شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 2 · المادة الثانية والثمانون بعد المائة
عن هذا المصدر
تناولت الفقرة (١) شروط الدعوى غير المباشرة، والمراد بهذه الدعوى حق الدائن في أن يستعمل حقوق مدينه التي لم يقم باستعمالها، وذلك بوصفه نائبًا عن المدين. ويغلب أن يأخذ هذا الاستعمال صورة الدعوى، إلا أنه يمكن للدائن في استعمال حقوق مدينه أن يطالب بحقوق هذا المدين بوسيلة غير الدعوى؛ مثل تسجيل عقد أو تسجي
مصدر آخر · الإصدار المعتمد 1 · تسري نسخة المعرفة من 2026-10-22
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة الثانية والثمانون بعد المائة
تناولت الفقرة (١) شروط الدعوى غير المباشرة، والمراد بهذه الدعوى حق الدائن في أن يستعمل حقوق مدينه التي لم يقم باستعمالها، وذلك بوصفه نائبًا عن المدين. ويغلب أن يأخذ هذا الاستعمال صورة الدعوى، إلا أنه يمكن للدائن في استعمال حقوق مدينه أن يطالب بحقوق هذا المدين بوسيلة غير الدعوى؛ مثل تسجيل عقد أو تسجيل رهن.
فبينت الفقرة الشروط الواجب توفرها في الدائن وفي المدين وفي حق المدين الذي يستعمله الدائن على النحو الآتي:
أولاً: الشرط الواجب توفره في الدائن:
لا يشترط في الدائن إلا أن يكون له حق موجود؛ فمجرد وجود الحق كاف في استحقاق الدائن استعمال حقوق مدينه، وبناء على هذا فإذا كان حق الدائن احتماليًّا أو متنازعًا فيه فليس له المطالبة بحقوق مدينه إلا إذا انقلب حقه المحتمل أو المتنازع فيه إلى حق ثابت موجود؛ فليس للوارث المحتمل للدائن قبل موت المورث المطالبة بحقوق المدين؛ لأن حقه احتمالي لم يثبت بعد.
وإذا كان يكفي بشأن الدائن أن يكون له حق موجود، فأثر هذا يظهر في أمور منها:
أ-لا يشترط في حق الدائن أن يكون قابلاً للتنفيذ، وهو الحق الذي يستطيع الدائن تنفيذه مباشرة؛ كأن يكون في يد الدائن سند تنفيذي أو حكم قضائي بالتنفيذ؛ لأنه لن ينفذ مباشرة على أموال المدين فور الحكم له بحقوقه، بل ستدخل هذه الحقوق ضمن الضمان العام.
ب-لا يشترط أن يكون حق الدائن مستحق الأداء، بل يحق للدائن استعمال حقوق مدينه والمطالبة بها ولو كان الدين مؤجلاً أو معلقًا على شرط؛ لأن مطالبة الدائن بحقوق مدينه ليس من لازمها استيفاء الدائن حقه مباشرة فور الحكم، بل يطالب بحقوق مدينه لحمايتها حتى تدخل ضمن الضمان العام فإذا صار حق الدائن مستحق الأداء كانت أموال المدين كافية للوفاء بحقوق الدائنين.
ج-لا يشترط أن يكون حق الدائن معلوم المقدار، بل يحق للدائن استعمال حقوق مدينه والمطالبة بها ولو كان الدين لم يقدر بعد؛ كالتعويض عن الفعل الضار.
د-لا يشترط أن يكون حق الدائن سابقًا على حق المدين، فيحق للدائن استعمال حقوق مدينه والمطالبة بها، ولو نشأت هذه الحقوق قبل حق الدائن.
هـ-لا فرق في المطالبة بحقوق المدين بين دائن عادي أو دائن مرتهن أو دائن له حق امتياز، ولا فرق كذلك بين دائن حقه مبلغ مالي ودائن حقه عيني ودائن حقه عمل أو امتناع عن عمل، فالكل سواء في المطالبة بحقوق المدين.
ثانيًا: الشرطان الواجب توفرهما في المدين:
الشرط الأول: أن يترك المدين استعمال حقوقه أو المطالبة بها بنفسه ويهملها، أما إذا باشر المدين المطالبة بحقوقه فليس للدائن المطالبة بها، وإذا كانت مطالبته بحقوقه بعد أن يكون الدائن قد باشر المطالبة بها فعلى الدائن التوقف عن المضي في الإجراءات التي بدأها، ويترك إتمامها للمدين، وعبء إثبات تقصير المدين في المطالبة بحقوقه يقع على الدائن.
الشرط الثاني: أن يكون فوات الحقوق التي أهمل المدين استعمالها أو المطالبة بها سببًا في زيادة ديونه حالة أو مؤجلة على أمواله، ولو لم يصدر حكم بإعساره أو الحجر عليه، ويقع على الدائن عبء إثبات زيادة ديون المدين على أمواله.
ثالثًا: الشروط الواجب توفرها في حق المدين:
القاعدة العامة أن للدائن أن يستعمل أي حق للمدين، لا فرق بين حق شخصي محله مبلغ مالي، أو القيام بعمل؛ مثل أن يقيم الدعوى لإلزام المقاول باستكمال أعمال بناء عقار مملوك للمدين، أو امتناع عن عمل، أو حق عيني يستعمله الدائن نيابة عن مدينه؛ كحق ملكية أو حق انتفاع أو حق ارتفاق أو حق رهن؛ ومن أمثلة استعمال الدائن حقًّا عينيًّا لمدينه أن يرفع دعوى للمطالبة باستحقاق عين للمدين مستندًا إلى حق الملكية، أو يرفع دعوى للمطالبة بأجرة عين مملوكة لمدينه مستندًا إلى حق الملكية الذي يخول الاستغلال.
وما يستعمله الدائن هو حقوق المدين المالية، وعلى هذا لا تدخل فيها الحقوق المنوطة بالمدين نيابة عن غيره؛ كحقوق ولده القاصر وحقوق موكله والحقوق المتعلقة بالمال المكلف بحراسته، فهي لا تعدُّ من حقوق المدين المالية ولا شأن لدائنيه بها، فلا يجوز لهم المطالبة بها أو استعمالها بطريق الدعوى غير المباشرة.
وقد استثنت الفقرة من هذه القاعدة نوعين من حقوق المدين لا يجوز للدائن استعمالهما ولا المطالبة بهما وهما على النحو الآتي:
أولاً: الحقوق المتصلة بشخص المدين خاصةً، وتشمل الحقوق غير المالية؛ كالحق في الطلاق، والحقوق المالية المتصلة بشخص المدين، والمقصود بها الحقوق التي تقوم في أساسها على اعتبارات أدبية منوط تقديرها بالمدين وحده؛ كحق الواهب في الرجوع في الهبة.
ثانيًا: الحقوق غير القابلة للحجز عليها، فلا يجوز للدائن استعمالها أو المطالبة بها بالنيابة عن المدين.
وهذه الحقوق واردة في نظام التنفيذ والأنظمة ذات الصلة؛ كالأجور والرواتب، فهي غير قابلة للحجز عليها في حدود معينة، فلا يجوز للدائن أن يستعمل حق المدين في المطالبة بالقدر غير القابل للحجز منها.
ويعد من الحقوق غير القابلة للحجز عليها الحق الذي يكون غير قابل للنزول عنه؛ كحق الاستعمال وحق السكنى حيث نصت المادة (٦٩٦) من هذا النظام على أنه لا يصح التنازل عنهما للغير إلا بناء على شرط صريح أو للضرورة، فما لم يوجد هذا الشرط الصريح أو الضرورة لا يجوز لدائن صاحب حق الاستعمال أو حق السكنى أن يطالب بهما بطريق الدعوى غير المباشرة.
ويضاف إلى ذلك أنه لا يجوز للدائن استعمال الرخص المقررة للمدين؛ فلا يجوز أن يكون من شأن الدعوى غير المباشرة أن تسمح للدائن بالتدخل في شؤون مدينه إلى درجة تسلبه كل حرية في التقدير، أو تؤدي إلى إخضاع المدين لنوع من الوصاية من جانب دائنيه.
ويراد بالرخصة الحق الذي يتوقف نشوؤه على إرادة تصدر من المدين إلى غيره، فقبول الهبة أو البيع أو الشراء يعد رخصة؛ لأنه لم ينشأ الحق بها بعد، فإذا صدر القبول نشأ الحق، وعلى هذا ليس للدائن أن يقبل الهبة أو البيع أو الشراء نيابة عن المدين، ولو كان فيه مصلحة ظاهرة للمدين. وليس للدائن كذلك أن يطلب الشفعة باسم مدينه؛ لأنها رخصة للمدين ينشأ بها الحق.
وكذلك لا يجوز للدائن أن يحل محل المدين في إدارة أمواله بحجة أن المدين سيء الإدارة، وليس له أن يحل محله في استعماله أمواله واستغلالها؛ كأن يقوم مثلاً بزراعة أراضيه بحجة أن المدين لا يحسن زراعتها.
أما إذا أصبحت الرخصة حقًّا، كان للدائن أن يطالب بهذا الحق باسم مدينه إذا تحققت الشروط اللازمة، ولو كان ثبوت هذا الحق متوقفًا على اختياره.
وقررت الفقرة (٢) قاعدة عامة في الدعوى غير المباشرة، وهي أن الدائن غير ملزم بإعذار المدين قبل استعمال أي حق من حقوقه التي يحق له استعمالها نيابة عنه.
كما تضمنت الفقرة أنه إذا كان استعمال الدائن لحقوق مدينه بطريق رفع دعوى باسم المدين فيجب إدخاله في الدعوى غير المباشرة.
وبينت الفقرة (٣) أن الدائن في الدعوى غير المباشرة مع ما له من مصلحة شخصية فيها، يعدُّ نائبًا عن المدين في استعمال حقوقه، ويتعين عليه كما يتعين على كل نائب في مباشرة حقوق الأصيل أن يباشرها باسم المدين بحيث لو باشرها باسمه الخاص كانت دعواه غير مقبولة لانعدام الصفة، ويستمد الدائن في الدعوى غير المباشرة صفة النيابة عن المدين من النظام ذاته؛ ولذلك فهو لا يحتاج في رفع هذه الدعوى إلى الحصول على إذن من القضاء.
كما تضمنت الفقرة أن كل نفعٍ يعود من استعمال الدائن حقوق مدينه يكون من أموال المدين، ويدخل في الضمان العام لجميع دائنيه، دون أن يختص به الدائن الذي استعمل هذه الحقوق وحده.
فإذا صحت الدعوى غير المباشرة ترتب على ذلك آثارها، وهذه الآثار منها ما يتعلق بالمدين ومنها ما يتعلق بالدائن الذي رفعها، ومنها ما يتعلق ببقية الدائنين، وتفصيلها على النحو الآتي:
أولاً: أثر الدعوى بالنسبة إلى المدين:
مطالبة الدائن بحقوق مدينه بطريق الدعوى غير المباشرة لا تغل يد المدين عن هذا الحق، فالمدين يظل محتفظاً بحقِّه، ويستطيع أن يتصرف فيه بجميع أنواع التصرفات؛ فيجوز له أن ينقله إلى الغير، وأن يتصالح عليه مع الخصم، وأن يتنازل عنه، ولا يستطيع الدائن أن يعترض على هذه التصرفات إلا بطريق دعوى عدم نفاذها إذا توفرت الشروط اللازمة.
كما أن مدين المدين يستطيع أن يفي بالدين للمدين مباشرة ويكون هذا الوفاء صحيحًا نافذًا رغم وقوعه بعد قيام الدائن برفع الدعوى غير المباشرة، وكذلك يجوز لهذا المدين أن يفي بالدين مباشرة للدائن رافع الدعوى فتنتهي بذلك الدعوى غير المباشرة، وتبرأ ذمة مدين المدين بهذا الوفاء، وهذا الوفاء لا يأخذه الدائن لنفسه، ولكنه يعود للضمان العام، ويستفيد منه بقية الدائنين.
ثانيًا: أثر الدعوى بالنسبة إلى مدين المدين:
يستطيع مدين المدين أن يدفع في مواجهة الدائن بجميع الدفوع التي كان يستطيع أن يدفع بها في مواجهة المدين، فالدائن ليس إلا نائبًا عن هذا المدين، فللخصم أن يدفع بجميع أسباب انقضاء الدين، كما أن له أن يتمسك بأوجه البطلان التي تعرض للعقد، وذلك إذا كان الدائن يستند في مطالبته إلى عقد تم مع المدين. ولكن ليس لهذا المدين أن يدفع دعوى الدائن بدفوع خاصة بشخص هذا الدائن، مثل ادعاء مقاصة بين مدين المدين والدائن شخصيًّا؛ لأن الدائن إنما ينوب عن المدين، فلا يتصور وجود مقاصة بين الدينين.
ثالثًا: أثر الدعوى بالنسبة إلى الدائن رافع الدعوى:
الدائن في مطالبته بحقوق المدين بطريق الدعوى غير المباشرة نائب عن المدين، ولذلك يستطيع أن يطالب الخصم بكل ما كان يستطيع أن يطالبه به المدين بصرف النظر عن مقدار حق الدائن أو طبيعته أو مصدره، فالدائن لا يختص بما سيحكم به على مدين المدين، بل يدخل ذلك في الضمان العام، ولكن لما جعل النظام للدائن نيابة نظامية قام مقام المدين في المطالبة بكل ما للمدين المطالبة به، ولو كان حق الدائن أقل مما للمدين لدى الخصم.
وعلى هذا لو أن حق الدائن تبلغ قيمته مائة ألف ريال، وكان حق المدين يساوي مائتي ألف ريال، كان للدائن مطالبة مدين المدين بالمائتين كلها.
رابعًا: أثر الدعوى بالنسبة إلى سائر الدائنين:
إذا حكم للدائن في الدعوى غير المباشرة فإنه لا يستأثر وحده بنتيجة الدعوى، فهو نائب عن المدين، وهدف الدعوى هو إدخال المال المتنازع فيه في ملك المدين، ليدخل في الضمان العام لدائنيه فيستطيع الدائن رافع الدعوى وغيره من الدائنين أن ينفذوا على هذا المال، دون أن يختص به الدائن الذي رفع الدعوى وحده.
وإذا خسر الدائن الدعوى فحكم لصالح الخصم، كان هذا الحكم حجة على المدين وعلى سائر الدائنين؛ لأن مدين المدين قد نال حكمًا لصالحه كان الخصم فيها من له صفة الدعوى بمقتضى النظام، فيكون لمدين المدين إذا صدر الحكم لصالحه أن يتمسك بحجية الشيء المحكوم فيه إذا ما رفعت دعوى أخرى في الحق المتنازع فيه سواء رفعها المدين بنفسه أو رفعها أحد الدائنين الآخرين.