شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 2 · المادة الحادية والتسعون بعد المائة
عن هذا المصدر
تناولت المادة الحق في الحبس، وهو أحد الضمانات المقررة للدائن في تنفيذ الالتزام، وهذا الحق يجيز لشخص ملتزم بأداء شيء أن يحبس ذلك الشيء ما دام أنه لم يستوف الحق الذي له في ذمة الدائن بسبب ذلك الشيء.
مصدر آخر · الإصدار المعتمد 1 · تسري نسخة المعرفة من 2026-10-22
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة الحادية والتسعون بعد المائة
تناولت المادة الحق في الحبس، وهو أحد الضمانات المقررة للدائن في تنفيذ الالتزام، وهذا الحق يجيز لشخص ملتزم بأداء شيء أن يحبس ذلك الشيء ما دام أنه لم يستوف الحق الذي له في ذمة الدائن بسبب ذلك الشيء.
فهو حق يفترض أن هناك شخصين يحوز أحدهما شيئًا يجب عليه أداؤه إلى الآخر، وفي الوقت ذاته له حق في ذمة الآخر التزم بأدائه، فيكون للحائز أن يحبس الشيء الذي التزم بأدائه إلى أن يوفي له الآخر حقه.
مثال ذلك: أن يحبس البائع المبيع حتى يستوفي الثمن، وأن يحبس الصانع الشيء المصنوع حتى يستوفي أجره، وأن يحبس المودع لديه الوديعة حتى يستوفي ما أنفقه من نفقات يقتضيها حفظ الوديعة، فالحق في الحبس وسيلة يراد بها حمل المدين على تنفيذ التزامه.
والحق في الحبس ليس حقًّا عينيًّا ولا حقًّا شخصيًّا، وإنما هو دفع من الدفوع.
والأصل أن جميع الأشياء تصلح أن تكون محلاً لحق الحبس، يستوي في ذلك العقار أو المنقول، سواء كان المنقول مثليًّا أو قيميًّا، ماديًّا أو غير مادي، كما يرد حق الحبس على العمل؛ كأن يمتنع المقاول عن بدء العمل حتى يتسلم الدفعة المتفق عليها.
وهناك أشياء لا تصلح بطبيعتها لأن تكون محلاً للحق في الحبس، ومنها الأشياء التي لا يجوز الحجز عليها؛ لكون حبس مثل هذه الأشياء يتعارض مع الغرض الذي لأجله قرر النظام بقاءها في يد مالكها وعدم الحجز عليها، كمستلزمات المدين الشخصية، وغير ذلك مما هو وارد في نظام التنفيذ والأنظمة ذات الصلة.
والحق في الحبس لا يرد على الأشخاص بأي حال، فلا يجوز لمالك مدرسة أن يحبس التلميذ عن ولي أمره لعدم دفعه المصروفات الدراسية، ولا لمستشفى الولادة أن يحبس المولود عن ذويه حتى يستوفي أجره.
والغالب أن يكون الشيء المحبوس مملوكًا للمدين، ولكنه قد يكون مملوكًا للدائن الحابس نفسه وعليه التزام بأدائه؛ فالمؤجر مالك المأجور وله أن يحبسه عن المستأجر حتى يستوفي ما اشترط تعجيله من الأجرة.
وإذا كان الشيء مملوكًا للمدين-كما هو الغالب- فقد يكون الحابس حائزًا له بنية تملكه؛ كما لو اشتراه من غير مالك، وأنفق عليه نفقات يحق له استردادها، وقد يكون هذا الحابس مجرد حائز عرضي ليس لديه نية التملك؛ كالمستأجر والمودع لديه اللذين أنفقا نفقات على الشيء مما يجوز لهما نظامًا استردادها من المالك، فهؤلاء جميعًا لهم أن يحبسوا الشيء الموجود في حيازتهم.
ويشترط لثبوت الحق في الحبس شرطان:
الشرط الأول: وجود حق للحابس مستحق الأداء، فالحق في الحبس وسيلة لحمل المدين على تنفيذ التزامه؛ ولهذا يشترط لثبوت حق الحبس أن يكون للدائن الحابس حق واجب الأداء في الحال، ويجب أن يكون حق الحابس نتيجة لوجود التزام نظامي (مدني)، فلا يجوز الحبس لحمل المدين على تنفيذ التزام قائم ديانة؛ لأن في ذلك إجبارًا بطريق غير مباشر على تنفيذ التزام لا إجبار على تنفيذه لانتفاء عنصر المسؤولية فيه.
وهذا الشرط يتضمن أمرين:
الأمر الأول: أن يكون حق الحابس محقق الوجود؛ ولهذا لا يجوز الحبس اقتضاء لحق متنازع فيه، فلا يجوز للمودع لديه أن يحبس الوديعة حتى يستوفي تعويضًا يدعي أنه دائن به إذا كانت دعوى التعويض لم يفصل فيها بعد.
الأمر الثاني: أن يكون حق الحابس مستحق الأداء؛ ولذا لا يجوز استعمال الحبس اقتضاءً لحق مؤجل أو معلق على شرط واقف، غير أن الأجل الذي تمنحه المحكمة نظرة للمدين إلى الميسرة لا يحول دون استعمال الدائن الحق في الحبس، وإذا تبرع الدائن بأجل للمدين لم يمنعه هذا من الحق في الحبس، ما لم يثبت المدين أن الدائن قد نزل بهذا الأجل الممنوح عن حقه في الحبس، وقد اعتبر النظام أن منح البائع المشتري أجلاً بعد البيع للوفاء بالثمن هو نزول ضمني عن حق الحبس وفقًا لنص المادة (٣٤٦).
وإذا جرى العرف أو الاتفاق بتعجيل وفاء أحد الالتزامين لم يجز حبس هذا الالتزام إلى الوفاء بالالتزام الآخر؛ كما لو اتفق في عقد البيع على تأجيل الثمن، فلا يجوز للبائع أن يحبس المبيع لحين استيفائه.
الشرط الثاني: وجود ارتباط بين حق الحابس وبين التزامه بأداء الشيء، والارتباط نوعان:
النوع الأول: ارتباط نظامي، وهو الذي ينشأ عن علاقة نظامية تبادلية بين الدينين، سواء كانت هذه العلاقة تعاقدية أو غير تعاقدية.
والعلاقة التبادلية قد تقوم على عقد ملزم للجانبين؛ مثال ذلك: ما جاء في المادة (٤١٧) من هذا النظام بأنه يجوز امتناع المؤجر عن تسليم المأجور حتى استيفاء الأجرة المعجلة، وقد تقوم العلاقة التبادلية على عقد ملزم لجانب واحد؛ كما في الإيداع بلا أجر، فيجوز للمودع لديه الامتناع عن رد الوديعة حتى يستوفي ما أنفقه من نفقات ضرورية.
وقد تقوم العلاقة التبادلية على غير عقد أصلاً، فيقوم الارتباط على أساس هذا التبادل غير التعاقدي؛ ففي الفضالة -وهي ليست بعقد- تعد التزامات الفضولي والمنتفع التزامات متبادلة، ومن ثم قام الارتباط بينها، ويجوز لكل من الطرفين أن يمتنع عن تنفيذ التزاماته حتى يستوفى التزامات الطرف الآخر.
النوع الثاني: ارتباط مادي، وهو الارتباط الذي يكون الحق في الحبس فيه نشأ من الشيء نفسه وليس من علاقة التزام نظامي بين طرفين؛ ومن تطبيقات ذلك المادة (١٩٢) من هذا النظام التي تنص على أن لكل من أنفق على ملك غيره نفقاتٍ ضروريَّة أو نافعة وهو تحت يده بطريق مشروع أن يحبسه حتى يسترد ما هو مستحقٌّ له. ومن أمثلة ذلك الحائز حسن النية الذي يجهل أن ما بيده مستحق للغير، فله أن يحبس الشيء ويمتنع عن رده لمالكه حتى يستوفي ما أنفقه من نفقات ضرورية على ذلك الشيء والتي يلزم المالك بدفعها له.
وبينت المادة أن الدائن بالشيء المحبوس إذا قدم ضمانًا كافيًا للوفاء بالتزامه تجاه الحابس فليس له الحق في الحبس، يستوي في ذلك أن يكون الدائن قد قدم هذا الضمان قبل الحبس، أو أنه قدم الضمان بعد الحبس؛ فلو استعمل الحابس حقه في الحبس وكان مستوفيًا للشرطين السابقين ثم قدم الدائن ضمانًا كافيًا فإنه ينقضي بذلك حق الحابس في الحبس، ويستوي في ذلك أن يكون الضمان شخصيًّا؛ كالكفالة، أو عينيًّا؛ كالرهن.
ومتى توفرت شروط الحق في الحبس؛ فيحق لمن ثبت له الحق أن يمارسه دون الحاجة للإعذار، أو دون الحاجة للحصول على إذن من القضاء بذلك.
والحق في الحبس يسري في مواجهة المدين وخلفه العام، ولكنه لا يمنع المدين من التصرف في الشيء المحبوس ويكون في هذه الحالة للحابس الامتناع عن تسليمه للمتصرف إليه.
وهناك حالات لا يحق فيها للشخص استعمال حق الحبس، ومنها:
الحالة الأولى: إذا كان الحابس هو المتسبب بغشه أو بإهماله في عدم تنفيذ الآخر لالتزامه نحوه.
الحالة الثانية: إذا كان الحابس هو البادئ في عدم تنفيذ التزامه، فلا يجوز له في هذه الحالة حبس ما للآخر في ذمته من التزام.
الحالة الثالثة: إذا كان الحابس قد توصل إلى وضع يده على الشيء بطريق غير مشروع؛ كالسرقة أو النصب، فلا يكون له الحق في حبسه استيفاءً لما له من حقوق لدى الآخر.