شرح نظام المعاملات المدنية — الجزء 1 · المادة الرابعة والأربعون بعد المائة
عن هذا المصدر
تناولت المادة القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب، وهي أن كل من يُثري على حساب غيره، دون سبب مشروع، يلتزم في حدود ما أثرى به بتعويض هذا الغير عما لحقه من خسارة.
مصدر آخر · الإصدار المعتمد 1 · تسري نسخة المعرفة من 2026-10-22
هذا الرابط يشير إلى النص في الإصدار المحدد.
النص المفرّغ
المادة الرابعة والأربعون بعد المائة
تناولت المادة القاعدة العامة في الإثراء بلا سبب، وهي أن كل من يُثري على حساب غيره، دون سبب مشروع، يلتزم في حدود ما أثرى به بتعويض هذا الغير عما لحقه من خسارة.
وبينت المادة سريان حكمها على كل شخص -ذي صفة طبيعية أو اعتبارية-، أما من حيث الأهلية، فقررت المادة سريان هذه القاعدة ولو كان الشخص غير مميز، فلا تشترط الأهلية فيمن يثري أو فيمن يفتقر.
وتضمنت المادة العناصر اللازمة لنشوء الالتزام بناءً على الإثراء بلا سبب، وهي:
العنصر الأول: إثراء شخص معين بحيث يصبح بسبب هذا الإثراء مديناً بالالتزام الذي ينشأ، ويتحقق ذلك بدخول قيمة ما يثري به في ذمته المالية، أما إذا لم يتحقق الإثراء فلا التزام؛ كما لو وفى شخص ديناً عن شخص آخر وتبين أن هذا الدين قد سبق الوفاء به أو أنه لا وجود له، فلا يتحقق الإثراء بالنسبة لذلك الشخص الذي تم وفاء الدين عنه، ويرجع الموفي على من وفاه وليس على ذلك الشخص، بدعوى دفع غير المستحق.
العنصر الثاني: افتقار شخص آخر، بحيث يصبح دائنًا بذلك الالتزام، فإذا تحقق الإثراء في جانب شخص ولم يقابله افتقار في جانب الشخص الآخر، فلا تطبق قاعدة الإثراء بلا سبب؛ ومثال ذلك: إذا أنشأ شخص حديقة في منزله يطل عليها منزل جاره وأصبحت سببًا في رفع قيمة منزل الجار، فالجار في هذه الحالة يكون قد أثرى ولكن صاحب الحديقة لم يفتقر؛ لأنه منتفع بالحديقة ولم يخسر شيئًا.
العنصر الثالث: توفر الارتباط بين الإثراء والافتقار، بحيث يكون هذا الافتقار هو السبب المباشر في إثراء المدين، فلو انقطعت الرابطة بينهما فلا التزام.
العنصر الرابع: انتفاء السبب النظامي الذي يبرر الإثراء أو الافتقار، وهذا هو مقتضى كونه (بلا سبب)، فمتى وجد سببٌ مشروع للإثراء أو الافتقار فلا تنطبق قاعدة الإثراء بلا سبب؛ ذلك أنه إذا وُجد السبب فلا محل للاسترداد.
والمقصود بالسبب هنا المصدر النظامي الذي يكسب المثري الإثراء ويجعل له الحق في استبقائه، فقد يكون السبب في الإثراء عقدًا؛ كالمقاول إذا تعاقد مع شخص بأجر إجمالي، فيمنعه العقد من المطالبة بأي زيادة في الأجر، وقد يكون سبب الإثراء حكمًا من أحكام النظام؛ كالفعل الضار، فلا يلتزم من أخذ تعويضًا عن ضرر أصابه برد هذا التعويض؛ لأنه قد كسبه بسبب نظامي هو الفعل الضار، فوجود السبب النظامي يبرر افتقار أحدهما وإثراء الآخر.
وقررت المادة أثر الإثراء بلا سبب، فمتى توفرت عناصره فإنه يترتب عليه نشوء الالتزام في ذمة المثري لصالح المفتقر، فيلزمه في حدود ما أثرى به تعويض هذا الشخص عما لحقه من خسارة، وذلك يتحدد بمقدار ما عاد على المثري من نفع، أو ما لحق المفتقر من خسارة، أي القيمتين أقل؛ فالتعويض لا يجوز أن يزيد على خسارة المفتقر ولو كان إثراء المثري يزيد على هذه الخسارة، كما لا يجوز أن يزيد من جهة أخرى على إثراء المثري ولو كانت خسارة المفتقر تزيد على هذا الإثراء.
فإذا كان الافتقار نقدًا فإن مدى الافتقار هو مدى الإثراء، فمقدار النقد الذي خرج من مال المفتقر هو نفس الذي دخل في ذمة المثري؛ لعدم اختلافه في النقد، وإذا كان الافتقار تحسينات استحدثها المفتقر، فيكون التعويض بأقل القيمتين: مدى الافتقار وهو ما أنفقه المفتقر في التحسينات التي استحدثها، ومدى الإثراء وهو ما زاد في مال المثري بسبب هذه التحسينات، وهكذا.
والوقت الذي يقدر فيه الإثراء هو وقت تحققه؛ لأن طبيعة الإثراء تسمح بتقديره تقديرًا نهائيًّا وقت وقوعه، فهو يدخل في مال المثري ويصبح جزءًا منه فيتحدد بذلك مقداره.
ويراعى عند تقدير الإثراء الآتي:
أولاً: أن يخصم من قيمة الإثراء ما يكون المثري قد تكلفه من مصروفات لجلب هذا الإثراء لنفسه.
ثانيًا: عدم تأثير كون المثري حسن النية أو سيئها؛ فالتزام المثري يقوم على واقعة الإثراء ذاتها.
ويقع عبء الإثبات في دعوى الإثراء بلا سبب على الدائن وهو المفتقر، فهو الذي يطلب منه إثبات قيام الالتزام في ذمة المدين وهو المثري؛ فعلى المفتقر أن يثبت أن هناك إثراء في جانب المثري ومقدار هذا الإثراء، وأن يثبت أن هناك افتقارًا في جانبه ترتب عليه إثراء المثري ومقدار هذا الافتقار.
ثم بينت المادة أنه لا يحول دون بقاء الالتزام أن يزول الإثراء بعد حصوله، فمتى تحقق الإثراء فإن التزام المثري يظل قائمًا بعد ذلك، فلا يشترط لمباشرة دعوى الإثراء أن يظل الإثراء قائمًا وقت رفعها.
ومصدر حق المفتقر في التعويض هو واقعة الإثراء الذي نشأ عن الافتقار دون أن يكون هناك سبب نظامي، ويترتب على ذلك جواز تصرف المفتقر في حقه من حين تحقق واقعة الإثراء ولو قبل صدور حكم قضائي به؛ فيحوله إلى شخص آخر أو يتخذ الإجراءات التحفظية لحفظه.