الحكم الجزائي من الوقائع؛ إذا كان الفصل فيها ضرورياً لقيام الحكم الجزائي.
ويخرج عن حدود هذه الحجية إذا لم يكن ما فصل فيه الحكم الجزائي ضرورياً، كما لو انتهى الحكم الجزائي إلى الإدانة وتطرق -عرضاً- إلى نفي تضرر المجني عليه، رغم كون الضرر ليس ركناً في الجريمة، فإن هذا لا يقيد القاضي المدني، بل له أن يثبت تضرر المجني عليه.
أما إذا قضى الحكم الجزائي بعدم الإدانة، فإنه يجب هنا التفريق بين الصور الآتية:
الصورة الأولى: أن يكون الحكم مؤسساً على نفي نسبة الواقعة للمتهم، أو انتفاء الضرر -في الحالات التي يكون الضرر فيها ركناً في الجريمة-، أو نفي علاقة السببية، فإن هذا يقيد القاضي المدني، فلا يجوز له بحث ثبوت نسبة الواقعة للمتهم، أو ثبوت الضرر، أو علاقة السببية.
الصورة الثانية: أن يكون الحكم الجزائي مؤسساً على عدم كفاية الأدلة، فهو لا يقيد القاضي المدني.
الصورة الثالثة: أن يكون الحكم مؤسساً على كون الفعل غير معاقب عليه نظاماً، فهو أيضاً لا يقيد القاضي المدني.