شرح نظام الإثبات — مركز البحوث بوزارة العدل · الإصدار ١ · ص ٢٠٦–٢١٠ · الأصل، صفحة PDF ٢٠٧
جاءت الفقرتان (١) و (٢) لبيان أن الكتابة هي طريق إثبات نوعين من التصرفات، فلا يقبل إثباتهما بالشهادة وجوداً أو انقضاءً، وهذان النوعان هما:
النوع الأول: التصرفات محددة القيمة، وهي التي تزيد على (مائة ألف ريال أو ما يعادلها).
النوع الثاني: التصرفات غير محددة القيمة.
ومن أمثلتها: الالتزام بالامتناع عن عمل، كالالتزام بعدم المنافسة وعدم إفشاء الأسرار الوارد في المادة (٨٣) من نظام العمل.
وقيدت الشهادة بما ذكر في هذه المادة وقدمت الكتابة عليها؛ نظراً لما تتميز به الكتابة من قوة في الإثبات، واتفاقاً مع الأصول المعتبرة في توثيق الالتزامات، ولأن أطراف التصرف وهم في حال السعة بمقدورهم إثباته بالكتابة.
والمحكمة لا تقبل الإثبات بشهادة الشهود في وجود أو انقضاء التصرفات الواردة في هذه المادة، وتتصدى لذلك من تلقاء نفسها، دون الحاجة للدفع به من الخصوم، وهذا ما بينته المادة (٦٩) من الأدلة الإجرائية.
وهذا الحكم الوارد في المادة يسري على التصرفات المدنية والتجارية، وهو على إطلاقه، ما لم يوجد اتفاق بين طرفي التصرف أو نص نظامي يجيز الإثبات بالشهادة في تلك الحال أو يمنعها، فالمقيد مقدم على المطلق، فالاتفاق بين الأطراف على الإثبات بالشهادة فيما زاد على مائة ألف ريال، أو عدم الإثبات بها فيما كان أقل من هذا المبلغ يعمل به، ولا بد أن يكون هذا الاتفاق مكتوباً، وذلك بناءً على المادة (٦) من هذا النظام.
والحكم الوارد في هذه المادة خاص بالتصرفات، وقد عرفت الفقرة (٤) من المادة (٦٩) من الأدلة الإجرائية التصرفات بأنها: «اتجاه الإرادة نحو إحداث أثر نظامي معين، ويرتب النظام عليها هذا الأثر، ويشمل العقد والإرادة المنفردة». وتشمل كذلك الاتفاقات والعقود التي تنشئ التزامات أو تنقل حقوقاً عينية أو شخصية، سواء أكانت هذه العقود أو الاتفاقات ملزمة لجانب واحد كالوعد بالجائزة، أم ملزمة لجانبين كالبيع والقرض والإيجار والمقاولة، وتدخل فيها الاتفاقات التي ينقضي بها الالتزام كالوفاء والإبراء والمقاصة، أو تعدله كإضافة أجل أو شرط، أو تنقله كحوالة الحق وحوالة الدين.
وأما الوقائع المادية -ومنها الفعل الضار- فلا تدخل في هذا الحكم، ويجوز إثباتها بالشهادة دون النظر إلى قيمتها؛ لكونها تخرج عن نطاق التصرفات، كما سبق بيانه في شرح المادة (٦٥) من هذا النظام، وهو ما بينته الفقرة (٣) من المادة (٦٩) من الأدلة الإجرائية.
ووجه التفريق بين التصرفات والوقائع المادية في الإثبات أن التصرفات يمكن إعداد دليل إثباتها وقت إنشائها، بخلاف الوقائع المادية التي يتعذر إعداد دليل إثباتها وقت نشأتها.
وهذا الحكم الوارد في المادة -وهو وجوب الإثبات بالكتابة- يتحقق بالكتابة التقليدية، أو ما يقوم مقامها، كالدليل الرقمي، كما تفيده المادة (٥٥) الواردة في الدليل الرقمي من هذا النظام.
ومما تجدر الإشارة إليه ما يأتي:
أولاً: أنه إذا كان محل الالتزام شيئاً غير النقود كالمقايضة، فتقدر المحكمة قيمته وقت صدور التصرف لا وقت المطالبة، ودون أن تتقيد في ذلك بتقدير المدعي، وللمحكمة عند الحاجة أن تستعين بخبير للتقدير.
ثانياً: أن العبرة بقيمة الالتزام وقت صدور التصرف، سواء أطاَلَب المدعي بتنفيذ الالتزام كله أم بتنفيذ جزء منه بأقل من مائة ألف ريال، ومثال ذلك: إذا باع شخص سلعة بمائتي ألف ريال مؤجلة على أربعة أقساط في كل قسط خمسون ألف ريال، ورفع البائع دعواه بالمطالبة بالقسط الأول، فأنكر المدعى عليه العقد، فليس للمدعي أن يثبت العقد بشهادة الشهود في هذه الحالة؛ لكون قيمة الالتزام الأصلي تجاوزت مائة ألف ريال.
ثالثاً: أنه إذا اشتمل محل الإثبات على واقعة مختلطة من تصرف وواقعة مادية، فيُثبت التصرف وفق أحكام هذه المادة، فلا تقبل فيه الشهادة إذا كانت قيمته تتجاوز مائة ألف ريال. وأما الواقعة المادية فتُثبت بكافة طرق الإثبات، ومنها الشهادة. ومثال ذلك: إذا عُقد بيع بين طرفين، وكانت القيمة أكثر من مائة ألف ريال، وقام النزاع بين الطرفين في تسلم المشتري للمبيع، ففي هذه الحالة يكون إثبات العقد بالكتابة باعتباره تصرفاً، ويكون إثبات تسليم المبيع بكافة طرق الإثبات باعتباره واقعة مادية؛ وذلك ما لم ينص صراحة في العقد على أن المشتري تسلم المبيع، ففي هذه الحالة لا يثبت عكس ذلك إلا بالكتابة، وفقاً للفقرة (٣) من المادة (٦٧) من هذا النظام. وكما لو تعاقد طرفان على عقد إيجار عين، وكانت الأجرة أكثر من مائة ألف ريال، وتنازعا في تسليم العين المؤجرة للمستأجر، ففي هذه الحالة يكون إثبات العقد بالكتابة باعتباره تصرفاً، ويكون إثبات تسليم العين للمستأجر بكافة طرق الإثبات؛ باعتباره واقعة مادية، وذلك ما لم ينص صراحة في العقد على أن المستأجر تسلم العين المؤجرة، ففي هذه الحالة لا يثبت عكس ذلك إلا بالكتابة، وفقاً للفقرة (٣) من المادة (٦٧) من هذا النظام.
رابعاً: أن حكم هذه المادة يقتصر على طرفي التصرف، أما الغير فإن التصرف بالنسبة له يعد واقعة مادية، يقبل الإثبات فيها بكافة طرق الإثبات، ومنها الشهادة.
وتناولت الفقرة (٣) تحديد التاريخ المعتبر في تحديد قيمة الالتزام، وأنه تاريخ صدور التصرف، وليس تاريخ المطالبة بتنفيذ التصرف.
ولا يدخل في تحديد قيمة التصرف الملحقات، ومنها ما ينتج عن التصرف الأصلي من أرباح، ومثال ذلك: أن يتفق شخصان على شراء مجموعة من الأسهم في شركة من الشركات المدرجة في السوق المالية، قيمتها أقل من مائة ألف ريال، واقتسام أرباحها، ثم يتقدم أحد الأطراف بدعواه لفسخ العقد، والمطالبة بإعادة حصته من رأس المال والأرباح، فالعبرة في إثبات هذا الاتفاق هو بقيمته الأصلية وقت الاتفاق، دون الأخذ في الاعتبار ما طرأ على قيمة الأسهم من زيادة بسبب ارتفاع قيمتها في السوق، أو ما ضم لها من أرباح.
وتناولت الفقرة (٤) بيان القاعدة المعتبرة في حالة تعدد التصرفات بين الأطراف، فإذا كانت الالتزامات ناشئة من مصادر متعددة ومستقلة، فتُقدر قيمة كل التزام على انفراد؛ فإن كانت قيمة كل منها أقل من مائة ألف ريال، فيقبل إثباته بشهادة الشهود؛ حتى لو زاد مجموع هذه التصرفات على مائة ألف ريال، أو كانت هذه التصرفات تمت بين الأطراف ذاتهم، ومثال ذلك: أن تقام الدعوى للمطالبة بقيمة قرض أقل من مائة ألف ريال، ووديعة أقل من مائة ألف ريال، ففي هذه الحالة ينظر لقيمة كل تصرف على انفراد.
كما أن هذه القاعدة تطبق ولو كانت التصرفات ذات طبيعة واحدة، مثل: أن تكون التصرفات جميعها متعلقة ببيع سلع متعددة، تم كل منها بعقد بيع مستقل عن الآخر، فالعبرة بقيمة كل تصرف على انفراد، وبمفهوم المخالفة فإن الالتزامات إذا نشأت من مصدر واحد؛ فالعبرة في تحديد قيمة الالتزام بمجموعها، كأن يبيع شخص لآخر عدة أشياء ضمن صفقة واحدة؛ فالعبرة هنا بقيمتها كلها ولا تُجزأ.
وتناولت الفقرة (٥) بيان المعتبر في تحديد قيمة الوفاء ولو كان جزئياً، فجعلت العبرة في إثبات الوفاء بقيمة الالتزام الأصلي، فإن كانت قيمته تزيد على مائة ألف ريال فلا يجوز إثبات الوفاء بالشهادة. وهي قاعدة مطلقة تنطبق ولو كان الوفاء جزئياً بقيمة أقل من مائة ألف ريال؛ وذلك منعاً من التحايل على أحكام المادة بتجزئة الوفاء، ومثاله: إذا أجر عقاراً بمائة وخمسين ألف ريال، ودفع المستأجر ستين ألف ريال من الأجرة، وتقدم المؤجر بالمطالبة ببقية الأجرة وقدرها تسعون ألف ريال، فدفع المستأجر بالوفاء، فليس للمستأجر أن يثبت الوفاء بشهادة الشهود في هذه الحالة؛ لكون قيمة الالتزام الأصلي تجاوزت مائة ألف ريال.